• عَرَفَ نظرياتِ النقدِ الأدبي فأبدعَ شعراً جزلا قويًّا مُسْهباً


  • مارسَ موهبته بفهمٍ وإدراكٍ لمساراتِ النقدِ وتحولاتِ القصيدة العربية


  • نَشَرتْ "عُمان" و"السّراج" و"الغدير" أولى قصائده في منتصف السبعينيات


  • تجربتهُ ممتدةٌ أدبيًّا من مهاجره إلى وطنه الذي سَكَبَ فيه عصارة شعره




الشَّاعرُ الذي عَرَفَ نظرياتِ النقدِ الأدبي فأبدعَ شعرًا جزلًا قويًّا مُسْهبًا، مُتماسكَ البنية، وقد اتسمَ بطول النفس، والعاطفة الجياشة تجاه الوطن ونهضته وقائده. مارسَ موهبته بفهمٍ وإدراكٍ لمساراتِ النقدِ وتحولاتِ القصيدة العربية، وقد اكتسبهما من موهبةٍ وتجربةٍ وقراءاتٍ ذاتيةٍ في علوم العربية وآدابها. "شاعرٌ رفيع المستوى" نَشَرتْ "عُمان" و"السّراج" و"الغدير" أولى قصائده في منتصف سبعينيات القرن العشرين. تجربتهُ ممتدةٌ أدبيًّا من مهاجره، إلى وطنه الذي سَكَبَ فيه عصارة شعره، فصار اسمًا مرموقًا فيه، فلم يعرف إلا شاعرًا، ووزيرًا ورجل دولة وقانون.

لم يَكُنْ لقائي (القديم) بالوزير السَّابق، والشاعر المبدعِ الأصيل .. ناظم الملاحمِ الوطنية العُمانية والمطوَّلاتِ الشعرية،المبدع المثقف الأديب ذي الوزارتين، صاحب الحسّ المرهف، ومالك اللغة الجزلة الطيّعة السَّلسةِ،والأسلوبِ الأثيري البليغ- المكرم محمد بن علي بن ناصر العلوي بمكتبه فيما كان يُعرف بوزارة الشؤون القانونية بتاريخ 18 / 9 / 2005م لقاًء عابرًا، بل كان لقاء مخططًا له، مرسومصا منهجهُ، معروفاً مُبتغاه... لقاءً مطوَّلاً تمنيتُ أن يطولَ ويطول؛ لأنني أمامَ رجُلٍ كستهُ التجربة برداً قشيباً، وغذَّت روحه شآبيب الإخلاص والتفاني وخدمة الوطن لأمد طويل.

لقد أفاضَ لي من المعرفة الأدبية والودِّ والترحاب، ما جعلني أعيش لحظات استثنائية، وما أبهرني فيه من الإحاطةِ الثقافية والمعرفة النقدية التي لا يملكها إلا من أوتيَ بسطةً في القِراءةِ الأدبية والتكوين والإبداع، وقد تخللتهُ ذاكرةٌ متقدةٌ بالشعر والأدبِ وفيضٌ من ثقافة أدبية مكتسبة عريقة خامرتها لحظاتٌ من التذكّر وسَبر أغوار المسيرة الحياتية والعلمية الطويلة الممتدة من الصومال مهجره إلى عُمان بلده، إلى مغتربات أخرى عربية وإفريقية أوروبية.. مغتربات مبعثها الأقاصي الجغرافية والأمكنة التي أقام فيها ودرس َوتكون في باكورة حياته...

