• لا يمكن تجاوز أهمية التاريخ الشفوي في كتابة التاريخ ولكن يجب إخضاعها للفحص وللتدقيق

• الفرضيات من الوسائل المهمة المعتمد عليها في جمع الأفكار والمعلومات

• العلوم السياسية في مقدمة العلوم ارتباطا بالتاريخ ويمكن استثمارها لبناء المستقبل

• كل الأطراف تستطيع كتابة التاريخ، فالمنتصر من أجل تمجيده والخاسر بهدف تبرير خسارته

• بعض الحقب غطيت بطريقة أشبه بالمكتملة وهناك فترات حتى الدراسات الحديثة لم تستطع سد فجوة النقص فيها !

أشار المكرم الدكتور محمد بن حمد الشعيلي الباحث في التاريخ والأكاديمي إلى أن "عُمان تعرضت عبر تاريخها الطويل للكثير من الهجمات الخارجية وعدم الاستقرار الداخلي ما أثر على التأليف العلمي فيها في بعض الفترات، وساهم في اختفاء آثار علمية كبيرة حالت دون توثيق تلك الفترات بشكل كاف" .. وذلك في الحوار الذي أجرته معه "عمان" ، حيث تحدث بشجون عن التاريخ وتأثيراته في العصور، كما عرج إلى أهم ملامح التطور الإنساني والاجتماعي الذي يجلبه التاريخ عبر العصور..

يقول الفقيه الكوفي سفيان الثوري في مقولة شهيرة إن "التاريخ هو العمق الاستراتيجي لمن يبتغي صناعة المجد في الحاضر و المستقبل" .. ما هو الرابط الفلسفي بين "التاريخ" و"الصناعة" في وقت تقدمت فيه دول كبرى وتحضرت شعوب أخرى وهي لا تمتلك أي تاريخ يذكر أو أن بوادر تاريخها المعني لا يتعدى أقل عمق استراتيجي ممكن البناء عليه؟

يمكن أن نجيب على ذلك بطريقة أخرى، فالتاريخ دائما يمكن استثماره في كل وقت وفي مختلف المجالات، سواء في الحاضر أو في المستقبل، فالتاريخ يمكن استثماره في تعزيز الهوية الوطنية والمواطنة لدى الفرد، كما أن التاريخ يمكن استثماره سياسيا في الحاضر وفي المستقبل، فالكثير من العلاقات الدولية قائمة على ما تحقق في الماضي، ومبنية على الاحترام بما توفر في ذلك، والتاريخ يمكن استثماره اقتصاديا أيضا من أجل الاستفادة منه في الحاضر وفي المستقبل، فهذه الآثار المادية والمورثات غير المادية يمكن استغلالها في هذا الجانب، وفي تقديم صورة مميزة للدول، وهي في الحقيقة بمثابة كنوز لا تزال قائمة اليوم رغم أنها مرتبطة بالتاريخ في الماضي.

لذلك وبناء على كل ما سبق فإن التاريخ بالفعل يمكن أن يشكل العمق الاستراتيجي لصناعة المجد في الحاضر وفي المستقبل إذا ما استغل بطريقة متقنة في ذلك.

اعتمد النتاج العربي في البحوث التاريخية على جمع المواد العلمية ووصفها كما هي بداعي الأمانة دون أن يسعى سرد ذلك النتاج ووصفه نحو إنتاج سواء (تصورا كليا) أو (صياغة أفق تجديد) لتلك النصوص المجموعة، إلا القلة منهم وربما حقق ابن رزيق في سرد التاريخ العماني من خلال ليس سرد الأحداث فحسب إنما بعقده للمقارنات ومناقشة الرواة وتقديم استنتاجاته الخاصة مع أن الأصل في أن مهارة ـ المؤرخ الحقيقي ـ تكمن في صناعة وعي للمعرفة، وليس في "التجميع" للمعلومات التاريخية الواصفة للأحداث.. ما تعليقك على ذلك ؟

