«وعلينا حين نرهف آذاننا لتسمع أصوات العصر أن نجعل عيوننا وعقولنا على مشكلاتنا؛ إذ لا قيمة عندنا لفكرة تستفاد من ثقافة أخرى، إلا بقدر ما تلبي حاجة، أو تحل مُشكلًا، أو تضيء سبيلا»...
(الأستاذ الدكتور سعد مصلوح أستاذ اللغويات واللسانيات الحديثة والمعاصرة)
(1)
محادثة تليفونية جميلة مع الأستاذ والعالم اللغوي الجليل عباس التونسي أستاذ اللغة العربية بالجامعة الأمريكية، والجامعات العربية، والخبير المتخصص في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، أَحيَت الكثيرَ من الهموم والشجون حول لغتنا العربية، وما أكثر ما يمكن أن يكتب أو يقال حول هموم لغتنا الجميلة في كل شأن من شؤونها وشؤوننا!
من ضمن ما تطرق إليه الحديث استدعاء الدراسة القيمة الجليلة التي كتبها أستاذ اللسانيات الحديثة والمعاصرة؛ العالم الجليل الدكتور سعد مصلوح؛ الذي أراه بحق وصدق الآن شيخ العربية الوقور الذي جمع في إهابه بين أدق وأحدث ما وصلت إليه الدراسات اللغوية والأسلوبية والحديثة، وبين المعرفة الواسعة العميقة بتراثنا اللغوي الزاخر وكنوزه وروائعه التي شهد لها من غير أبنائها أضعاف ما شهد لها به أبناؤها!
ولأن هذا المقال ينشر بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية؛ الذي صار مناسبة معلومة ومشهورة لإحياء علاقتنا بلغتنا، وتجديد إحساسنا الفطري والمعرفي بضرورتها وأهميتها؛ لغتنا العربية الجميلة، فقد أحببت أن أوجه تحية امتنان وتقدير للدكتور سعد مصلوح أحد شيوخ اللغة العربية الأجلاء، ورجالاتها الأفذاذ في هذا الزمان.. رجل يوازي جهده ومنجزه مؤسسات بأكملها.
الدكتور سعد مصلوح لم أتشرف بلقائه مباشرة، ولو مرة واحدة. لكن كان لي شرف التتلمذ على بعض علمه الوافر الغزير، ثم أدركتُ لاحقا -أمام ما أنجزه هذا الرجل- معنى كلمة "عالم" بكل ما تعنيه الكلمة. هو، كما يقول د.جابر عصفور، ممن تعلم على تراثٍ ممتد، وآمن بمقولة الشيخ أمين الخولي "أول التجديد قتل القديم درسا"، يقول عصفور "سعد مصلوح الأستاذ الجامعي المتميز في علمه (اللغويات)، وينتسب وإياي إلى جيلٍ واحد، لا يخرج عن القاعدة، فالكتاب الذي ترجمه في "نظرية الترجمة"، والخبرة التي أظهرتها الترجمة تقف وراءها خبرات تمام حسان، وعبدالحكيم حسان، وكلهم أشبه بشهرزاد ألف ليلة وليلة، قرأ ودرس، وعرف علوم العرب والعجم".
فسعد مصلوح دارسٌ استثنائي للتراث اللغوي والبلاغي، وحصل على الدكتوراه في اللغويات من جامعة موسكو، وأكمل ذلك بمعرفة مصادر اللغويات الحديثة، وعلومها الأحدث، ومنها نظريات الترجمة، في التقاليد الأنجلوسكسونية التي لا تزال متجددة..
(2)
اتصلت الأسباب بيني وبين اسم العلامة د.سعد مصلوح، وأنا أدرس تيارات الشعر العربي الحديث، وضمن ما كنت أبحث عنه آنذاك من كتب ومراجع عن "الشعر العربي"، عثرتُ على كتاب بعنوان «الشعر العربي الحديث 1800-1970.. تطور أشكاله وموضوعاته بتأثير الأدب الغربي» من ترجمة الأستاذين الجليلين سعد مصلوح ومحمد شفيع الدين السيد، أهداني نسخة منه صديق عزيز فرقت بيننا الأشغال والأيام،
في ذلك الوقت، كنتُ مولعًا (بتأثير أستاذي د.سيد البحراوي) بتتبع أشكال الخروج على عروض الشعر العربي، وعلى الأشكال الفنية التي تمردت على عروض الخليل بن أحمد، وحملت معها في الوقت ذاته بذور "حداثة شعرية" أفاد منها شعراء التيارات الجديدة الذين تمردوا بدورهم على الشعر الرومانسي، وخرجوا على قوالبه ومضامينه، وأخذوا بدافع البحث الحماسي عن التجديد الموازنة بين اكتشاف أشكال وقوالب شعرية تراثية يمكن استلهامها أو توظيفها في هذا التجديد، وبين الاتجاه إلى تيارات الشعر الغربي الحديث.
