في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر الماضي، قدّمت الشاعرة والكاتبة فاطمة الشيدية في برنامج (في هواء الكتابة) بإذاعة سلطنة عمان نصها (صلوات العنقاء الأخيرة) الذي جاء مشحونا بانشطارات النفس البشرية، وتأوّهاتها، وتقاطعات اللغة مع عذابات الواقع. واكتفت الشيدية فيه بقراءة أربعة مقاطع شعرية من أصل ثمانية نُشرت في مجلة نزوى عام 2018م، وهذه المقاطع تظهرُ بها ثيماتُ الوجع الداخلي، والغياب، وشعور الذات بالألم والحزن. إنها صلواتٌ طافحةٌ بمرارة الواقع الذي تحاول من خلاله الشاعرة تقييد يومياته في هيئة نصٍ شعريٍ محمّلٍ بلغة الفقد والغياب، وتخييل الواقع، تقول:
ثمة شق كبير بيني وبين هذا العالم
أحاول أن أضمّده بالكلمات
أمسح على جرحه الكبير بقلبي المرتجف كل ليلة
أقرأ عليه قصة
أعلمه أن يحلم كثيرا ليلتئم قليلا
أحاول أن أعلمه أن يكذب على نفسه ليعيش
أو يختلق فقاعة باهتة ليحيا فيها
أن يتدرب على الكذب كل يوم بدأب وإصرار كي يفقد بعض وزنه
وأن يحفظ بعض الكلمات الهزيلة عن الأمل كمن يتعلم لغة صعبة
كي يحلّق أخيرا كبالونة فارغة
الشق يتسع
وكل ما أخشاه أن يبتلعني
وأنا أردد نفس النصائح همسا داخلي.
واللافت في نص فاطمة الشيدية لا سيما المقطع الأخير أنه أكثر ارتباطًا بثيمة الحزن، وأكثر اشتغالا عما سبقه من مقاطع على دلالات الحزن، وتوظيفها شعريًا داخل النص. تقول الشيدية:
فور دخولي المقهى أخرجتُ حزني من حقيبتي
وضعته على الطاولة
فذهب في التمدد والارتقاء
ثم تشكّلَ كائنا خرافيا وجلس على الكرسي المقابل
طلبتُ له (آيس كريم) ولي قهوة سوداء أشربها نخبا له
ابتسم النادل وهو يقول:
جميل هذا الحزن.. كثير جدا، وشهي يا سيدتي
يكفي لكتابة قصيدة
أو كي يزهر الربيع مجددا في بلاد الحر أما الرجل السمين الذي يجلس على الطاولة المجاورة
فكان يهش بيديه كي لا يصله شيء من فراشات الحزن
التي غمرت المكان فور دخولي
يبدو أنه يخاف أحزان النساء
أو لعله متورط فيها أكثر مما ينبغي!
تمزج الشاعرة في المقطع السابق الشعر بعناصر السرد المختلفة، إذ يدور المقطع في حركةٍ سرديةٍ تخترقُ المكان مُحاولةً الكشف عن دواخل الشخصيات، وينفلتُ الحزنُ من ذاكرة الشخصية الرئيسة إلى فضاءات المكان -المقهى- الحقيبة إلى الشخصيات الأخرى، لذا فإنّ مع انفلات الحزن من تلك الذاكرة العابرة للزمن، ستبتكرُ الشاعرةُ صناعةَ الحزن في شخصيةٍ محوريةٍ متخيَّلةٍ، تُخرجه من الحقيبة ليجلس على الكرسي المقابل لها.
أيضا تصنع الشاعرة من الحزن حدثاً يتشكّل معه المقطع الشعري ويتعالق مع السردي لإبراز دلالات الحزن داخله، ويمكن قراءة ذلك من:
أولا: الشخصية الرئيسة والدلالات المرتبطة بها: فـ (الحقيبة) التي خرج الحزن منها تحمل دلالات التنقل والسفر أي أنّ الحزن مقيمٌ وملازمٌ لهذه الشخصية في أكثر حالاتها، و(خرافية الحزن) وتوظيفه في هيئة طائرٍ خرافيٍ قابلٍ للتمدُّدِ في كل الجهات يمنحه بُعدًا أسطوريا أو متخيّلًا تمامًا مثلما تَنشدهُ الأساطير في عذاباتها المستمرة، و(القهوة السوداء) دالَّةٌ على مرارة الواقع والحزن الظاهر على الشخصية الرئيسة.
ثانياً: تأثيرات المكان، فهو في النص ليس مكان الحكايات فقط، أو إقامة الحوارات والتباسات الضمائر وتفكيك بواطنها، وإعادة قراءاتها وتأويلاتها، إنه أيضا مجتمع الحزن وصراعات الغربة الداخلية التي تدور في فضائه، وتقع في مخيلة الشخصيات داخله.