عندما ننظر إلى الكثير من المصادر التاريخية والجغرافية بما فيها بعض المصادر العمانية نجد بأنها اعتمدت في تأليفها على نقل فصول أو مساحة كبيرة من أعمال سابقة دون تغيير، وكانت البداية في وضع البصمة الحقيقية عندما انتهى إليه الأسبقون، وهذا كان بمثابة منهج اتبعه الكثير من المؤرخين والجغرافيين. ومنهم من نقل ولكن تميز بمقارناته وتحليلاته، والتفنيد بآراء علمية وتحليلات منطقية، وليس مجرد النقل والقبول بما هو موجود، بل عمل على الإضافة العلمية التي تكفل له التميز، واتفق في أن هذا هو بمثابة مهارة يفترض أن تتوفر في المؤرخين والباحثين، ولكن دون أن نضع كلمة (الحقيقي) كأساس لقبول الأعمال، فالجهد يظل جهدا بغض النظر عن قيمته ومستواه، ولكن من أراد التميز أكثر فهو يعلم جيدا بأن يبتعد عن التشابه والتقليد، ويقترب من التميز والتجديد.

السؤال السابق يحيلنا إلى أي مدى تكمن أهمية أن يوّفر المؤرخ طرح الفرضيات وإثارة الجدليات للباحثين من الطلبة أكثر من تلقين معلومات منقولة تم لملمتها لا أكثر؟

من المعلوم بأن الفرضيات تعد من الوسائل المهمة التي يمكن الاعتماد عليها في جمع الأفكار والمعلومات وفي تنظيمها كذلك، وفي إضفاء الجودة على البحوث والمسائل العلمية، وفي الكشف عن صفة المهارة لدى المؤرخ أو لدى طلابه، والتاريخ مثله مثل بقية العلوم التي يجب أن تخضع لذلك، فالكثير من المعلومات وتفاصيل الأحداث التي وردت في المصادر التاريخية لا يمكن أن نأخذها بمثل ما هي مكتوبة، وإلا اعتبر ذلك مساهمة في التضليل، خاصة وأن الكثير منها منافية للعقل وللمنطق، ولذلك يجب أن نخضعها للتمحيص وللتدقيق وإثارة الجدل حولها حتى نصل إلى حقيقة مختلفة تفند ما جاء قبلها، وهذه إحدى المهارات التي يعتمد عليها علم التاريخ كذلك.

هل العلاقة القوية المتجذرة بين التاريخ والسياسة كعلمان تسهم بتأثيرها المتبادل على الآخر في أن يهتم أغلب الساسة على مر العصور بدراسة التاريخ والبناء عليه من أجل تحقيق نجاحاتهم؟ هل هنالك فعلا علاقة بين إسهام المؤرخين الفعلي، وبين التوظيف الذي تصنعه الوصاية لتحقيق مكاسب ما؟

العلوم السياسية تعد في مقدمة العلوم ارتباطا بالتاريخ، وفي نقطة سابقة أشرت إلى أن التاريخ يمكن استثماره سياسيا واستغلاله في ذلك، خاصة في العلاقات بين الدول، والسياسة تتضمن تتبع أحداث كثيرة وقعت في الماضي من أجل فهم تأثيراتها على الحاضر، خاصة تلك التي غيرت من أوضاع الدول وأحوالها، وهذا يدخل في خانة التاريخ، وعندما نقول بأن من فوائد دراسة التاريخ هو أخذ العبر والاستفادة من دروس الماضي فهذا ليس من فراغ، بل هو حقيقة، ورجال السياسة يعلمون ذلك جيدا، والمشتغلون في السياسة يحرصون دوما على قراءة ما حدث في السابق، سواء على صعيد الشخصيات أو تاريخ الدول بشكل عام، للوقوف على الأخطاء التي وقع فيها من كان قبلهم والعمل على تلافيها.

يسرد التاريخ السياسي ويحلل أحداث وأفكار الحركات والقادة السياسيين ويتناول تشكل وتطور الأمم ومع ارتباطها بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والعسكري إلا أنها تتعارض مع مفهوم "الاجتماعي" الذي يركز على أفعال وأنماط حياة الناس العاديين وليس السياسة والقادة.. كيف يستطيع المؤرخ التوازن بين كل ذلك؟

لا أرى وجود تعارض في ذلك، فعادة المؤرخين تسجيل الأحداث بمختلف أنواعها خاصة المعاصرة بالنسبة لهم، ولذلك حفلت مؤلفاتهم بالكثير من التفاصيل والمعلومات التي يمكن من خلالها الوقوف على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية بشكل عام، ومن ثم يأتي البعض ويتناول التاريخ إما بكل تفاصيله، أو يتخصص في التاريخ السياسي مثلا، فنجد بأنه يركز على هذا الجانب، ويأتي آخر وتكون طبيعة دراسته اقتصادية فينصب جهده في ذلك، ويأتي ثالث ويكون متخصصا في تتبع الأحداث الاجتماعية لذلك نجده يأخذ من المصادر ما يخدم دراسته أو عمله وهكذا.