وكان من ضمن الكتب التي توسعت في دراسة هذه الأشكال (كالموشحة والمربعات والدوبيت وغيرها، فضلا على تركيز الدرس على الشكل الفني بناء وتركيبا، وموسيقى وتصويرا، وليس المضمون وحده) هذا الكتاب الذي اضطلع بترجمته، كما ذكرت، الأستاذان الجليلان.
(3)
وفي مرحلة الدراسات العليا، وكان يدرس لنا "علم الأسلوب" أستاذنا الدكتور عبد الحكيم راضي الذي أبحر بنا في رحلة ذهنية مرهقة حقا لكنها ممتعة أيضًا بين أوراق ونصوص مختارة لكل التيارات الممثلة للدرس الأسلوبي، تأليفًا وترجمة، تاريخًا واصطلاحًا، واستوقفني من بين عشرات الأوراق التي اختارها لنا وعقب عليها بخطه الهندسي المركب، فصول مختارة من كتب وترجمات سعد مصلوح (بالأخص من كتابه المرجعي «في النص الأدبي ـ دراسة أسلوبية إحصائية»، وإذا لم تخني الذاكرة من كتابه الآخر المترجم «اتجاهات البحث اللساني» بالاشتراك مع الدكتورة وفاء كامل)
لكنني توقفت بشكل خاص أمام بحثه الممتاز؛ المعنون «مشكل العلاقة بين البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية» وهو البحث المحكم الذي قرأته أكثر من مرة باستمتاع وتذوق وتركيز، ليس فقط للغته العلمية المنضبطة الواضحة بل لإحاطته وربطه المحكم بين علم عربي تراثي أصيل؛ "البلاغة العربية"، وبين نظيره وموازيه في الثقافة الغربية في صورة متطورة وهو "علم الأسلوب، أو كما يفضل د.مصلوح أن يطلق عليه "الأسلوبيات اللسانية"، وسأتوقف قليلًا أما فكرته الرئيسة.
(4)
في «مشكل البلاغة العربية واللسانيات الأسلوبية»؛ يقدم مصلوح واحدة من أنضج تجارب البحث فيما يسميه بعض الباحثين التواصل المعرفي في الدرس البلاغي المعاصر؛ إذ يربط مصلوح فرضياته ومقترحاته بما قاله سابقا عليه أمين الخولي في دراسته الباكرة «مناهج تجديد في النحو والبلاغة واللغة»، ناقدًا بعض أوجه القصور التي رآها في معالجات أمين الخولي، كاشفًا عن الإيجابيات التي وجدها في محاولته الرائدة، يقول مصلوح:
«على أنه يبقى من صيغة الخولي تلك اللفتة الرائعة الداعية إلى مجاوزة البحث البلاغي مستوى الجملة إلى مستوى ما وراء الجملة في الفقرة والنص، ويزيدنا عَجَبًا منها وإعجابًا بها أن ذلك كان منه في تاريخ متقادم يعود إلى عام 1931، وأَعْجبُ كيف مرت هذه الدعوة، ولم تجد لها من صدى على صعيد النظر إلا فيما كتبه رصيفه أحمد الشايب في كتابه «الأسلوب» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1939، أما على صعيد التطبيق فلم نعثر لها على أثر، وكانت هذه الفكرة حَرِيّة، إذا وجدت من يتابعها من اللسانيين والبلاغيين، أن تحدث ثورة في الدرس اللساني والبلاغي في العربية، تنتقل به من "نحو الجملة" و"بلاغة الجملة" إلى "نحو النص" و"بلاغة النص"...».