كان الرجلُ بهدوئه الجمِّ وتواضعه المنْقَطعِ النظير وأخلاقهِ العَاليةِ الرفيعة يخجلني في كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ ذلك اللقاء النادر تكراره، فهو ودودٌ أنيس وأنسُهُ مستقىً من هدوئه ونكران ذاته وتوقهِ الأبدي إلى رضاءِ ربّه فيما يقولُ ويفعل، إضافة إلى ِحفظه وذكائه ولباقته وأجوبته التلقائية على أسئلتي التي بديتُ ُفيها معجبا بثقافته العميقة ولغته الفصيحة الجميلة، فلم أتمالك من الإنصات والاستماع في كلّ وقت، ولا عجبَ في ذلك، فالرجلُ أوتيَ جوامع الكَلِم منذ بواكيره الحياتية الأولى مدرّسًا للغة العربية ورجلَ قانونٍ وشخصية حكومية مهمة مرموقة فلا يخفى اسمه على أحد في الدّيار العُمانية على الأقل خلال الخمسين سنة الماضية ، فطالما أطلَّ علينا في شاشات التلفزة وبرامج الإذاعة ونشراتِ الأخبار بطلعةِ بهية ورؤية (كارزمية) في صفوف المسيرة القابوسية المجيدة حين كان وزيرًا نافذًا، ورجلَ دولةٍ وقيادة وخبيرًا حاذقًا متمرساً ، تخرجُ عبارات المراسيم السلطانية وديباجتها وجملها القانونية من بين دفتي قاموسه، ولكن فإنه رغم ما له من باعٍ طويلٍ في الإدارة والاقتصاد والقانون، ورغم صيته الرسمي فقد غمَّ على الكثير منا صوته الشعري وموهبته الأدبية، فلم يُقرأ له، ولم يروج لشعره؛ لأنه لم يكن يريد ذلك؛ فالشاعرُ الحق من تبحث قصائده عن طرقها لتصل إلى قلوب محبيها لا أن يبحث هو لها عن طريق، ولا يخفى أني كنتُ من أولئك المحبين لتلك الملاحم والدرر التي كان ينسجها فشغفتُ بلقائه الذي تيسّر بترتيب من ابنه الصديق العزيز أبي يحيى خالد العلوي فتم بكل هدوء على خلاف ما كنت أجد من مكابدة في لقاءاتي بمسؤولين آخرين، ولعلني في ذلك لم أكن أطلبَ إلا شعرا ؟!.

- شيءٌ من مسيرة الذات في بعض مفاصلها المحورية:

تمثلُ سيرة الأستاذ المكرم محمد بن علي بن ناصر العلوي نقطةً مضيئةً عامرةً بالمسارات الحياتية والالتماعات والتجربة الذهبية في عالم الكلمةِ، فهو ، وزيرٌ سابقٌ، وعضوُ مجلس الدولة، ورئيسُ مجالس ولجانٍ سيادية وأديب (رفيع المستوى) من أبناء بلدة "العيجة" بولاية صور، ولد عام 1942 م، وقد رحَلَ والده -كغيره من العُمانيين– الذين اضطرتهم الظروف إلى الهجرة في تلك الأيام - إلى الصومال حيث درسَ فيها بدءًا من مرحلة الكتاتيب وحلقات المساجد، وانتهاءً بمراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وحصل على دبلوم معهد المعلمين، وعلى شهادة "معهد الدراسات الإسلامية " التابع للبعثة الأزهرية في الصومال، ثم أكملَ تعليمه الجامعي بكلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1968، عمل مدرسًا فموجّهًا للغة العربية بمدارس الصومال، كما رأس تحرير مجلة "المعلم" الصادرة عن وزارة التربية والتعليم الصومالية،وشارك في هذه المرحلة في عدد من الأنشطة التي كانت تقيمها منظمة المؤتمر الإسلامي والبعثة الأزهرية في الصومال.

و في أكتوبر من عام 1975م عاد إلى وطنه وعمل بوزارة التجارة والصناعة منذ يناير 1976م أمينًا للجنة حسم المنازعات التجارية، فمديرًا عامًا للشؤون القانونية، ثم رئيسًا للدائرة القانونية بدرجة وكيل وزارة عام 1980م، وفي عام 1983م عين أمينًا عامًا للمؤتمرات بمكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون القانونية، وفي عام 1987 عُين أمينًا عامًا لديوان التشريع بدرجةِ بمرتبة وزير، وعين بتاريخ 5 / 1 / 1994 وزير دولةٍ لوزارة الشؤون القانونية، ثم وزيرًا لوزارة الشؤون القانونية منذ 16 / 12 / 1997، وكلُّ تلك الوظائف الاعتبارية جاءت بموجب مراسيم خمسة هي: المرسوم السلطاني رقم 57 / 80، والمرسوم السلطاني رقم 18 / 83، والمرسوم السلطاني رقم 8 /87، والمرسوم السلطاني 2 / 94، والمرسوم السلطاني رقم 85 / 97.