هنالك روايات تنوعت بين التأريخ والشفاهية التي تناقلت عبر الأجيال مزجت بعض معطياتها بخرافات وأساطير وبالغت في تصوير الأحداث ربما استند بعضها إلى ما فرضته المؤثرات الفكرية المرتبطة بالعلاقات مع حضارات مجاورة ورغم وثاقة ارتباط الإنسان بتاريخه وأرضه إلا أن الكثير من الأخبار المدونة لا تبتعد كثيراً عن مضمون الروايات الشفوية لربما أن الكتابة غير شائعة في المجتمعات العربية قبيل الإسلام رغم وجود بعض المدونات والصحائف والدواوين.. ما تفسيركم لذلك ؟

من المعلوم بأن مصادر التاريخ متنوعة، فمنها المصادر المدونة، ومنها الشفهية التي تعد من مصادر المعرفة والتدوين، وظل يعتمد عليها في كتابة التاريخ عبر الحقب المختلفة ولا تزال، والبعض اعتمد عليها فوجد ما يعرف بـ (التاريخ الشفوي)، وأصبحت تلقى رواجا واسعا في ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن بعض (الحوليات) لم تكن لتتحقق لواضعيها دون الاعتماد على الروايات الشفوية في سبيل تحقيق ذلك.

والتاريخ القديم خاصة اعتمد في تدوينه على وسائل عدة، منها الروايات التي ظلت تتناقل من جيل إلى آخر ومن منطقة لأخرى، وهذا كان شائعا في الحقيقة عند العرب بشكل كبير، ولكن الكثير من هذه الروايات أخذت تتناقل بالإضافة عليها لأغراض مختلفة، مما جعل الكثير منها يبدو بأنه مبالغ فيها ومشكوك في أمر صحتها وأصبحت أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، الأمر الذي حدا بقطاع كبير من الباحثين والمهتمين إلى رفض الأخذ بالروايات كمصدر من مصادر التاريخ.

فالخلاصة أنه لا يمكن تجاوز أهمية التاريخ الشفوي في كتابة التاريخ، فجزء منها تتوفر فيها الحقيقة والصدق، ولكن في جانب آخر يجب التوقف عند بعض الروايات وإخضاعها للفحص وللتدقيق، وبعضها ضد الأخذ بها وبالتالي عدم المساهمة في نقلها إلى المتلقي، وعليه يجب على المؤرخ والباحث في تعامله مع ذلك أن يكون واعيا في ذلك ودقيقا وأمينا في هذا الأمر.

مع كل ذلك أنتج العرب إرثا تاريخيا ثقافيا ناضجا وافرا تميز بتنوع مشاهده وشكل عبئًا ثقيلًا على الجامعات العربية الحديثة والتي لم تستطع مواكبته بإنتاج تاريخي وعلمي بمنهجية حديثة، هل كان فعلا باستطاعتهم التفلّت من هذا التراث الواسع نحو ذلك؟

هذا شيء طبيعي، فالعرب قامت في بلدانهم حضارات كانت تعد من أعرق الحضارات في تاريخ الانسانية ومن أكثرها غزارة في الإنتاج وفي الإنجازات، وبالتالي ما خلفه العرب من مورثات ثقافية يتناسب مع ذلك، وعوائد هذا الإرث بما فيها التاريخ لا تزال تستفيد منه مؤسسات علمية غربية اعترافا منها بفضل العرب وضخامة إنتاجهم الذي ساهم في تقدم الحضارة الانسانية، وبالتالي أرى بأن هذا الإرث الكبير لا يمكن التخلص أو التنصل منه، وسيظل حاضرا تتناقله الأجيال المتعاقبة، وعليه يجب أن يكون ذلك دافعا للمؤسسات التعليمية العربية للمحافظة عليه ورفده بمزيد من الإنتاج الذي يتوفر فيه التميز والجودة من أجل الاستمرار في خدمة الانسانية، وأعتقد بأن الكثير من هذه المؤسسات أخذت تدرك ذلك، وتسعى جاهدة من أجل ترجمته على أرض الواقع.

