ارتوى من المنهلِ العذب في مسجد الخور، ونهلَ من فيض المدرسة العُمانية التقليدية ما جعله اسما لامعا في الفقه والتاريخ والثقافة الإسلامية
إنتاجه وفيرٌ في كافة صنوف الثقافة الإسلامية قدَّمها للمكتبة العُمانية على مدى أكثر من أربعين عاما بلا انقطاع
شخصيته فكرية مُحللة، حافظة، مؤصلة، مُقاربة.. علمُه في صدره لا يحتاج كثيرا لكتب ينقلُ منها، فما يقرأه ينقشه في عقله ويظلُّ راسخا في نفسه
إعداد: د. محسن الكندي -
إهداء: إلى الشيخ زياد بن طالب المعولي.. استشرافا لأفقه العلمي الواسع.
عبر تلك الصُورةِ الجماعيةِ المُعلَّقةِ بمجلسِ الشيخِ عبدالله بن حُمَيد بن سعيد البحري بمدينة (الحجر) بزنجبار- تراءت لي بدهشة وانبهارِ جهودُ ذلك العُصامي المجيد الشيخ أحمد بن سعود بن سعيد السيابي (المولود في قرية «نفعا» بولاية بدبد سنة 1954) حينما كان يجوبُ الأصقاع الإفريقية مدافعا ومعرّفا وباحثا وناصحا ومرشدا وواعظا، وأكثر من ذلك مؤرخا وأديبا وكاتبا يُلقي جواهر فكره على تلاميذه وأصفيائه ومُريديه في تلك الآفاق البعيدة المتناثرة، فقد كانت تلك الأيام عويصة حُبلى بالتغييرات والمستجدات والتحولات التي أعقبت ثورة الزنج، وفقدان الدولة العُمانية المجيدة، وفيها تغيّر الحالُ والمآل على العُمانيين فلم يستطيعوا فعلَ أيِّ شيء، فباتوا أُسارى الثورة ورهائن المعتقلات، وحبيسي البيوت، وكادت الدائرة تدورُ عليهم، وعلى دينهم وعقيدتهم وثقافتهم وقيمهم وهويتهم؛ مما استوجب الأمرُ المساندةَ والمناصرة، والوقوف بجانبهم خاصة في أجواء ما وقع لهم من هجمات مُسَيَّسَة نجمَ عنها تأجيجَ نيران الإلحاد والرّدة، والتشكيك بالدِّين ومحاربة القيم العربية واعتبارهم مُستّعمِرين غُزاة لا يمتُّون للإنسانية، ولا الحضارة في شيء....
كان الشيخُ أحمد السّيابي واحدا ممَّن تبنّوا دورَ المُساندة والمُعاضدةَ والتعزيز والتنوير والإصلاح، وتبصرة أجيال العُمانيين الباقية هناك على مضض تلتهبُ بنيران الضَّيم والظلمِ والحقد بعد أن فقَدت كلَّ شيء من المغنم حتى المغرم، ولم يَعُد من شدةِ التغيير ووطأة المصيبة يرتادُ زنجبار وما حولها من العُمانيين إلا النزر اليسير، من هنا يحسبُ للشيخ السِّيابي المساهمة الفاعلة في تأسيس ما ينقذ الموقف، فكانت جمعية الاستقامة التي عَمِدَ -مع رفاقه- على دفع إنشائها وتأسيسها بمباركة رسمية؛ فهذه الجمعية التي شدَّت من أزرهم ورفعت من معنوياتهم وعملت بقوة لإحياء الأثر العربي العُماني حتى راجَ نشاطُها،وأصبحت معلما عُمَانيّا يؤدي أدواره في التعليم والتثقيف والأعمال الخيرية، وتنمية الفكر الإسلامي، وقد اتسعت فروعها اليوم، فشملت كافة الأصقاع والنواحي الإفريقية، ويشهد لفعلها النبيل كلَّ من زارها ورأى بأم عينيه ما تقوم به وتأمل في تحقيقه، فهي رسالة سلام ووئام وتسامح وعقيدة وفعل خير ومودة.
