كان حزب القانون والعدالة في بولندا يعرف جيدا ما الذي يمكن توقعه من الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو قبل أن يبدأ بتحويل اللاجئين من الشرق الأوسط إلى الحدود البولندية، ولقد كانت السلطات البيلاروسية قد عملت الشيء نفسه لليتوانيا ولاتفيا وفي إشارة واضحة على ما قد يحصل، قامت بيلاروسيا في أكتوبر بإنهاء اتفاقية إعادة الدخول المبرمة بينها وبين الاتحاد الأوروبي. لقد كان لدى بولندا الوقت لتطبيق إجراءات وقائية في البلدان الأصلية للاجئين ولكنها لم تفعل والآن لدينا الآلاف من الناس اليائسين يتجمعون في الأجواء الباردة على الحدود حيث يواجهون خيارات تتراوح بين السيئ والأسوأ.
إن أحد أسباب فشل الحكومة التي يقودها حزب القانون والعدالة بالعمل مع الاتحاد الأوروبي من أجل تجنب الأزمة قبل أشهر هو أنها كانت منشغلة في محاربة المؤسسات الأوروبية بسبب قيامها بتسييس القضاء البولندي إلى جانب قضايا أخرى. إن المفارقة بالطبع هي أن حزب القانون والعدالة اكتسب سمعة سيئة بالسابق بسبب رفض حكومته استقبال طالبي اللجوء خلال أزمة اللاجئين على مستوى الاتحاد الأوروبي سنة 2015 ولقد كان يجب أن يكون واضحا في تلك الفترة أن الوضع يمكن أن ينقلب بسهولة وهذا ما حصل الآن. إن مماطلة حزب القانون والعدالة والتي استمرت حتى بدأ اللاجئون بالتجمع على الحدود خلقت الفرصة لإقامة عرض ساخر قائم على الادعاء بالدفاع عن الأمة البولندية ضد التهديدات الأجنبية. لقد أعلن المسؤولون منذ ذلك الحين حالة الطوارئ وعقدوا المؤتمرات الصحفية بوجود المركبات المصفحة وهي خطوات كان الهدف منها توحيد المجتمع خلف الحكومة وذلك من خلال إثارة مشاعر الخوف والوطنية، ولقد رفضت القيادة البولندية كذلك السماح للصحفيين بدخول المنطقة الحدودية مما ترك انطباعا أن القيادة البولندية إما لديها شيئ تخفيه أو أنها مصابة بجنون الشك وبالمقابل يسمح لوكاشينكو للصحفيين بالدخول مما يساعده في الترويج لروايته المتعلقة بالأحداث. على الجانب الآخر من الحدود تقف القوات البيلاروسية المسلحة بكميات كبيرة من الأسلحة وهي تحاصر اللاجئين المتواجدين على الحدود. إن المسافة بين الجنود البولنديين والبيلاروس لا تتجاوز عشرات من الأمتار مع وجود بضعة الآلاف من الناس اليائسين بينهم. إن الوضع متوتر مما يعني أن من الممكن أن تنطلق رصاصة في أي لحظة. لو حصل ذلك فإن الشخص المسؤول على الجانب البيلاروسي هو لوكاشينكو. إن الأعمال العدوانية الواضحة تعتبر من الأعمال الروتينية لدى السلطات البيلاروسية والذي يجعل الأمر أسوأ هو أن معظم القادة العسكريين المحترفين على الجانب البولندي قد تم دفعهم للخروج من الخدمة منذ فترة طويلة من قبل حكومة حزب القانون والعدالة. يبدو أن لوكاشينكو قد وصل إلى نتيجة مفادها أن أفضل طريقة لتحسين وضعه بالنسبة للغرب وأهم حلفائه روسيا ليس من خلال إظهار انه شخص يمكن للآخرين العمل معه، بل من خلال إظهار انه قادر على عمل أي شيء ففي واقع الأمر خطف نظامه بالفعل طائرة مدنية كانت تسافر بين دول أعضاء بالاتحاد الأوروبي فقط من أجل اعتقال صحفي شاب كان على متن الطائرة ومع كل استفزاز فإن الرسالة لكل من روسيا والغرب واضحة: (لو حاولتم ابتلاعي، فسوف أعلق في حلوقكم واخنقك).