هنالك دول وبعض الأمم الحديثة استندت على التاريخ لتكوين الشعور بهويتها القومية سواء عن طريق تركيب صورة لماض مشترك، او اختراع تاريخ يتقاطع مع مرحلة ما ولكنه في الواقع تقاطع وهمي واعتمد ظهوره على مؤرخ أراد هو الآخر أن يتفرد بها دون غيره؟ فهل يستطيع فعلا أحد نهب التاريخ ونسبه له؟ وأين يمكن للمتلقي أن يكون حذرا في تلقي "المعلومة" حتى وإن كان مصدرها رسميا في محيطه مثلا؟

التاريخ يظل مهما لأي دولة في العالم، فهو يعزز مكانتها وحضورها بين الأمم والشعوب، وليس صحيحا بأن أي دولة مهما بلغت من تقدم ورقي يمكنها تجاوز التاريخ وعدم إعطائه الأولوية التي يستحقها، والكثير من الدول التي تصنف بأنها متقدمة اليوم تحرص على الاهتمام بتاريخها وعدم التهاون في الحفاظ عليه وإظهاره، وهناك دول تحاول أن تستفيد من أبسط الأمور من أجل خلق تاريخ لها والظهور بمظهر يتضمن بأن ما تمتلكه من موارد وإمكانات في الوقت الحاضر لا يلغي أهمية التاريخ وما تحقق في الماضي بالنسبة لها، فالتاريخ هوية والتاريخ صناعة، ولذلك نجد بأن محاولات التجني على تاريخ الدول والنيل منه والسطو على إنجازاتها الحضارية هو في الحقيقة موجود ومنتشر في مناطق متفرقة من العالم.

باختصار.. هل يستطيع الخاسر كتابة التاريخ؟

كل الأطراف تستطيع كتابة التاريخ، ولكن تختلف الدوافع بين المنتصر وبين المهزوم، فالمنتصر يكتبه من أجل تمجيده وإظهار العظمة والتفاخر به والنيل من الطرف الآخر، والخاسر يكتب التاريخ بهدف تبرير خسارته والعمل على تغطيتها بما أوتي من إمكانات ومهارة في ذلك، والمؤلفات التاريخية تحفل بالكثير والكثير من النماذج في ذلك الكثير، مما كتب في الحالتين، لذلك على المتلقي أن يعي جيدا دوافع ما كتب، فلا ينظر فقط من زاوية الإبهار المبالغ فيه تجاه المنتصر ونشوته الكبيرة في ذلك، ولا يقلل أيضا مما كتبه المهزوم ويطمس تاريخه بسبب ذلك.

التاريخ العماني وثقته الآثار الثابتة كالقلاع والمقابر وغيرها والآثار المنقولة كالأذواد الحجرية والفخارية والمعدنية والحلي والمسكوكات.. لكن التدوين الكتابي للتاريخ العماني مر عبر دراسات فقهية ودواوين شعرية ولم يتم عبر التخصص، وقد سبق الأجانب التدوين الكتابي للتاريخ العماني من خلال تطوافهم ورحلاتهم وعملهم كلٍ في مساره منهم ما تناوله الضابط هينس ووستد و صمويل بارت مايلز و صموئيل زويمر وبيرسي كوكس وتوماس براترام ووليفرد ثيسجر إضافة إلى التوثيق الأشمل الذي وثقه لوريمر في دليل الخليج ؟ وهي مصادر ربما أغلب الباحثين في الوقت الحالي يعتمدون عليها في دراساتهم وبحوثهم

عندما نتحدث عن مصادر التاريخ العماني وطرق تدوينه سنجد أن الوسائل تكاملت في تحقيق ذلك، سواء الآثار المادية أو التدوين الكتابي، وبخصوص المصادر المكتوبة فمن المعروف أنها جاءت متنوعة سواء المصادر الفقهية أو الأدبية أو التاريخية المتخصصة، ولا أجد ضيرا في ذلك طالما أن كل هذه المصادر تكمل الأخرى وتصب في النهاية في خدمة تاريخ عمان، أما بخصوص التخصص فهو موجود أيضا وله قيمته الكبيرة بغض النظر عن حجمه وكثرته، ووجدت مصادر عمانية متخصصة في التاريخ بعضها يمكن اعتبارها بمثابة موسوعة تاريخية في ذلك، وجاءت عبر فترات زمنية مختلفة، ويعتمد عليها في دراسة تاريخ عمان، وتحظى بأولوية كبيرة وبأهمية في ذلك.