أحسب الشيخ أحمد بن سعود –إذن- هو الرائدُ الرسمي الأسبق في ارتياد تلك الآفاق بمعاضدة وتوجيه من شيخه سماحة مفتي البلاد ـ حفظه الله ـ فدوره دورٌ حميدٌ في محاولة استرداد الفكر العربي والتبصير بمجد العُمانيين الغابر الذي مرَّت عليه عرباتُ الزمان وبات – حينها - قيد الإهمال بفعل التقادم والخذلان، وكانت محاضرات الشيخ المتوالية هناك وتآليفه -التي تُدَرَّس وتقرأ- منبرَ إشعاع ومنهجَ تربية للناشئة، فما من شخصية هناك إلا تعرف الشيخ أحمد بن سعود مقترنا اسمه باسم شيخه ومربيه سماحة الشيخ الخليلي وقبلهما باسم الموجّه والداعم والراعي لنهضة عُمان وأهلها جلالة المغفور له السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه.
الشيخ أحمد بن سعود: أصالة وانتماء لمحاريب الشخصية العُمانية وترجمة لأدق تفاصيلها
لا يمكن وصف الشيخ أحمد السيابي إلا بأنه رجلٌ وقورٌ هادئ الطبّعِ رحبُ المُحيّا، أريحيُّ، كريمُ السجايا، مشرقٌ وبشوش متفائلٌ عميقُ التفكير، متقدُ الذهن، حاضر البديهة، تلقائي، جيدُ المقاربة دقيق التحليل، صقلته تجارب السَّفر ونمّى روحه الترحال، فحوى علما جمّا ومراسا وخبرة عصامية، كما اكتسب أسلوبا جميلا طيّعا يأسرك عندما يتحدث وتستمع إليه، فلا تملكَ إلا الإنصات وإن لم توافقه في الرأي... وليس هذا مجاملة وإطراء مُصطنع بل واقع معرفة لا نقصد منها شيئًا غير الإنصاف، فقد عرفته منذ أكثر من ربع قرن بتلك الصفاتِ والخلال، لم يغيّره الزمن، ولم تؤثر فيه إغراءات الحياة وماديتها وتظل كلُّ الشهادات قاصرة في حقّ هذا الرجل الفاضل حاملَ لواء الإسلام والمسلمين المتصدِّر دوما لعويص المعضلات..المنبري الحاذق الحال لأعقد القضايا التي يتصدّى لها بأسلوب هادئ متقن،بل بحنكة وخبرة مفعمة بالودِّ والأريحية، فهو رجلٌ استثنائيٌّ في هذا الجانب وإن وصفته بأنه رجل المُهمّات الصعبة فلا أجانب الصواب..
وفي الجانب الآخر يُعجِبُك فيه شخصيته المَلأى بالحديث الصافي التلقائي المنساب الحاوي للقيم العُمانية قولا وفعلا، يُذَكرُك بعلماء وطننا الكبار في سمته ووقاره فيتبادى لك عند أول لقائك به بما اعتاد عليه العُمانيون في مجالسهم و(سبلهم) من ترحاب وسخاء وكرم وود بعيدًا عن أشكال التصنع والتكلف الطارئتين..وكأنك تعرفه منذ أمد بعيد.
لقد صقلتهُ البيئة العُمانية، وهذبته التجارب الحياتية، وزرعت في قلبه التمسكَ بقيمها وعاداتها وأدبياتها يحضرُ الشعرُ في لسانه في كلَّ موقف بمثل ما تحضرُ القصصُ والأخبارُ والأمثال والحكم، فهو موسوعيُّ الثقافة عميق التكوين والتبلور نهلَ من المدرسة الخليلية « وارتوى من جامع (الخور) المسقطي ما جعل منه شخصية مميزة تتربعُ اليوم على ثقافتنا مرشدا وموجها؛ كيف لا وهو تلميذ الشيخ الخليلي المباشر النجيب، ورفيق دربه في حياته العلمية والوظيفية.
والشيخ السيابي -في جانبه الآخر- بطبعه رجل وقور فطن يتميز بذكاء حاد لا يبدي رأيه ولا يجازف في منافحة من يختلف معهم إلا بعد تفكير عميق، كما أنه لا يقف أمام الحركات الهوجاء والتيارات العابرة ليتصدّى برأيه المخالف لها، بل يضعها حتى تهدأ، ثم ينقضٌّ عليها إن هي نالت من الدين أو القيم شيئًا، ولعل شواهد الوقائع تشهدُ على ما أقول دون أدنى تمثيل.