لقد تركت حكومة حزب القانون والعدالة بولندا منعزلة بشكل متزايد حيث أفسدت علاقاتها مع جميع الحلفاء باستثناء أكثر بلد مؤيد لروسيا في الاتحاد الأوروبي وهو هنغاريا بقيادة فيكتور اوربان. بولندا الآن هي بيدق كما يتضح من قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تجاوز الحكومة البولندية ومناقشة أزمة الهجرة في مكالمات مع لوكاشينكو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
يتوجب على المواطنين البولنديين الآن أن يضعوا كامل ثقتهم بحسن النية المتبقي لدى الاتحاد الأوروبي والناتو ولكن بينما المادة 4 من معاهدة الناتو تضمن الدفاع المتبادل ضد العدوان الخارجي، إلا أنها لا تحدد كيف يجب أن يستجيب الحلفاء فهل يجب أن يرسلوا جيشا أو الاكتفاء بإنشاء لجنة تحقيق؟ وفي عصر الحروب غير التقليدية فإن العلاقات الجيدة مع الحلفاء هي كل شيء والبولنديون آمنون طالما نحن نتمتع بعلاقات طيبه مع ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ولكن للأسف فإن هذه العلاقات في حالة يرثى لها حاليا. إن رفض الحكومة البولندية حتى أن تطلب مساعدة دولية قد ساهم في تفاقم الأزمة على الحدود. إن اشراك فرونتيكس (وكالة الحدود وخفر السواحل التابعة للاتحاد الأوروبي) كان سيغير على الفور الحسابات بالنسبة لبيلاروسيا وروسيا. إن الهجوم على ضابط بولندي هو شيء، لكن الهجوم على الضباط من جميع دول الاتحاد الأوروبي سيكون شيئًا مختلفًا تمامًا كما أن الحكومة البولندية لم تكلف نفسها عناء تفعيل المادة 4 من معاهدة الناتو، على الرغم من أن هذا من شأنه أن يؤدي إلى مشاورات فورية بين الحلفاء. إن من الأسباب الأخرى لماذا كانت بولندا غير مستعدة بالمرة لهذه الأزمة هو أن حزب القانون والعدالة قد عمل بجد واجتهاد على تقسيم المجتمع البولندي والنخبة السياسية. إن الحكومة والتي كانت تحاول بشدة إحباط أي نوع من التوافق بين الأحزاب، لم تقم بدعوة المعارضة لمجلس الأمن القومي ولكن حتى لو قامت بذلك فإن السياسيين من المعارضة كان سيكون لديهم شكوك محقة في أنه يتم جرهم إلى فخ وفي كلتا الحالتين سيظل التركيز على المناورة لتحقيق مكاسب سياسية، وليس على بناء التضامن في مواجهة تهديد معاد. إن وجود جبهة موحدة تتألف من حزب القانون والعدالة وحزب المعارضة الرئيسي المنبر المدني وغيرها يعني انه سوف يكون أسهل كثيرا على القادة السياسيين من برلين وباريس وواشنطن دعمها. إن زعيم حزب المنبر المدني ورئيس المجلس الأوروبي السابق دونالد تاسك ما يزال يحتفظ بعلاقات جيده مع شركاء وحلفاء بولندا السابقين وخلال قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في بروكسل، عقد اجتماعات مع أكثر رؤساء الدول والحكومات أهمية بينما كان رئيس الوزراء البولندي ماتيوز مورافيكي منبوذاً إلى حد كبير. يقف مورافيكي والشخص الذي يحركه مثل الدمية زعيم حزب القانون والعدالة ياروسلاف كاتشينسكي وحدهما حيث من المرجح أن يثيرا مشاعر الشماتة عوضا عن التعاطف ولكن هذه قد تكون لحظة حاسمة بالنسبة للمعارضة والتي تؤدي جماعيا بشكل أفضل في استطلاعات الرأي والآن مع مواجهة بولندا لتهديد حقيقي- وليس شبحًا تم استحضاره بسبب رهاب المانيا آو التشكيك بالدور الأوروبي- يجب أن يتذكر قادة العالم أن حزب القانون والعدالة ليس بولندا. إن بولندا ما تزال بلد يستحق إن نؤمن به وحتى لو كان جزءًا من النخبة السياسية فيه يبذل قصارى جهده لتحويلها إلى دولة غير فاعلة. إن بولندا ليست كاتشينسكي فقط والبلد نفسه يستحق الدعم وحتى لو كانت حكومته لا تستحقه.