ويضيف مصلوح: "والمرء يكون أشد إحساسًا بعظمة هذه اللفتة حين يعلم أن هذه الفكرة لم تكن قد تحددت لها قسمات وملامح واضحة في أدبيات الدرس اللساني في أوروبا حتى ذلك الوقت، إذ يرجع تاريخ أول مقال معروف نصب نفسه لدراسة البنية النحوية في النص إلى عام 1952، وكان كاتبه هو زيليج هاريس Zellig Harris اللساني المخضرم، الذي كان من صناع النقلة من المنهج الوصفي إلى التوليدية التحويلية في اللسانيات الأمريكية".
(5)
ولطالما بهرني الرجل بوافر علمه وغزير محصوله (من القديم والحديث والمعاصر معا)، وحرصه الشديد على الشرح والتبسيط والإفهام والتفهيم، وجدتني أقرأ جل ما يكتبه وينشره ويذيعه من علم نافع بغير عناء وأستسيغ هذه المصطلحات التي كانت بالنسبة لكثيرٍ من الزملاء "يوناني لا يقرأ" أو "روسي لا يفهم"! وهكذا.
أخذتني الدنيا، وانقطعت عن التوفر للدرس الأكاديمي وحده، دون أن يزول من نفسي أثر ما قرأت لسعد مصلوح، وبدافع من فضول وشغف قديم تتبعت بعض إنتاجه الغزير واتساع آفاق التأليف التي راوحت بين تدريس علوم اللغة العربية التقليدية؛ كالنحو والبلاغة وفقه اللغة، والتخصص في علم "الأسلوب" أو اللسانيات الحديثة بمستوياتها المختلفة، أو نظريات الترجمة وتطبيقاتها الحديثة، وما استدعى ذلك من إجادة ممتازة للغة الإنجليزية يقرأ بها ويترجم عنها، حتى صارت كتبه وترجماته مراجع أساسية لا يمكن بحال الاستغناء عنها في أي مؤسسة أو هيئة جامعية تضطلع بدرس اللغة العربية وعلومها وفنونها المختلفة..
هذه مجرد تحية وامتنان عميق من القلب لأحد العلماء الأجلاء الكبار، تركوا في حب العربية وخدمتها ما سيظل شاهدا على استحقاقها وعلو مكانتها..
لمن يستحقون التحية في الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية.. سلاما ووفاء..
(الأستاذ الدكتور سعد مصلوح أستاذ اللغويات واللسانيات الحديثة والمعاصرة)
(1)
محادثة تليفونية جميلة مع الأستاذ والعالم اللغوي الجليل عباس التونسي أستاذ اللغة العربية بالجامعة الأمريكية، والجامعات العربية، والخبير المتخصص في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، أَحيَت الكثيرَ من الهموم والشجون حول لغتنا العربية، وما أكثر ما يمكن أن يكتب أو يقال حول هموم لغتنا الجميلة في كل شأن من شؤونها وشؤوننا!
من ضمن ما تطرق إليه الحديث استدعاء الدراسة القيمة الجليلة التي كتبها أستاذ اللسانيات الحديثة والمعاصرة؛ العالم الجليل الدكتور سعد مصلوح؛ الذي أراه بحق وصدق الآن شيخ العربية الوقور الذي جمع في إهابه بين أدق وأحدث ما وصلت إليه الدراسات اللغوية والأسلوبية والحديثة، وبين المعرفة الواسعة العميقة بتراثنا اللغوي الزاخر وكنوزه وروائعه التي شهد لها من غير أبنائها أضعاف ما شهد لها به أبناؤها!
ولأن هذا المقال ينشر بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية؛ الذي صار مناسبة معلومة ومشهورة لإحياء علاقتنا بلغتنا، وتجديد إحساسنا الفطري والمعرفي بضرورتها وأهميتها؛ لغتنا العربية الجميلة، فقد أحببت أن أوجه تحية امتنان وتقدير للدكتور سعد مصلوح أحد شيوخ اللغة العربية الأجلاء، ورجالاتها الأفذاذ في هذا الزمان.. رجل يوازي جهده ومنجزه مؤسسات بأكملها.