لقائي الأول: وتوطيد العلاقة الثقافية
في الثالث من أبريل من عام 2001 م توطَّدت علاقتي العلمية والأخوية بالشيخ السيابي، فعرفته عن قُرب وقد كنتُ أسمع عنه من قبل عبر أخبار مثقفي الطيف العُماني ووسائل بثه، فهو لا يُخطئ على عين، ولا يغيب عن فكر، اسمُهُ معروفٌ وصيته يملأ الدِّيار العُمانية بنجاحات ومنجزات كثيرة متنامية. حضوره كارزميٌّ معتبرٌ في الثقافة والفكر والخطابة والدعوة والكتابة ورئاسة حملات الحج، وفي المؤسسة الدينية العُمانية الحكومية التي يتصدَّر أعالي مناصبها أمينًا عامًا لمكتب الإفتاء ذائع الصيت، ولم يكن الشيخ أحمد مجردَ موظف يعدد أيامه ويقبض راتبا فحسب، بل هو رجلُ علم وأدب وأخلاق وتأليف ورأي يؤمُّ مكتبه الطلبة والباحثون والمهتمون بالشأن الفكري ليرشدهم ويوجههم ويسعى إلى مساعدتهم وقضاء حاجاتهم، وكم كانت له اليد الطُّولى في دفع الكثيرين منهم إلى النجاح وإبرازهم علماء ومفكرين وباحثين ومؤرخين ومعلمين وكتّاب لا نبالغ إن وصفتهم – اليوم- أنهم يملؤون الديار العُمانية.. كيف لا؟! وهو العضدُ القوي والسَّاعد الأيمن لأعلم العُلماء وأفقه الفقهاء (سماحة المفتي) ـ حفظه الله.
شخصيًّا عرفتُ الشيخ السيابي في الرابع عشر من أكتوبر من عام 2000م في لقاء استثنائي جمعني به في فندق (الكارلتون) العريق بشارع الحبيب بورقيبة بالديار التونسية؛ ذلك الشارع الطامي بالبشر، المتخم بالوجوه والتفاصيل، والعَاجّ بالحراك والحيوية خاصة في عهد كانت فيه تونس قبلة العُمانيين الطامحين لإكمال دراساتهم العليا في جامعاتها وبالذات في جامعة الزيتونة، كان الرّجل (السيابي) ببساطة العُمانيين وخصوصياتهم أكثر هؤلاء الطامحين للارتواء من ذلك المنهل، وقد قصد تونس لغايات رسمية (وهو المفكر القدير)، وقد بهرني في لقائه الأول حين تكرر بحكم إقامتنا المشتركة.. لقاءٌ ساقني القدرُ إليه بتمهيد من الشيخ سيف بن هاشل المسكري، فوجدتُ نفسي بين يدي مفكر مُستنير يحوي علومَ الفقه والتاريخ والأدب ويعي أقدار الرِّجال ومنجزاتهم ومنازلهم.
حدَّثني كثيرا -في ذلك اللقاءِ الذي امتدَّ خلال أيام سفرنا كلِّها- عن المجتمع وقيمه وفكره، وعن الثقافة العُمانية وأبعادها، وعن الإعلام وسيرهم، وعن التاريخ وأبعاده ومفاصله وحقبه، وعن الأدب ورموزه ودرر قصائده وروائع خُطبه. فكان منهلًا عذبًا ومصدرًا؛ فالشيخ ثقافته في صدره يحملها أينما يكون، ولا يحتاج إلى كتاب يرجع إليه إلا نادرا، وتلك سمةُ المثقفين العصاميين الموسوعيين المتأسين على ثقافة المتون والأصول المزدانة بحفظ الروائع منها.