زميل في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية
** خدمة بروجيكت سنديكيت
إن أحد أسباب فشل الحكومة التي يقودها حزب القانون والعدالة بالعمل مع الاتحاد الأوروبي من أجل تجنب الأزمة قبل أشهر هو أنها كانت منشغلة في محاربة المؤسسات الأوروبية بسبب قيامها بتسييس القضاء البولندي إلى جانب قضايا أخرى. إن المفارقة بالطبع هي أن حزب القانون والعدالة اكتسب سمعة سيئة بالسابق بسبب رفض حكومته استقبال طالبي اللجوء خلال أزمة اللاجئين على مستوى الاتحاد الأوروبي سنة 2015 ولقد كان يجب أن يكون واضحا في تلك الفترة أن الوضع يمكن أن ينقلب بسهولة وهذا ما حصل الآن. إن مماطلة حزب القانون والعدالة والتي استمرت حتى بدأ اللاجئون بالتجمع على الحدود خلقت الفرصة لإقامة عرض ساخر قائم على الادعاء بالدفاع عن الأمة البولندية ضد التهديدات الأجنبية. لقد أعلن المسؤولون منذ ذلك الحين حالة الطوارئ وعقدوا المؤتمرات الصحفية بوجود المركبات المصفحة وهي خطوات كان الهدف منها توحيد المجتمع خلف الحكومة وذلك من خلال إثارة مشاعر الخوف والوطنية، ولقد رفضت القيادة البولندية كذلك السماح للصحفيين بدخول المنطقة الحدودية مما ترك انطباعا أن القيادة البولندية إما لديها شيئ تخفيه أو أنها مصابة بجنون الشك وبالمقابل يسمح لوكاشينكو للصحفيين بالدخول مما يساعده في الترويج لروايته المتعلقة بالأحداث. على الجانب الآخر من الحدود تقف القوات البيلاروسية المسلحة بكميات كبيرة من الأسلحة وهي تحاصر اللاجئين المتواجدين على الحدود. إن المسافة بين الجنود البولنديين والبيلاروس لا تتجاوز عشرات من الأمتار مع وجود بضعة الآلاف من الناس اليائسين بينهم. إن الوضع متوتر مما يعني أن من الممكن أن تنطلق رصاصة في أي لحظة. لو حصل ذلك فإن الشخص المسؤول على الجانب البيلاروسي هو لوكاشينكو. إن الأعمال العدوانية الواضحة تعتبر من الأعمال الروتينية لدى السلطات البيلاروسية والذي يجعل الأمر أسوأ هو أن معظم القادة العسكريين المحترفين على الجانب البولندي قد تم دفعهم للخروج من الخدمة منذ فترة طويلة من قبل حكومة حزب القانون والعدالة. يبدو أن لوكاشينكو قد وصل إلى نتيجة مفادها أن أفضل طريقة لتحسين وضعه بالنسبة للغرب وأهم حلفائه روسيا ليس من خلال إظهار انه شخص يمكن للآخرين العمل معه، بل من خلال إظهار انه قادر على عمل أي شيء ففي واقع الأمر خطف نظامه بالفعل طائرة مدنية كانت تسافر بين دول أعضاء بالاتحاد الأوروبي فقط من أجل اعتقال صحفي شاب كان على متن الطائرة ومع كل استفزاز فإن الرسالة لكل من روسيا والغرب واضحة: (لو حاولتم ابتلاعي، فسوف أعلق في حلوقكم واخنقك).