وتجدرُ الإشارة إلى أنه كان عضوًا في عددٍ من المجالس الحكومية والهيئات بالدولة من بينها المجلس الاستشاري للدولة في الفترة (1981 – 1983)، ومجلس جامعة السلطان قابوس في الفترة ( 1986 – 2001 ) ومجلس الخدمة المدنية (1988 -2005) واللجنة العليا للمؤتمرات (1987 – 2005) ومجلس التنسيق الاقتصادي (1999 – 2006) مجلس أمناء كلية الشريعة والقانون ( 1997 – 2007) واللجنة العليا للتدريب المهني والعمل (1991–1997).

كما أنه كان رئيسًا لمجلس أمناء جامعة الشرقية منذ نشأتها وحتى عام 2021م، وعضواً في مجلس الدولة منذ أكتوبر 2011 وحتى الآن... وكلها مناصب وتكاليف منحته رونق الحياة، وغيبت عنه مجد الشعر الأكثر بقاءً وتقديراً في نظرنا لا محالة.

ونتيجة لكلِّ هذه المهام الجسام والجهود العملية حظي بالتكريم متقلدًا عددًا من الأوسمة السلطانية أهمها : وسام التكريم من لدن قادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية (ديسمبر 1989)، ووسام عُمان من الدرجة الثانية (نوفمبر 1990)... ومع أهميتها لم يحظ بتكريم الأدب والثقافة الأكثر سُطوعًا ونقشًا في قلبه وكيانه، وأعين غيره من محبي الشعر والشعراء.

*- شعرهُ : نتاجُ مرحلةٍ ، ونتاجُ اطلاعٍ وثقافةٍ أدبيةٍ

تَصِفُ مجلةُ "الغدير" في لقائها الثقافي الوحيد معه بأنه: "شاعرٌ مبدعٌ رفيعُ المستوى يقفُ في الصف الأول من بين شعراء مرحلته، السبعينية والثمانيينة من القرن العشرين، وهي مرحلة شاعت فيها المدرسة الكلاسيكية بكل مكوناتها لغة ومضامين ،وأبنية وهي لم تحدْ عنده عن طبيعتها الموزونة المقفاة اتساقا مع ما يراه ويتبنَّاه من شكل الشعر فالشعر عنده كما يقول: "قدَحّت نيرانه مبكراً قبل الخامسة عشرة من عمره"؛ إذ كانت البداية عندما بدأ في تعلّم العَروض "وانكبَّ في الوقت نفسه على حفظِ الشعر وقراءته"، وكانت محاولته الأولى قصيدة مخمّسة خاطب فيها نهر "الجُب" وهو نهرٌ في الصومال، حيثُ إقامة أسرته، وقد خرجت تلك القصيدة في مقطوعات انطلقت من تخوم الذات المفعمة بوصف الطبيعة ومجاورة النهر وتلك المشاهد الجمالية الحية التي تراءت له في طفولته محاطة بألق الحنين والشوق لوطنه ، ومع أن هذه القصيدة مهمة لإظهار التكوين الشعري فإن أغلبها ضائعٌ مفقود، وما تبقى في ذاكرته منها مقطع يقول فيه :

أيُّها الجبُّ على الضفةِ منكَ ذو اشتياق ٍ يتَمَنَّى أن يُلاقي الأصدقاء َبعدَ الفِراقِ

أترى الدَّهرَ يمُنّ يا خليلي بالتلاقي أم ترى الإخفاقَ دأبي كلَّ آنِ في الشؤون

ايه قَدْ كدرتَ يا دهرُ صفا صَبّ حزين

وقد كانت هذه القصيدةُ الحية بدايةً شعرية مستقيمة المباني شكّلت الجذوة التي قدح أوارها في ذاته لاحقا، فنظم مئات الأبيات ؛إذ كانت البداية الأولى التي ابتدأ بها الأستاذ العلوي قَرض الشعر في طفولته المبكرة وتمنَّى أن تستمر لولا مشاغل كثيرة وظروف حالت بينه وبين الشعر رغم أن الشعر – عادة - كاسرٌ للظروف، قاهرٌ لها يأتي على حين غره وفق معطيات الذات الحالمة شوقا وحنينا ترحا وفرحا..