توالت لقاءاتي اليومية به في رحاب تلك الديار البعيدة، فقد كان في مهمةِ عمل نجمَ عنها تسجيله لبرنامج «الماجستير» وهو في الحقيقة ليس بحاجة إليه؛ لأنه عالمٌ والدرجة العلمية تتشرف به عندما يحملها مثله... كان في كلِّ لقاء بأستاذه مُبهرًا، فالشهادةُ تحصيل حاصل بالنسبة إليه؛ لهذا زهدها في البداية، ولم يعطها حقها وإن كان شيءٌ حمله منها فأحسَبُ معرفته بالمنهج والمصطلح، والدقة والرصانة في الكتابة والتصنيف، وقد تفقه فيهما بعد ذلك، وغاصَ في رحابهما وأوجدَ لهما مُناخات أصيلة في فكره وعقله حتى بدأتا طيعتين لديه.
يلتفُّ المثقفون ومشايخ العلم على الشيخ أحمد السِّيابي حينما يزور أيَّ مكان يحلُّ فيه رحله، ففي تونس -مثلا- تراءى لي مشهد الشيخ العلامة أبو علي فرحات الجعبيري وهو يقيم له الجلسات الشرفية الخاطفة رغم ما كان يحوم حوله ويطبق عليه من رقابة سياسية؛ فالرجل في تقديره – مهما كانت الظروف- جدير بأن يكرم وينزل منازله من الاحتفاء وإن أنس لا أنسى منزله الكائن في 13 مكرر بنهج الطاهر الحداد بمحلة (منفلوري) المحاط بشجرة الزيتون السامقة وقد شدني مرآها عند أول مقدم لي لداره.
وكم كانت لنا معا جولات في رحاب تونس العريقة؛ إذ زرنا المدينة (العربي)، وجامع الزيتونة وسوقها العربي وصولا إلى جامع (الهنتاتي) مقصد الإباضية من كلِّ طيف مغاربي. والحال نفسه عندما يزور الأردن ضيفا رسميّا على مؤسسة أهل البيت، ويحلّ ضيفا شرفيّا على ندوات الجامعة الإسلامية في ماليزيا، ويحضرُ اجتماعات الأزهر الشريف بحكم عضويته الدائمة في اللجنة المشتركة بين بلاده عُمان ومصر، إضافة إلى زياراته المتكررة لمجمع اللغة العربية بالقاهرة بحكم عضويته الدائمة لبعض لجانه العلمية، وأكثر من ذلك تمثيل بلاده في مؤتمرات علمية تقيمها بلدان الخليج المختلفة وأقطار أخرى عربية وإسلامية؛ ففي هذه الأمكنة والمناسبات عادة ما تكون مجالسه مجالس علم ونقاش في مسائل وحدة الإسلام والمسلمين... ولكم كان ضيفُ الشرف والمتكلم الأول في رحاب عرصاتها العلمية.
عندما قُدَّر لي تولِّي زمام إدارة مركز الدراسات العُمانية كان الشيخ السِّيابي السند الأول الذي أرجع إليه علميّا وخاصة فيما يتعلقُ بعلاقة المركز بنظائره المماثلة في الوطن وخارجه أمثال: وحدة الدراسات العمانية بجامعة آل البيت حيث كان خط المركز ومنهجه متقاربا معها، وكان الشيخ السّيابي في الاعتبار المشترك بيننا بصفته مشرفا علميّا منتدبا من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على هذه الوحدة رغم تبعيتها لجامعة آل البيت الأردنية، فأقمنا معا الندوات الموحدة في الفكر الديني والثقافي برؤية أكاديمية وأنجزنا ندوات متعددة في جامعة آل البيت وفي طرابلس ليبيا، وقد أقمنا معارض مشتركة اهتمت بالوثائق العُمانية والرصيد الفكري.
