"الكتابة عمل شاق" ولكنها تصبح أكثر تعبا عندما تحمل الهم العام، بل وعندما يتشارك بكتابة عمل واحد عدة روائيين لكل منهم خطه السردي وفكره المختلف ولكن يجمع بينهما شغف الرواية وحب الإبداع والعزيمة التي تمخضت عن صدور "القطار الأزرق" وهي أول رواية تشاركية على مستوى العالم العربي يساهم فيها سبعة أدباء معا هم: عماد نداف، مقبل الميلع -المقيم في أمريكا، جمال الزعبي، فاتن ديركي، محمد الحفري سهيل الديب، محمد الطاهر، وذلك عن دار توتول.

فكيف كانت ظروف إنجاز الرواية، وكيف تم التوصل إلى توافق حول الخطوط السردية والأفكار بهذا العدد من الكتاب، وما مدى رضا كل واحد منهم عن المستوى الفني للرواية من حيث التفاصيل والحبكة والسرد وحتى الوقائع...؟

صحيفة "عُمان" حاورت أربعة أدباء منهم فماذا قالوا عن هذا العمل الروائي؟

.

الكاتب محمد الحفري: "تجربة مريرة وجميلة ولن أعيدها ثانية"!

.

وفي حديثه لعمان قال الكاتب "محمد الحفري": "دائماً كان لدي هاجس لمحاولة كتابة تشاركية وقد فعلت ذلك في مجال القصة والسيناريو لكن هذه التجربة وأقصد رواية القطار الأزرق التي صدرت مؤخراً عن دار توتول مؤخراً في دمشق فقد كان الأمر مختلف من ناحيتين على الأقل

الناحية الأولى أننا اتفقنا على كتابة ممزوجة بروح المجموعة بمعنى ألا يكتب كل منا مقطعا منفردا كما في تجارب سابقة بل يشارك الجميع في كل فصل ومقطع.

من ناحية ثانية الفكرة أساسا تقوم على الجنون من حيث المكان المفترض والتعامل مع الحدث والشخصيات وثيمات العمل كامل، العمل استغرق ما يقارب العام وهو متعب جدا وبالنسبة لي كدت أصاب بالجلطة وضيق في الصدر والتنفس ولعل مكمن الصعوبة هو في اختلاف السويات الفنية للكتاب المشاركين في هذا العمل، دعني أقل لك أن المحبة هي التي دفعتنا أخيرا للتوصل لاتفاق لم يرضي الجميع لكنه اتفاق محبة في نهاية الأمر لتخرج الرواية بسوية جيدة ويشار فيها لفنيتها ومادتها الشائقة، أقول لك بصراحة بعد أن خرج هذا العمل إلى النور لقد خرق بعض الأصدقاء ما اتفقنا عليه في البداية بأن يكون إخراج العمل النهائي لي في رسم الخطوط والأحداث وذلك بسبب ارتباطهم بالمدرسة الواقعية أو ربما لأسباب أخرى أترفع عن ذكرها طبعا وهذا الكلام يعيدني إلى البداية أو إلى الفكرة المجنونة والجنون الذي أعني حيث كان يمكن للعمل أن يكون أكثر تحليقا في فضاء الجنون لولا دوافع الخوف والانقلاب على اتفاق البداية. كلامي لا يقلل من شأن الرواية بل على العكس فهي متوازنة وتسجل سبقا في هذا السياق إنما أقصد الجنون الذي يمكن أن يأخذ العمل إلى افتراضات أخرى. الآن نحن أمام عمل سوري نباهي به أمام الجميع. قبل أن يملني الكلام أقول حاولت الانسحاب من العمل أكثر من مرة لكن المحبة أعادتني إليه وما فعلته في عدم الجلوس على طاولة التوقيع ومشاركة الشركاء في ذلك كان احتجاج محبة أو ردة فعل على ما حدث معي. أخيرا أقول التشارك فعل جميل ومن خلاله نكتشف الشركاء الأناني والانتهازي والكريم والمتسامح والمتسامي والمتشدق والذي يريد أن يستغل جهد غيره كل هذه الحالات يمكن أن تظهر في التشاركية لكننا استطعنا بالمحبة ترويضها لتتلاشى وخرجنا بعمل فيه محبة وأمل يراود كل سوري بمرور القطار الأزرق لقد كانت تجربة مريرة وقاسية وجميلة في آن لكنني لن أعيدها ثانية.

أخيرا أجد لزاما علي القول أنني أعتبر أي منجز على صعيد الكتابة والجوائز قد صار من خلفي الآن سأبدأ من جديد وأنا أحدق في الفضاءات والأمداء البعيدة".

.

الكاتبة فاتن ديركي: "دور المثقف في البناء بعد الحرب"

.

وبدورها قالت الكاتبة فاتن ديركي: "فكرة رواية القطار الأزرق هي للأستاذ عماد نداف وهي تحكي عن دور المثقف في المشاركة في عملية البناء بعد الحرب على سوريا من خلال رؤيته الإيجابية، مشاركتي في الرواية كانت كمحامية ذهبت للمحطة لركوب القطار والتوجه إلى حمص للدفاع عن موكلها الذي تحتفظ بدليل براءته في محفظتها ليحدث الحصار وتبقى مع زملائها بانتظار القطار الذي ينشد وصوله كل واحد منهم للذهاب إلى وجهته، بالنسبة لي فقد عملت على أن أظهر نفسي كما أنا كمحامية تسعى إلى تحقيق العدالة وكامرأة سورية عليها أن تأخذ مكانها إلى جانب الرجل وتقوم بدورها في تجاوز الأزمة، وكذلك زملائي الذين توخوا الصدق والشفافية للتعبير عن دواخلهم ورؤاهم الخاصة ، لنصل في النهاية لمنتج أدبي يطرح قصة جميلة وعلى درجة من العمق بأسلوب سردي مشوق للقارئ.