والمكرم العلوي شاعرٌ حاذقٌ ٌسريع البديهة، ولكنه مقلٌّ؛ إذ لم تتجاوز قصائده التي حصلنا عليها العشر ..، وهو مثقفٌ قارئ لمتون الكتب ومجلداتها، أغلب ما توفّر لنا من شعره في المديح السياسي والديني والوصف، وفيما يلي رصدٌ بما حصلنا عليه من قصائد نأمل أن يضُمَّها ديوانٌ متكامل لتكون إضافة نوعية للشعر العُماني الحديث، وهي – هنا - على النحو التالي :

القصيدةُ الأولى : هي التي سبق أن ذكرنا مقدمتها، وعنوانها "أغرودة لقائد والشعب" ومطلعها:

إيهِ قيثارتي الحَنونُ وعودي

ردِّدا اليومَ عبقريَّ النشيدِ

وإذا كان الشاعر قد اختار لها هذا العنوان، فإنني أختار لها عنوانا آخر هو "ملحمة النهضة العُمانية" إذ هي ناهزت الثمانين بيتا بموسيقى البحر (الخفيف) والقافية الدالية المكسورة، كلها مديح سياسي مفتتحة بمقدمة يطمحُ فيها أن يكونَ الشعر الذي يصوغه من ذَوْبِ شعوره رائعًا كروعةِ عددٍ من مظاهر الحسن والجمال التي تتجلَّى في الطبيعة والحياة - توطئة وسبيلا للإغراء وشدَّ الانتباه ومواصلة القراءة وهي من المظاهر التي فيها من الطلاوة ما يجعل النفوسَ تتقبلها وتلتفت إليه بسرعة معربة عن شواجن النفوس التي يبثها الشعر بقدرات عجيبة.

نُشرت هذه القصيدة في بداية نظمها بعدد 77 بيتًا، بعنوان "أغرودة لقائد الشعب"، ثم زاد عليها الشاعر حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن ثمانين بيتًا، وقد نشرتها عُمان بتاريخ 29 / 5 / 1976 كما نشرتها مجلة " السراج"، عدد سبتمبر 1976. ومجلة " الغدير"، ع 64، مايو 1983، ص 20. وقدَّمت لها "الغدير بمقدمة" ضافية جاء فيها "الأستاذ محمد بن علي بن ناصر العلوي شخصية معروفة وهو من كبار المسؤولين في الدولة، وهناك جانب آخر له لم يعرفه الناس، ذلك أنه شاعر مبدع يقف في الصف الأول بين شعرائنا..".

القصيدة الثانية عنوانها "الزورق التائه" وهي ذات نَفَسٍ رومانسي شفيف، يغلب عليها بثّ لواعج الروح والوجد بنفثات غزلية وصفية في غالية الجمال ، ومطلعها:

هوىً فاتكٌ وضنىً واغتراب

ودمعٌ له حرقةٌ وانسكابِ

وقد نشرتها مجلة الغدير، ع 65، يونيو 1983 ، ص 20، بعدد ثلاثة وعشرين بيتًا، كما نشرتها جريدة عُمان من قبل بتاريخ 20 /7/1976، ولقيت إقبالا من المتلقي كونها تمثل مدرسة شعرية ناهضة في ذلك الوقت، مدرسة ينتمي إليها كبار الشعراء العُمانيين، وهي مستوحاة من الشجن والوجد ومغذَّاة بطلائع الشعراء وهياماتهم المطلقة وعلاقاتهم بمكونات الحلم الرومانسي البديع آنذاك (المرأة – الطبيعة – الوطن). ومن أبياتها الرائعة قول الشاعر:

فيا هندُ يا هندُ مُدّي يدًا إليَّ تخففُ عنِّي الصِّعاب

تدغدغُ في القلبِ آماله وتنعشُ فيه لذيذ الرغاب

وتمسحُ بالحبِّ كلَّ الشقاء فتشرقُ بالنور كلَّ الشعاب

وتسكرُ بالدفءِ روحُ الغريق فتهدأ من قلقٍ واضطراب

وتسكنُ زمجرة للرياح تعوي بمسمَعهِ كالذئاب

ويبدو الطريقُ له لاحبا تمزقُّ عنه الدُّجى والضباب

القصيدة الثالثة: وهي ذات غرض ديني، وقد كتبها بمناسبة المولد النبوي الشريف، وبلغت أبياتها سبعة وثلاثين بيتا، عنوانها "في ذكرى المولد النبوي" وقد نشرتها عُمان 24 / 7 / 1976، ص 2، ومطلعها :

تغنَّ يا شعرُ بالذكرى أفانينا

رقراقةً بالسـّنى القدسيّ تروينا

القصيدة الرابعة: عنوانها "إنه عرس غانم" وقد نظمها في مناسبة اجتماعية بتاريخ الرابع من أبريل 2006 م ومطلعها:

أطلقيها أغرودة في المغاني

ربة الشعر والهوى والأغاني

القصيدة الخامسة: وهي في عشرة أبيات وعنوانها "وافيتَ كالبدر" وقد نظمها بمناسبة مولد حفيده "محمد" ومطلعها:

وافيتَ كالبدرِ فانْجابت بك الظُّلَم

وأقبلَ السَّعدُ فالأيامُ تبتسمُ

القصيدة السادسة: وهي مقطوعة تتكون من سبعة أبيات، وعنوانها "ديمة الخير" وهي في الشعر الاجتماعي وقد نظمها بتاريخ 17 مارس 2010 ومطلعها يقول:

يا ديمة الخير يا أحلى الصغيراتِ

يا نعمةً من لدنْ ربِّ السَّمواتِ

القصيدة السابعة: مقطوعة من ثمانية أبيات في المديح السياسي ،وقد نظمها بتاريخ 28 مارس 2010م في المغفور له جلالة السلطان قابوس ومطلعها:

في ساحةِ الجودِ أنتَ المفردُ

العَلَم قابوسُ مَنْ بسَناهُ تهتدي الأممُ

- الشعر في ذاته يموتُ ليحيى:

لم يحظ ما كتبه المكرم العلوي من شعر بالتوثيق فقد ضاع أغلبه، وقد أشار بنفسه في لقائه المبكر مع مجلة "الغدير" بتاريخ يونيو 1983 "إلى أن شعر فترة الاغتراب كان قد جمعه في دفترٍ صغير ضاع بضياع هذا الدفتر " وأنه توقفَ بعد ذلك لسنواتٍ عن نظم الشعر وانقطعت صلته به بعد تلك المرحلة المبكرة، ثم عاد إليه ليكتب بضع قصائد، ثم انشغلَ عنه مرة أخرى وهكذا هو الشعرُ لديه يموتُ في ذاته ثم يحيى، فيكتبه ثم يتوقف عن كتابته" وقصارى ما بقي منه قصائد هي جوهر تجربته وعقده الثمين الذي نعتز به في هذا المقال ونقدّمه كواحد من أرقى ما وصل إليه غرض المديح السياسي في الشعر العُماني.