كان الشيخ السِّيابي مصدر أبحاثي الأولى فما أن شرعت في تأليف كتاب أو إعداد مدونة إلا وكان أول لقاءاتي به، يعجبني فيه رحابة فكره ومرونته وتشجيعه، وعدم رفضه للرأي المخالف؛ لهذا تشرفتُ بمقدمتيه لكتابي «الصحافة العمانية المهاجرة» و«مناخات جبل الشيبة» فكم أسعفني الحال ودفعني لرؤاه كبير أثر في نفسي، يعضد ذلك قلمه السيّال وأسلوبه المتدفق ودقته في الطرح فعندما يكتب لا يحتاج إلى مصدر ينقل منه إلا في القليل النادر؛ لأنه قرأ قبل أن يكتب وارتوى قبل أن يخطَّ، لهذا تراه يكتب المقالة أو التقديم دون سابق رؤية يرتجلها ارتجالا فتأتي قطعة أدبية محكمة مكتنزة بالحكم والأمثال ومقتطفات الأشعار يعضدها ربطٌ محكمٌ ورؤية واضحة وكلمة معبرة لا تحيد عن المعنى. فاسمع مني ما كتبه في مقدمة كتابي الأول «الصحافة العُمانية في زنجبار وإفريقيا الشرقية ما هي إلا تعبير صادق عن ذلكم الوجود العربي العُماني الإسلامي الممتد في أعماق الوجود البشري في عُمان وشرق إفريقيا، حيث يسجل صاحب كتاب «الطواف حول بحر الحبشة ذلكم التفاعل والتحرك بين عرب الجزيرة العربية والأفارقة منذ القرن الأول للميلاد.. ولعلك توافقني -أيُّها القارئ - في أن الباحث يجعلنا نعيش مع الصحيفتين «الفلق» و«النهضة» في أيامهما الزاهية المجيدة، متعرفين إلى شخصيات كتابهما الذين أودعوهما خلاصة أفكارهم وجميل إبداعاتهم شعرًا ونثرًا بأقلام فيها من الروعة والجمال ما فيها.. »
وانطلاقا من هذه المعطيات الإصلاحية والفكرية والثقافية للشيخ هاشل المسكري كنت أقول لنجله بأن يهتم بتراث والده حتى تحقق ذلك بهمة أخينا الكاتب الأديب الباحث محسن الكندي الذي بذل جهدًا مذكورًا، وسعى سعيًا مشكورًا، والقارئ لا يشك يجد الجهد الذي بذله الباحث واضحا، فهو لم يكتف بالتعايش مع الموضوع عن بعد، بل امتطى وسيلة السفر إلى زنجبار، لكي يكتب عن كثب في موضوع بحثه، وفعلا بحث هناك وفتش ونقب، ودقق حيث قضى فترة من الزمن في زنجبار درة الشرق الإفريقي وعاصمته الثقافية والروحية متنقلًا بين أروقة مبانيها الجميلة الرائعة، يشدّه صوت أمواج البحر الهادئ من جهة، وحفيف أشجار «الشوانب» والبساتين الزاهرة من جهة أخرى، وبينهما الجو معطر بريح القرنفل، وهو يبحث عن قصيدة شعرية أو مقال أدبي، أو حكمة عربية، أو طرافة إبداعية، أو خاطرة اجتماعية، مقابلا بعض الأشخاص حينًا، مقلبًا صفحات الصحف حينًا ثانيًا، عاثرًا على كتاب حينًا ثالثًا، لذلك لم يعد من رحلته خالي الوفاض، بل عاد يجر الحقائب بالمعلومات الوفيرة عن الصحافة العمانية المهاجرة».
إنتاجه الفكري: العصامية
في التكوين والتأليف الموجز المفيد
الشيخُ السيابي المفكر يتجلى في خطابه وفي فكره، وفي تآليفه التي أصدرها مؤخرًا ونلت نسخي منها بتوقيع لا أنسى عباراته، ويمكنني اليوم أن أقدّمها ضمن كتاباتي العُمانية المبكرة، فقد ملئت تلك الكتابات الصّحف والمجلات منذ سبعينيات القرن العشرين حتى اليوم، وناف عدَّها على الخمسين مقالا جلّها في العلوم الإسلامية والتاريخ، وغلب على الكثير منها الطابع التعليمي فكأنه يؤلف للأجيال سلاسل وعقودا تنيرُ دربهم، وقد أصدر في بداياته عناوين مثل: قصائد من الماضي « سنة 1402 هـ، و« الرفع والضم في الصلاة» الصادر سنة 1408، وسلسلة كتيبات تعريفية بالمذهب الإباضي مثل: الدعوة الإباضية بين الماضي والحاضر « 2015 م، وعدد كبير من أدبيات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التي عمل فيها من أمد طويل، ويحضرنا منها كتابه « البيئة في الخطاب الإسلامي» 2014 م، و « المرأة المسلمة حقوق وواجبات» 2015م.