أما عندما نتحدث عن مؤلفات الغربيين وما تضمنتها عن تاريخ عمان، فهم لم يسبقوا العمانيين في ذلك، فبعض المصادر العمانية سبقت كتابات هؤلاء بفترات طويلة، وبعيدا عن الدوافع الحقيقية من وراء اهتمامهم بتاريخ عمان، إلا أنه لا يمكن تجاوز مؤلفاتهم وما تضمنته عن تاريخ وجغرافية عمان، التي حوت الكثير مما يمكن الاستفادة منه في جوانب كثيرة، وهذا الكثير لم يتوفر في المصادر العمانية، فإذن العملية هي تكاملية بين المصادر العمانية وبين مؤلفات هؤلاء، خاصة وأن الكثير من الأوروبيين أتيحت لهم زيارة عمان والتجوال في مناطقها ومعايشتهم لسكانها، فكان ذلك مهما في تدوين الكثير عن عمان.

الاهتمام بالتاريخ العماني على صعيد الجمهور لم ينشأ الا مؤخرا وهنا أعني "المتلقي" ورغم أن المؤرخين او المدونين اهتموا به مبكرا الا انه لم يحظ بذلك الاهتمام الا مع المهتمين والمعنيين بالتاريخ فقط.. في الوقت الحالي أثارت موجات "سرقات التاريخ" إن صح القول الفضول لدى عامة الناس للبحث عن الحقيقة .. أولا لماذا لم يحظَ التاريخ العماني بالاهتمام من عموم الجمهور في السابق؟ وهل فعلا أصبحنا نمارس دور ردة الفعل في إقناع الجمهور بدحض معلومة هنا وتصحيح معلومة هناك؟

هذا بالطبع يعود إلى الظروف الخاصة بكل فترة زمنية، فما هو متاح حاليا من وسائل وتقنيات يعتمد عليها في الاهتمام بالتاريخ العماني وإبرازه لم يكن متوفرا في السابق، إضافة إلى أن انتشار التعليم في الوقت الحاضر بطرقه المختلفة ومستوياته المتعددة ساهم أيضا في الاهتمام بتاريخ عمان، وأصبحنا نرى الكثير من الدراسات والمؤلفات في التاريخ العماني والفعاليات المختلفة في ذلك، كما وجدت مؤسسات ثقافية متخصصة عملت على الاهتمام بتاريخ عمان بوسائل عدة، بالإضافة إلى جهود المؤسسات الإعلامية في هذا الجانب. كل ذلك أدى إلى إحداث فارق بين الماضي وبين الحاضر. ونسعى للمزيد من الاهتمام مستقبلا بذلك، لأن الاهتمام بتاريخ عمان يبقى دائما لا حدود له.

أما بخصوص الاكتفاء بردة الفعل دون الأخذ بزمام المبادرة فهذا لا أراه دقيقا، فما نراه من الجهود التي تبذل حاليا في إطار الاهتمام بتاريخ عمان من دراسات مختلفة وفعاليات متعددة وأنشطة كثيرة تقوم بها مختلف المؤسسات، فهذا يدخل أيضا ضمن الأخذ بزمام المبادرة، ومتى ما كانت الظروف مواتية فإننا نأمل أن يتضاعف الاهتمام بهذا الأمر بشكل أكبر وبوسائل أكثر إبداعا وابتكارا.