لقد تركت حكومة حزب القانون والعدالة بولندا منعزلة بشكل متزايد حيث أفسدت علاقاتها مع جميع الحلفاء باستثناء أكثر بلد مؤيد لروسيا في الاتحاد الأوروبي وهو هنغاريا بقيادة فيكتور اوربان. بولندا الآن هي بيدق كما يتضح من قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تجاوز الحكومة البولندية ومناقشة أزمة الهجرة في مكالمات مع لوكاشينكو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
يتوجب على المواطنين البولنديين الآن أن يضعوا كامل ثقتهم بحسن النية المتبقي لدى الاتحاد الأوروبي والناتو ولكن بينما المادة 4 من معاهدة الناتو تضمن الدفاع المتبادل ضد العدوان الخارجي، إلا أنها لا تحدد كيف يجب أن يستجيب الحلفاء فهل يجب أن يرسلوا جيشا أو الاكتفاء بإنشاء لجنة تحقيق؟ وفي عصر الحروب غير التقليدية فإن العلاقات الجيدة مع الحلفاء هي كل شيء والبولنديون آمنون طالما نحن نتمتع بعلاقات طيبه مع ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ولكن للأسف فإن هذه العلاقات في حالة يرثى لها حاليا. إن رفض الحكومة البولندية حتى أن تطلب مساعدة دولية قد ساهم في تفاقم الأزمة على الحدود. إن اشراك فرونتيكس (وكالة الحدود وخفر السواحل التابعة للاتحاد الأوروبي) كان سيغير على الفور الحسابات بالنسبة لبيلاروسيا وروسيا. إن الهجوم على ضابط بولندي هو شيء، لكن الهجوم على الضباط من جميع دول الاتحاد الأوروبي سيكون شيئًا مختلفًا تمامًا كما أن الحكومة البولندية لم تكلف نفسها عناء تفعيل المادة 4 من معاهدة الناتو، على الرغم من أن هذا من شأنه أن يؤدي إلى مشاورات فورية بين الحلفاء. إن من الأسباب الأخرى لماذا كانت بولندا غير مستعدة بالمرة لهذه الأزمة هو أن حزب القانون والعدالة قد عمل بجد واجتهاد على تقسيم المجتمع البولندي والنخبة السياسية. إن الحكومة والتي كانت تحاول بشدة إحباط أي نوع من التوافق بين الأحزاب، لم تقم بدعوة المعارضة لمجلس الأمن القومي ولكن حتى لو قامت بذلك فإن السياسيين من المعارضة كان سيكون لديهم شكوك محقة في أنه يتم جرهم إلى فخ وفي كلتا الحالتين سيظل التركيز على المناورة لتحقيق مكاسب سياسية، وليس على بناء التضامن في مواجهة تهديد معاد. إن وجود جبهة موحدة تتألف من حزب القانون والعدالة وحزب المعارضة الرئيسي المنبر المدني وغيرها يعني انه سوف يكون أسهل كثيرا على القادة السياسيين من برلين وباريس وواشنطن دعمها. إن زعيم حزب المنبر المدني ورئيس المجلس الأوروبي السابق دونالد تاسك ما يزال يحتفظ بعلاقات جيده مع شركاء وحلفاء بولندا السابقين وخلال قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في بروكسل، عقد اجتماعات مع أكثر رؤساء الدول والحكومات أهمية بينما كان رئيس الوزراء البولندي ماتيوز مورافيكي منبوذاً إلى حد كبير. يقف مورافيكي والشخص الذي يحركه مثل الدمية زعيم حزب القانون والعدالة ياروسلاف كاتشينسكي وحدهما حيث من المرجح أن يثيرا مشاعر الشماتة عوضا عن التعاطف ولكن هذه قد تكون لحظة حاسمة بالنسبة للمعارضة والتي تؤدي جماعيا بشكل أفضل في استطلاعات الرأي والآن مع مواجهة بولندا لتهديد حقيقي- وليس شبحًا تم استحضاره بسبب رهاب المانيا آو التشكيك بالدور الأوروبي- يجب أن يتذكر قادة العالم أن حزب القانون والعدالة ليس بولندا. إن بولندا ما تزال بلد يستحق إن نؤمن به وحتى لو كان جزءًا من النخبة السياسية فيه يبذل قصارى جهده لتحويلها إلى دولة غير فاعلة. إن بولندا ليست كاتشينسكي فقط والبلد نفسه يستحق الدعم وحتى لو كانت حكومته لا تستحقه.
زميل في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية
** خدمة بروجيكت سنديكيت