أمّا في مراحله المتوسطة، فقد غلب على مؤلفات الجانب التأصيلي في العقيدة والدين وصدرت منها عناوين مثل: «البيئة في الخطاب الإسلامي» و«السيرة النبوية (رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية)، و«المرأة المسلمة حقوق وواجبات «، و«حقوق المرأة ومسؤوليتها الأسرية والاقتصادية « و«المنظور الإسلامي لحوار الحضارات والثقافات» و « الدِّية وقتل النفس من منظور فقهي « و«منظومة القيم القرآنية وأثرها في المجال الكلامي والأخلاقي» و « الشورى في الإسلام « و«الأحاديث القدسية ومكانتها من الوحي الإلهي « و«عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي».. وهذه كلُّها أبانت عن عمق إحاطته، وسعة قراءاته في الفكر الإسلامي وبدا فيها مطّلعًا على أمهات الكتب ومتونها.
وفي مراحله المتقدمة أنصت للكتابة الأكاديمية بعد حصوله على درجة الماجستير وربما تأثر بالمنهجية التونسية في البحث والتأصيل، فكان كتاباه المهمان «أصول بيت المال في عُمان وأثرها الحضاري في عهد دولة البوسعيد» 2005م، و«وقف الرباط العُماني بمكة المكرمة» من أروع الكتب وأدقهما في حقلهما.، فقد ناقش موضوعًا محوريًّا يقع في قلب الاقتصاد الإسلامي، كما صحح وقدّم كتاب «الجواهر المنتقاة» للعلامة أبي القاسم البرّادي.
وتتفاوت طبيعة مؤلفات الشيخ أحمد بن سعود بين الطابع الفقهي والاجتماعي والأدبي والثقافي العام مع غلبة الجانب العقدي الإباضي عليها، فهو لم يحد عن خطه العقدي الذي ارتسم في ذاته وغذَّته مكوناته وعززته وظيفته يتبين ذلك من الفيض الهائل من المحاضرات والحوارات والتقديمات يبدو ذلك من خلال عناوين بعض كتبه مثل: « الإباضية فرقة ومذهبا »و «الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر» و«التواصل الإباضي بين عُمان والبلاد المغاربية» الصادر ستة 2014 م وهو كتاب مهم يدور حول أشكال العلاقات الثقافية وأبرز مرجعياتها وشخصياتها وأدبياتها المختلفة.
كما تبين بعض كتبه حسّا تاريخيا نقديا ودراسة مستفيضة وتاريخا لجهود أعلام الفكر العُماني، وفيها نقرأ له عناوين من مثل: «ابن دريد في الذاكرة العمانية»و « العوتبي نسَّابة »و « أبو مسلم البهلاني، حياته الدراسية والمدرسة التي ينتمي إليها »و « الإمام أبو سعيد الكُدَمي، ومدرسته »و « أبو حمزة الشاري، نشأته ودراسته »و « خلفان بن جميل السيابي.. زهده وورعه «و«الإمام ابن بركة ومدرسته « و«الصحابي العُماني مازن بن غضوبة ».
ولم تغب اهتمامات الشيخ أحمد عن التاريخ، حيث يسجّل فيه العناوين الآتية « الوسيط في التاريخ العُماني» 2015 م، و« الوجيز في التاريخ العُماني 2018 م، و « الحراك العُماني في الشرق الإفريقي والآسيوي»و «عُمان: الدولة في الإسلام «2016، وشخصيات عمانية 2017م، ومدن في الذاكرة العمانية 2017 م.
أمَّا الأدبُ والشعرُ أثيراه المفضلان وفضاءاه المُحبَّبان، فله فيهما كتبٌ ومحاضرات من مثل «المعارضات الشعرية عند الشيخ العبري» و«قصائد من الزمن البعيد»وهو كتيب خصَّ به القصائد التي قيلت في الشيخ القاضي محمد بن سالم الرواحي، فقد جمعها وصنفها وقدّم له بمقدمة أدبية ضافية.
وإن أنس لا أنسى قدراته في اللغة والنحو والصرف والعروض، فهو ضليع عارف بهذه العلوم لديه سفنه ومجاديفه التي يبحر بها، ولطالما أبدى آراء في مواقف كثيرة آخرها رأيه النحوي فيما طرح –أثيريا- حول عبارة من عبارات نشيد بلده الوطني بصيغته الجديدة، فكان رأيه هو الأقرب إلى الصواب، على الأقل حينما رأى الكلمة تعرب مفعولا به منصوب...