-قصيدةُ العلوي حشد للمفردات المترادفة والصُّور والجُمل المستقاة من قواميس اللغة الجزلة:

امتلكَ شاعرنا المكرم محمد بن علي العلوي القريضَ من هاماتِ صواهله، وحشدَ له في مطالعه وصدور أبياته معاني طريفة، ورسم فيه صورًا بيانية ومحسنات بديعية زانها مخزونٌ لغويٌّ غايته جمالية لا يملكها إلا المطَّلع الدارس؛ يعززُ ذلك معرفته بالأبحر العروضية التي درسها وامتلك زمامها ؛ فقلما تجد في أبيات قصائده سقطةً عروضيةً ولا هِنَةً لغوية ، ولا ثلمةً بيانيةً، وتعجبُ من قدراته التي بقيت حتى اليوم وهو يحدثك عن علم العروض والصرف وعلوم البلاغة، ولعل ذلك يرجعُ إلى تكوينه المبكر في المدارس والجامعات التقليدية التي استقى من مناهلها ما يشعلُ جذوته الشعرية ويدعم موهبته الإبداعية ويؤطرهما؛ فهو -باختصارٍ- شاعرٌ أديب ناقد عارفٌ بشؤون شعره متمكن ٌ من قصائده، دارس آليات الخطاب وبواعث الكلم ومرجعياته، وأكثر من ذلك قارئٌ مستوعبٌ لنظريات النقد الأدبي ومدارسه وتحولاتها واتجاهاتها، يقرأ بنهمٍ ما يحلَّ بالقصيد من عِلَلٍ وزحافاتٍ وما يؤول إليه من ضرورات وتجوّزات، فيعجبكَ في ذلك، وتكادُ من فرط إعجابك به أنك تطرح سؤالاً جوهرياً هو: كيف لرجل قانون لم تغيره السنون، ولم تبدله الأيام ولا صروف الوظيفة عن شغفه الأول بعلوم العربية أن يعرفَ كلَّ هذا ويبقى في ذهنه طويلاً؟ وهذا في تقديرنا جوهر موهبته وعظيم شخصيته التي جعلنا نهتم بها وبإبداعها، فهو بخلاف غيره ممن كتبنا عنهم وتناولنا تجاربهم...

أمَّا خصائصُ شعره التي بَدَتْ لنا بعجالةٍ خاطفةٍ، فهو يمتحها من فضاءِ ثقافته الواسعة وقراءاته، العميقة، واطلاعه الواسع على دواوين الشعر العربي ومصادره الكبرى، فيميزها بخصائص نجملها -اختصارًا- في الآتي:

1- طولُ النَفَسِ، وهي قدرة عجيبة في قصائد تنمّ عن طاقة تعبيرية مختزنة ينسج بها أبيات قصائده في مترادفات متقدة حتى أن بعض قصائد بلغت ثمانين بيتًا، وكلها متناسقة المعنى محكمة المبنى، وعلى ذلك ينطبق معنى البلاغة في الاستطراد لا في الإيجاز وهو حكمٌ أجازه النقاد للشعراء البلغاء المُجيدين لا لغيرهم.

2- حضورُ المطلع المكثف الغني بالدلالات مما يعطي انطباعًا للقارئ بأنه أوجز غرضه، دون أن يتكلف عنت البحث عنه، ولعل انتماء قصائده إلى سمات المدرسة الكلاسيكية هو ما جعلها تتسم بهذه الخصيصة.

3- التكرارُ المفضي إلى تدوير المعنى وتقديمه بدلالته وإيحاءاته بغية تأكيده، والنَّص على أهميته، فقصيدته "أغرودة لقائد الشعب، حشدٌ من أساليب التكرار غيرَ قليل، وفيها يتكرر التشبيه بأداته" الكاف "وعناصره المشبه والمشبه به قدر سبع مرات؛ لتكون صياغتها بعباراتٍ تنتمي إلى حقل واحد هو الطبيعة، (فهي المعادل الموضعي لجمال الحياة المنشودة في حياة الممدوح والوطن معا والمادح الشاعر(الورود- كالصباح الجميل – كالنسيم العليل – كالعذارى الحسان – كالنجم الوضَّاء – كالبدر – كالرؤى عذبة – كحُلو الأماني – كالأغاريد – كخرير المياه .. ).

ويتكرر فيها الاستفهام قرابة خمس مرات وكلها ترد في فاتحة الأبيات، وأداة الشرط "إذا" أربع مرات، وتكثرُ فيها الأفعالُ المضارعةُ الموحية بالاستمرار، ويكثر في شعره أساليب الإنشائية ممثلة في التوجع والتحسر والتعجب وكلها أدوات تضفي طلاوة المعنى على نحو ما نجد في كلمة (إيه) التي يربطها بالمنادى كثيراً (إيه قابوس تفتديك القلوب).