الدكتور سعد مصلوح لم أتشرف بلقائه مباشرة، ولو مرة واحدة. لكن كان لي شرف التتلمذ على بعض علمه الوافر الغزير، ثم أدركتُ لاحقا -أمام ما أنجزه هذا الرجل- معنى كلمة "عالم" بكل ما تعنيه الكلمة. هو، كما يقول د.جابر عصفور، ممن تعلم على تراثٍ ممتد، وآمن بمقولة الشيخ أمين الخولي "أول التجديد قتل القديم درسا"، يقول عصفور "سعد مصلوح الأستاذ الجامعي المتميز في علمه (اللغويات)، وينتسب وإياي إلى جيلٍ واحد، لا يخرج عن القاعدة، فالكتاب الذي ترجمه في "نظرية الترجمة"، والخبرة التي أظهرتها الترجمة تقف وراءها خبرات تمام حسان، وعبدالحكيم حسان، وكلهم أشبه بشهرزاد ألف ليلة وليلة، قرأ ودرس، وعرف علوم العرب والعجم".
فسعد مصلوح دارسٌ استثنائي للتراث اللغوي والبلاغي، وحصل على الدكتوراه في اللغويات من جامعة موسكو، وأكمل ذلك بمعرفة مصادر اللغويات الحديثة، وعلومها الأحدث، ومنها نظريات الترجمة، في التقاليد الأنجلوسكسونية التي لا تزال متجددة..
(2)
اتصلت الأسباب بيني وبين اسم العلامة د.سعد مصلوح، وأنا أدرس تيارات الشعر العربي الحديث، وضمن ما كنت أبحث عنه آنذاك من كتب ومراجع عن "الشعر العربي"، عثرتُ على كتاب بعنوان «الشعر العربي الحديث 1800-1970.. تطور أشكاله وموضوعاته بتأثير الأدب الغربي» من ترجمة الأستاذين الجليلين سعد مصلوح ومحمد شفيع الدين السيد، أهداني نسخة منه صديق عزيز فرقت بيننا الأشغال والأيام،
في ذلك الوقت، كنتُ مولعًا (بتأثير أستاذي د.سيد البحراوي) بتتبع أشكال الخروج على عروض الشعر العربي، وعلى الأشكال الفنية التي تمردت على عروض الخليل بن أحمد، وحملت معها في الوقت ذاته بذور "حداثة شعرية" أفاد منها شعراء التيارات الجديدة الذين تمردوا بدورهم على الشعر الرومانسي، وخرجوا على قوالبه ومضامينه، وأخذوا بدافع البحث الحماسي عن التجديد الموازنة بين اكتشاف أشكال وقوالب شعرية تراثية يمكن استلهامها أو توظيفها في هذا التجديد، وبين الاتجاه إلى تيارات الشعر الغربي الحديث.
وكان من ضمن الكتب التي توسعت في دراسة هذه الأشكال (كالموشحة والمربعات والدوبيت وغيرها، فضلا على تركيز الدرس على الشكل الفني بناء وتركيبا، وموسيقى وتصويرا، وليس المضمون وحده) هذا الكتاب الذي اضطلع بترجمته، كما ذكرت، الأستاذان الجليلان.
(3)
وفي مرحلة الدراسات العليا، وكان يدرس لنا "علم الأسلوب" أستاذنا الدكتور عبد الحكيم راضي الذي أبحر بنا في رحلة ذهنية مرهقة حقا لكنها ممتعة أيضًا بين أوراق ونصوص مختارة لكل التيارات الممثلة للدرس الأسلوبي، تأليفًا وترجمة، تاريخًا واصطلاحًا، واستوقفني من بين عشرات الأوراق التي اختارها لنا وعقب عليها بخطه الهندسي المركب، فصول مختارة من كتب وترجمات سعد مصلوح (بالأخص من كتابه المرجعي «في النص الأدبي ـ دراسة أسلوبية إحصائية»، وإذا لم تخني الذاكرة من كتابه الآخر المترجم «اتجاهات البحث اللساني» بالاشتراك مع الدكتورة وفاء كامل)
لكنني توقفت بشكل خاص أمام بحثه الممتاز؛ المعنون «مشكل العلاقة بين البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية» وهو البحث المحكم الذي قرأته أكثر من مرة باستمتاع وتذوق وتركيز، ليس فقط للغته العلمية المنضبطة الواضحة بل لإحاطته وربطه المحكم بين علم عربي تراثي أصيل؛ "البلاغة العربية"، وبين نظيره وموازيه في الثقافة الغربية في صورة متطورة وهو "علم الأسلوب، أو كما يفضل د.مصلوح أن يطلق عليه "الأسلوبيات اللسانية"، وسأتوقف قليلًا أما فكرته الرئيسة.