لك إسهامات في حفظ التاريخ العماني وتدوينه بل ومواكبة ما يطرأ من أحداث سواء في الوسائل الإعلامية المختلفة كالصحف التي تناولت الكثير من دراساتك المختلفة إضافة إلى الإذاعة والتلفزيون التي طرحت من خلالها في برامج متنوعة او ربما وسائل التواصل الاجتماعي والتي تختلف في الأفكار الا انها تتشابه في الطرح وتقدم صورة تاريخية عن عمان في عصور مختلفة وتتناول المظاهر الحضارية للسلطنة، وبعض الأحداث التاريخية والشخصيات ودورها المؤثر هل يعد هذا التواصل اعترافا بتقصير المؤرخين كما ذكرت سابقا أم انها مرحلة تتطلب فيها المعطيات تقديم ذلك؟

تزخر الساحة العلمية والأوساط الثقافية اليوم بكوكبة مميزة من الباحثين والمهتمين بالتاريخ العماني عبر الوسائل المتاحة، والذين يستحقون كل الشكر والتقدير على إسهاماتهم الكبيرة في هذا الجانب، ودوري أنا مكمل لدور زملائي في ذلك، وما أقوم به من نشاط في هذا الأمر هو إدراكا مني بأن ما تعلمته وما اكتسبته يجب أن أفيد به المجتمع، والاهتمام بتاريخ عمان بحاجة إلى تظافر جهود الجميع.

وما يحدث اليوم من اهتمام بتاريخ عمان لا يعني وجود تقصير في السابق، ولكن مثل ما أشرت في نقطة سابقة بأن لكل مرحلة ظروفها وامكاناتها، وهذا الحراك الجميل الذي نشهده اليوم له أسبابه المتعددة في ذلك، منها ما تطرقنا إليه سابقا. أما بخصوص التشابه في الطرح فهو موجود إلى حد كبير خاصة في الطرح العلني للتاريخ الذي يتناسب مع تفاصيل معينة ومحددة لطرحها، وهنا على المتلقي غير المتخصص ألا يعتمد فقط على ما يقدم له، بل يجب أيضا أن يبادر إلى القراءة في ذلك، فليس كل ما هو مدون ومكتوب قابل لإظهاره علنا، وفي جانب آخر توجد فروقات في نوعية المؤلفات والأعمال والدراسات المرتبطة بهذا التاريخ وهذا أمر ايجابي يصب في المصلحة العامة.

رغم التدوين الذي شهده التاريخ العماني ألا أن هنالك حقبا معينة غابت أو ربما غُيّب بعضها أو أجزاء منها ربما بشكل متعمد أو تجاهلها البعض لدوافع معينة .. رغم أنها تمثل جزءا أصيلا من تاريخ عمان .. ورغم البحث الكبير الذي بذله ويبذله المهتمون ألا أنه لم يصل للنتيجة المتوقعة والتي من المفترض أن تصل له. فما تعليقك في هذا الموضوع؟

عندما نقرأ في تاريخ عمان وتتبع الأحداث فيها، نجد بالفعل عدم وجود توازن بين بعض الفترات، فبعض الحقب غطيت بطريقة أشبه بالمكتملة ساعدت في تكوين صورة حقيقية عنها وعن أوضاع عمان خلالها، ولكن في المقابل نجد بأن ما كتب عن بعض الفترات يعد نزرا يسيرا ولا يتناسب مع طول المدة الزمنية في ذلك، وحتى الدراسات الحديثة لم تستطع أن تسد الفجوة في هذه الحالات، وعندما نحصر الأسباب المتعلقة في ذلك فلا بد أن نقف على الظروف التي كانت تعيشها عمان في بعض الفترات هل كانت محفزة للتدوين ولتطور الحركة العملية حتى يتوفر لنا مجموعة من المشتغلين في العلم في فروعه المختلفة، وكيف كانت حقيقة العلاقة بين السلطة السياسية وبين العلماء حتى ندرك جيدا هل قام العلماء بواجبهم في هذا الشأن؟

كما أن عمان تعرضت عبر تاريخها الطويل للكثير من الهجمات الخارجية وعدم الاستقرار الداخلي، الأمر الذي أثرت على التأليف العلمي فيها في بعض الفترات، وساهم في اختفاء آثار علمية، بالإضافة إلى الأخطار الطبيعية مثل السيول وغيرها التي ساهمت في ضياع جزء من التراث العلمي للعمانيين.

متى تستطيع القول للمؤرخ أو المدون والباحث في التاريخ إنه يجب عليك أن تتوقف!؟

لا حدود في العلم وفي المعرفة، فالطموح في العلم يفترض أن يظل حاضرا على الدوام، لذلك من الصعب أن تطلب من المؤرخ والباحث أن يتوقف، ولكن علينا أن نسعى إلى التميز وإلى تحقيق الأفضل دائما.