كما يتكرر ضمير المخاطب المفرد (أنتَ).. أنتَ أخرجت – أنتَ أذكيت (وكلها لتخصيص المناقب والخصال والمنجزات) وتأكيدها وبيان كثرتها، وهكذا تسير سائر أساليب الإنشاء والأخبار لتكون المحصلة قصيدة متكاملة البنى قائمة على ضبط فني ومعنى محدد هو المديح السياسي، على أن ذلك المعنى قد يتحولُ في بعض الأحيان إلى بَوحٍ يصلُ إلى حدِّ المبالغات التي لا يستسيغها القارئ كثيرًا، ويرى فيها إطراء وتكلفاً ، ولكنه في الحقيقة عندي أكبر وأبعد مرمى، وأصدق معنى؛ لأن الممدوح لا يكاد يختلف عليه اثنان وهو المستحق ذلك الإطراء وتلك المعاني الباذخة، والمادحُ محبٌّ للممدوح، ومجلٌّ له؛ يرى فيه خاصة بحكم الغربة عن الوطن التي لا يعرف مقدار مرارتها حسبما ذكر لي الشاعر إلا من ذاقها، وكابد مشاقها، وعانى من مشاعر اللوعة والحزن والأسى فيها، وهو هنا (أي الممدوح) القائد المنقذ الذي أعاد لعُمان مجدها، وأعاد العُمانيين إلى وطنهم الحبيب من مهاجرهم القريبة والبعيدة.

4- مطالع الوجد والبوح الرومانسي في قصائد المديح، وهي سمة تقليدية صِرْفة لا تبارحَ مكونات القصيدة العربية التقليدية وإن هي أخذت من التجديد نصيبها، ولا غريب في ذلك فقصيدته أغرودة ينشدها الشعب تستطلع بمفردات القيثارة والغناء والترديد في جوقة موسيقية تعضدها مكوناتها من اللحن الدافئ الموسوم بصفة عربية رمزًا لعراقة الانتماء.

5- جاهزية العبارة وقوتها ووضوحها؛ ويعود ذلك لاختياره الموفق للمعجم المستخدم المُوحي بالقوة والتأثير، فلا تجد في قصائده المغلف الغامض المتكلف والوحشي الركيك، وهذا دليلُ خبرةٍ ومهارة في اصطياد الكلمات.. فهو –بحق- صيادٌ ماهرٌ بل بحارٌ يتقنُ فن الإبحار في الأمواج المتلاطمة.

6- إحكامُ الخواتم تعلة لهدف التوصيل وهي ثيمةٌ بدَتْ في كاملِ قصائد مديحًا سياسيًّا أو وولاء للممدوح الذي لا يكاد يفارق شعره البتة، ليكون كل ذلك الحشد الوصفي والصور المتكررة عصارة لرضى الممدوح على كامل الخط والمسيرة.. يقول في خاتمة قصيدة أغرودة لقائد الشعب (فسلام عليك يا منقذ الشعب.. ويا فجر مجدنا المنشود) ... وفي قصيدته "الزورق التائه يقول بعد فيضٍ من الغزل والوجد الرومانسي البديع":