*الشيخ السيابي سفير الثقافة العُمانية وصوتها الحاضر في المنتديات العربية ذات البعد الإسلامي*
يهتمُ الشيخ أحمد بالعلاقات الحضارية العمانية العربية، ويقدّم قراءات لها في نماذج شملت أمكنة ورموزا عربية رسموا بصماتهم ولكن وفق ما يلائم فكره الديني ويتضح ذلك عبر دراساته «عمان: السياق التاريخي والخصوصيات الحضارية» و «مركز الإشعاع الحضاري (الأزهر ونزوي أنموذجا).» و«المفكر عمرو النامي وعلاقته بعلماء عُمان» وكذلك في دراسات عن المدن العمانية (السيب ومكانتها التاريخية)، (نزوى ومكانتها العلمية والتاريخية)
يغلب على جُلِّ كتاباته الإيجاز والاختصار؛ لهذا لا تجد في سائر كتبه استطرادًا أو توسّعًا مملا ولا اهتماما بالنقول فعلمه مستقى من فكره وتأويله وحده، وقد جاهر بهذا الإيجاز وجازف حينما اتخذه علامة و(ثيمة) دالة على كتبه من مثل: «الموجز في التاريخ العُماني»، والوسيط في التاريخ العماني» وغيرها.
الشيخ أحمدُ السيابي واسع الثقافة كثير الإصدار وكتبه تناهز اليوم العشرين كتابا ومحاضراته وحوارات ودروسه وأحاديثه الإذاعية والتليفزيونية والمقابلات الصحفية تربو على المائة، وتقديماته وتوطئاته لكتب المؤلفين تناهز الستين هو معطاء في قلمه، سيال في مداده، يضيف للقارئ معلومات جديدة يكشف فيه ويبين عن عمق ودقة ويصحح ما التبس وهو اليوم منشغلٌ بوسائل التواصل الاجتماعي وأثير المواقع الإلكترونية مجاراة لتطوير المعرفة وسعة انتشارها.. عقله غير متحجر ولا متكلس مرن يعطي في الأغلب الأعم كل ذي حق حقه ولا يأبى المكاشفة والاختلاف ولكن بهدوء متقن وجدل وحوار مبني على الحجج والبراهين ولا تسعه المداهنة في أمور الدين فسيفه حاد فيها والأمثلة على ذلك لا يسعها كتاب وما هذه إلا ومضات من فكر هذا العلم العامل الموفق الذي أبان عن فكر متقد مستنير آمن به ودعا إليه في مقاله المهم « دور الحوار في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة » وفي مقاله المعنون بـ«حرية التعبير.. ضوابطها وأحكامها ».
وأخيرًا:
بقي أن نشير إلى أن الكتابة عن سيرة الشيخ ومنجزاته لا تسعها مقال، وإنما يجب أن يحيط بها كتابٌ متكاملٌ، فالرجلُ واسعُ الفكر، وله أفكار تجديدية واجتهادات ومقاربات منهجية، وآراء ذاتية ابتعد فيها عن الثقافة النصية وأحكام التحليل والتحريم رغم طبيعة وظيفته المتصلة بالفتوى، ولعل دراسته المنتظمة التي أعقبت تلمذته التقليدية على مشايخ عصره أثرت في فيه، وأوجدت منه باحثا مجتهدا مؤصلا ومحللا ومدققا، فقد نال درجة ليسانس من جامعة بيروت العربية، كلية الآداب: قسم اللغة العربية، وحصل على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية من دار العلوم، جامعة القاهرة. وكل ذلك أيقظ ذهنه وتفكيره على جديد الثقافة ومستجدات العصر، وأوجد في ذاته مكونات الاستنارة والوعي، وساعده على ارتياد مسالك الثقافة قديمها وحديثها، سهلها وشائكها، ونال منها بغيته ومراده فتحقق اسمه وشاع، وله في ذلك الجزاء الأوفى... وهل يجزى مثله إلا بخطاب الاحتفاء وعين الرضا؟...