(4)
في «مشكل البلاغة العربية واللسانيات الأسلوبية»؛ يقدم مصلوح واحدة من أنضج تجارب البحث فيما يسميه بعض الباحثين التواصل المعرفي في الدرس البلاغي المعاصر؛ إذ يربط مصلوح فرضياته ومقترحاته بما قاله سابقا عليه أمين الخولي في دراسته الباكرة «مناهج تجديد في النحو والبلاغة واللغة»، ناقدًا بعض أوجه القصور التي رآها في معالجات أمين الخولي، كاشفًا عن الإيجابيات التي وجدها في محاولته الرائدة، يقول مصلوح:
«على أنه يبقى من صيغة الخولي تلك اللفتة الرائعة الداعية إلى مجاوزة البحث البلاغي مستوى الجملة إلى مستوى ما وراء الجملة في الفقرة والنص، ويزيدنا عَجَبًا منها وإعجابًا بها أن ذلك كان منه في تاريخ متقادم يعود إلى عام 1931، وأَعْجبُ كيف مرت هذه الدعوة، ولم تجد لها من صدى على صعيد النظر إلا فيما كتبه رصيفه أحمد الشايب في كتابه «الأسلوب» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1939، أما على صعيد التطبيق فلم نعثر لها على أثر، وكانت هذه الفكرة حَرِيّة، إذا وجدت من يتابعها من اللسانيين والبلاغيين، أن تحدث ثورة في الدرس اللساني والبلاغي في العربية، تنتقل به من "نحو الجملة" و"بلاغة الجملة" إلى "نحو النص" و"بلاغة النص"...».
ويضيف مصلوح: "والمرء يكون أشد إحساسًا بعظمة هذه اللفتة حين يعلم أن هذه الفكرة لم تكن قد تحددت لها قسمات وملامح واضحة في أدبيات الدرس اللساني في أوروبا حتى ذلك الوقت، إذ يرجع تاريخ أول مقال معروف نصب نفسه لدراسة البنية النحوية في النص إلى عام 1952، وكان كاتبه هو زيليج هاريس Zellig Harris اللساني المخضرم، الذي كان من صناع النقلة من المنهج الوصفي إلى التوليدية التحويلية في اللسانيات الأمريكية".
(5)
ولطالما بهرني الرجل بوافر علمه وغزير محصوله (من القديم والحديث والمعاصر معا)، وحرصه الشديد على الشرح والتبسيط والإفهام والتفهيم، وجدتني أقرأ جل ما يكتبه وينشره ويذيعه من علم نافع بغير عناء وأستسيغ هذه المصطلحات التي كانت بالنسبة لكثيرٍ من الزملاء "يوناني لا يقرأ" أو "روسي لا يفهم"! وهكذا.
أخذتني الدنيا، وانقطعت عن التوفر للدرس الأكاديمي وحده، دون أن يزول من نفسي أثر ما قرأت لسعد مصلوح، وبدافع من فضول وشغف قديم تتبعت بعض إنتاجه الغزير واتساع آفاق التأليف التي راوحت بين تدريس علوم اللغة العربية التقليدية؛ كالنحو والبلاغة وفقه اللغة، والتخصص في علم "الأسلوب" أو اللسانيات الحديثة بمستوياتها المختلفة، أو نظريات الترجمة وتطبيقاتها الحديثة، وما استدعى ذلك من إجادة ممتازة للغة الإنجليزية يقرأ بها ويترجم عنها، حتى صارت كتبه وترجماته مراجع أساسية لا يمكن بحال الاستغناء عنها في أي مؤسسة أو هيئة جامعية تضطلع بدرس اللغة العربية وعلومها وفنونها المختلفة..
هذه مجرد تحية وامتنان عميق من القلب لأحد العلماء الأجلاء الكبار، تركوا في حب العربية وخدمتها ما سيظل شاهدا على استحقاقها وعلو مكانتها..
لمن يستحقون التحية في الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية.. سلاما ووفاء..