النقطة الثانية التي أحب أن أخوض فيها أن الرواية جاءت بعد مخاض عسير، إذ كان علينا بعد تجميع النصوص والفصول أن نناقش كل فكرة على حدة من هنا اختلفت الآراء وبما أننا كنا في اشد الحرص والإصرار على ولادة الرواية وإنجازها اتفقنا على توحيد الأسلوب وعلى صيغة تبادلية موحدة تحمل رسالة العمل ومن خلال اجتماعاتنا وعقد الورشات المشتركة تمكنا من استجرار أفكار جديدة في نصوص سردية شعرية وشخصية تزيد من جمالية العمل".

.

الكاتب عماد نداف: "تغلبنا على العقبات بالتصميم"

.

كما تحدث لـ «عمان» الكاتب عماد نداف بقوله: "بدأت الفكرة على أرضية أن من الضروري تحريك الجو الثقافي ودفعه باتجاه التفاعلية، وقدمت الفكرة الأولى لبعض الزملاء الكتاب الذين يمكن التفاهم مهم، واعتذر البعض ووافق آخرون، وكان عند هؤلاء حماسة واضحة للعمل، ووصف أحدهم الفكرة بالمغامرة المجنونة، فكيف ننتج نصا تشاركيا روائيا بقلم سبعة كتاب؟

المهم، تم ترتيب أكثر من لقاء أولي، ومن خلال هذه اللقاءات تم وضع آلية عمل، ثم تم الاتفاق على الفكرة، وكانت تلك أهم خطوة في المشروع التشاركي.

السؤال الذي يفرض نفسه، هو كيف أنجزت، وكيف مضى المشروع في طريق التنفيذ، في حقيقة الأمر ساهمت وسائل التواصل بحل المشكلة، فكانت تطرح فكرة أولية ويجري العمل عليها وتطويرها، وكانت أول فكرة هي (الأسماء الحقيقية للشخصيات) شريطة أن يقوم كاتب آخر بحق التصرف بنص ثم يعيده للمجموع، وهنا نشأت الخلافات، وكدنا نصطدم بالجدار، وكادت تضيع البوصلة، لكن الاجتماعات حلتها، وصرنا ننتهج خطوط السردية، ونحاول وضع مخارج لها ومبررات، وكانت العقبة الكبرى هي تراكم حوارات مباشرة تضر بالسرد.

وهكذا إلى أن ظهرت نواة العمل، ولكن بشكل متوسط القيمة الأدبية، فقرأناه ثم اتفقنا على تعديلات جوهرية، وعندما نفذت هذه التعديلات كان أمامنا أحداث وحبكة وشخصيات وبقي علينا إعادة صياغتها.

جرت الصياغة بتجميع مهاراتنا، وأحيانا كانت إحدى العبارات تنقذ فكرة يكتبها آخر، وأحيانا كان احتجاج إحدى الشخصيات يفتح على فصل جديد وحذف فصل قديم وهكذا!".

وحول رضاه عن العمل قال النداف: "نعم لقد حرضتنا فكرة العمل التشاركي على إنجاز سردية مبدعة حتى لو واجهت نقدا من الوسط النقدي، لكنها حرضت كل واحد منا على الخروج عن أسلوبه إلى أسلوب الجماعة، وهذا منجز آخر، أنا راض عن هذه السردية لمجموعة أسباب: أولها أنها لاقت صدى عند الآخرين. ثم أنها دبت الحيوية في جسد سبعة كتاب، وجعلتهم على أهبة الاستعداد للمتابعة مدة عام، والأهم أن الجلسات الأخيرة التي كادت تودي بالمشروع، نجحت في تمكين النص من نفسه والتغلب على النزوع الفردي في العمل الجماعي ..

هذا أقل ما يقال في الصحافة. أنا أحيي هؤلاء الكتاب الذي جمعتني بهم سردية من لحم ودم".

.

الكاتب محمد أحمد الطاهر: "الرواية ظاهرة فريدة"!

.

وأخيرا تحدث الكاتب محمد الطاهر بقوله: "كانت رواية القطار الأزرق متميزة لم يسبقنا احد في كتابة رواية اشترك فيها سبعة كتاب وأعضاء في اتحاد الكتاب ومنهم الروائي المغترب في أمريكا مقبل الميلع، صاحب اليد البيضاء في دعمها ودعم جائزة توتول للإبداع الروائي السنوية، وتعد الرواية ظاهرة فريدة من نوعها على مستوى الوطن العربي، وليس هناك إلا رواية تاريخية أردنية "حكايات المقهى العتيق" لتسعة كتاب أردنيين على شكل فصول، في حين أن روايتنا تشاركية تجد في كل سطر دور لكل الكتاب، ولا ننسى الدعم الفريد من نوعه، وقد نالت استحسان الجميع وكان حضورهم لحفل التوقيع لافتا لم نشهد له مثيل رغم سنوات الحرب الظالمة على البلاد، إنها بحق رواية تهم كل مواطن سوري وعربي لأنها جمعت كل الكتاب برؤية موحدة، لتقول إن الأمل والمستقبل للفكر والوطن قادم لا محالة".