على صدرك المرمري الصقيل

سترسو سفيني بعد اغتراب

جذوةُ النقدِ وشرارةُ شعر المديح القادحة ضفتان لنهر واحد

لا يكاد أحدٌ يتوقع إحاطة الأستاذ العلوي الأدبية ومعرفته بنظريات النقد الأدبي وبتاريخ الأدب العربي وبعروض الشعر والبلاغة والصرف وسائر علوم الآلة إلا من لقيه واستمع إليه ، فيبدو لك وأنت في حضرته أستاذًا متخصصًا في النقد الأدبي أو النحو العربي وهو أمرٌ معجبٌ مثيرٌ حقًا، فقد سرَدَ لنا – بمثل ما سردَ لمحرر " الغدير" الذي لقيه ونشر لقاءه الأول في مجلة الغدير، ع 64 ، يونيو 1983، ص 12 تحولات القصيدة العربية منذ تكويناتها الأولى عند القدامى وما طرأ فيها من تجديد في مضامينها وبعثها وإحيائها وصولا إلى انبثاق قصيدة التفعيلة التي رأى فيها تجديدًا مقبولا استساغه وأحبه، ولم يكن هذا التجديد في رأيه وليد العصر الحديث بل هو من فعلِ رواد عمود الشعر في العصور العباسية وما قدّموه في نهضة الشعر وإحيائه، فلم تكُ معلقات الأقدمين إلا أسسًا شعرية سرعان ما تحوَّل الشاعر منها إلى عوالم التغيير مع المحافظة على القالب وتغيير القلب، وفي هذا يقول وقد ملكت قلبه قصيدة التفعيلة " وأنا اعتبر نظام التفعيلة نوعًا من التطور، وهو نظام لا يهدر الأوزان العربية وإنما يعيد توزيع موسيقاها توزيعًا جديدًا .."

لقد اكتسب الأستاذ العلوي هذه الجذوة النقدية: قبول التجديد من اشتغاله بمهنة التدريس بمدارس الصومال قبل تخرجه من جامعة القاهرة وبعدها، وعلى ذلك ينكشف العجب وتنقشع الدهشة، وبين الشعر والنقد محطات ليست بعيدة لعل مقاربتها تؤول إلى فهم مرامي شعره وانتماءاته في عوالم الفكر والقصيد، يتضح ذلك حينما يفصل لنا رؤاه النقدية، فيقول مستشرفًا آفاق الشعر العربي القديم ضاربًا الأمثلة بتحولات القصيدة العربية بدءًا من رصانتها وعكوفها في محراب القدماء المحافظين على سنن الشعر والمحيطين بثوابته ومكوناته التي لا تتغير لحين مجيء عصر التجديد في فكرة عمود الشعر وصولا إلى الأدب الأندلسي الذي رأى فيه أن الموشحات تمثل ضربًا من ضروب ذلك التجديد، وعدا هذين التجديدين عند شاعرنا لا يكون للشعر تجديدا ولا حداثة وإنما عبث باللغة والإيقاع والموسيقى، ويكفيه أنه أعجب بمدرسة البعث والأحياء التي مارست خططها بذوق رفيع وتأثير ما بعده تأثير وما شعر شوقي وحافظ والبارودي وغيرهم إلا حجة في ذلك.

أمّا تجديدُ القالب الشعري بما سُمّي قصيدة النثر فعند شاعرنا محال ونراه متصلبًا فيه، وفي ذلك يقول مشددًا "إن الشعر العربي يجب أن يكون مقيدًا في أغلال نظام موسيقي بذاته لا يستطيع منه فكاكًا مهما اختلفت العصور".

وعلى كلٍّ فالشعر لدى شاعرنا جوهره المبنى وعموده المعنى وبينهما أمور متشابهات لا يعلم كنهها إلا هو يقولُ" إن الشعرَ باقٍ ولن ينتهي، وهو قادر في كل عصر على القيام برسالته ما دام هناك من الشعراء من هو قادر على تفهم حاجات عصره والتعبير عنها..".

لقد ظلت القصيدة الجديدة- (أعني بها ما خالفت عروض الشعر لا قوافيه)، وغرقت في لجج الغموض الحالكة المظلمة، وتاهت في فيافي الرمز بلا حدود، ولا قيود - في نظر شاعرنا خارجة عن دائرة الشعر العربي الذي تعتبر الموسيقى ركنًا أساسيًّا فيه، وسوف تبقى في رأيه هائمة في صحاري ومتاهات النثر العربي الموحشة الجرداء التي لا تؤدي إلى نهاية سعيدة؛ لأنها لا رسالة لها ولا غاية وإنما هدفها الإثارة والدهشة ومغايرة السائد والمألوف، وكل ما يمكن أن يوصف به الجيد من هذه القصائد هو نثر فني على حسب قوله.