ثالثًا: في الشخصيات المتشكِّلة داخل الحدث الشعري نتيجة ارتباط الشخصية الرئيسة بثيمة الحزن. إنها -أي الشاعرة- تبتكر شخصياتها، وتُظهر كل شخصية بصفات خاصة بها، وبطابع نفسي يحيل على تأزمها؛ فـ(الشخصية المتخيَّلة للحزن) تؤدي دورًا مهمًا تنفتح عليه الشخصيات الأخرى، إما بحوارٍ بينها، أو بوصف متعلقٍ بأخرى، وهنا يتضح دور الحزن كونه ثيمة في النص وشخصية في السرد بإيجاد علاقة داخلية بين المتخيِّل والمتخيَّل، فشخصية الحزن ليست إلا انفعالا داخلياً يسكن في عمق الشخصية الرئيسة تحاول إبرازه في هيئة حضور شخصي، وهو أقرب للتداعيات النفسية المتشكّلة. إنّ ذلك يُعبّر بصورة أوضح عن انشطارات الذات وغربتها الداخلية. أما (شخصية النادل) فهي بمثابة السارد العليم ببواطن الأمور الذي يتدخّل في الأحداث، يفسّرُ ويصفُ ويُقدّم رأيًا:
ابتسم النادل وهو يقول:
جميل هذا الحزن.. كثير جدا، وشهي يا سيدتي
يكفي لكتابة قصيدة
أو كي يزهر الربيع مجددا في بلاد الحر.
إنّ اللحظة الشعرية هنا دفعت النص للكشف والتفسير عن الخلجات الداخلية؛ لقد قرأ النادل ملامح الشخصيتين، وحاول تقديم صورة مغايرة للحزن، إنها صورة مشرقة على ما يبدو، تدفع لكتابة قصيدة، أو ليزهر معها الربيع مجددا، صورة تدعو إلى التفاؤل، تُذكّرُ بمقولة لمارسيل بروست حين يقول: "الحزن يطور العقل".
إنّ النص لا يكتفي بتقديم قوالب ثابتة للمفاهيم، بل يحاول أن يدعو للمغايرة والتحايل على بنائية الصورة، وبما أنه يتجه في اشتغالاته إلى التمازج الشعري والسردي فهو قادر على إيجاد مثل هذه التغايرات، وقادرٌ على البوح والتعبير، وطرح الأسئلة التي تقود إلى متغيرات داخلية في بناء النص الشعري.
أما (شخصية الرجل السمين)، فيقيم النص لها علاقة طاردة مع الحزن، علاقة رفض أو تماهٍ، هذا ما تُقرّه الشاعرة حين تكشف في نصها عن شخصيته ومدى ارتباطها بالحزن، إما خوفا من أحزان النساء أو أنه متورط في أحزانها أكثر مما ينبغي:
أما الرجل السمين الذي يجلس على الطاولة المجاورة
فكان يهش بيديه كي لا يصله شيء من فراشات الحزن
التي غمرت المكان فور دخولي
يبدو أنه يخاف أحزان النساء
أو لعله متورط فيها أكثر مما ينبغي!
إنّ التوسع في صبغ الشخصيات بدلالات الحزن عمليةٌ جعلت النص يسعى إلى تكثيف اشتغالاته على الدلالات الداخلية لكل شخصية، وبيان انعكاس فعلها على العناصر الأخرى.
إذا، يلجأ الشعر هنا إلى السرد لإكمال حاجته الدلالية، وبناء صوره، وإحكام لغته، وهو ما جعله يقوم على مرتكزات عدة في كتابته، منها: العلاقة المتصلة المتداخلة التي أوجدت ارتباطًا وثيقًا بين شخصيات النص، فتستكمل معها الحاجة الشعرية، وتُعيدُ صياغة البُعد النفسي والسمات الجسدية لها. ومنها الفضاء السردي الذي أعطى قيمة حيّةً للنص وارتبط بالوصف القائم على اللقطة السريعة للحدث، ومحاولة ربط الأحداث به. ومنها لغة الحزن التي تمدَّدتْ في النص، وتوسَّعتْ حتى صارت جزءا مهما في تشكيله.
إنّ نص (صلوات العنقاء الأخيرة) قائم في مجمله على هوية الذات الأنثوية التي تسكنها عذابات النفس، وعوارض الوجع، وإنَّ في لفظة العنقاء الأخيرة إحالةً دلاليةً مشتركةً بين الأسطورة وبين النهاية أو الانقراض، وبين الترميز والتخييل، لذا لا يملك النص منذ مقاطعه الأولى إلا أسطرة الواقع، وبناء ثيماته ومنحها دلالات البقاء المتخيّل، ولا يتم ذلك إلا بأسطرة اللغة، والاتكاء عليها وصولا إلى خلود الصورة التي يكتب عنها.
ثمة شق كبير بيني وبين هذا العالم
أحاول أن أضمّده بالكلمات
أمسح على جرحه الكبير بقلبي المرتجف كل ليلة
أقرأ عليه قصة
أعلمه أن يحلم كثيرا ليلتئم قليلا
أحاول أن أعلمه أن يكذب على نفسه ليعيش
أو يختلق فقاعة باهتة ليحيا فيها
أن يتدرب على الكذب كل يوم بدأب وإصرار كي يفقد بعض وزنه
وأن يحفظ بعض الكلمات الهزيلة عن الأمل كمن يتعلم لغة صعبة
كي يحلّق أخيرا كبالونة فارغة
الشق يتسع
وكل ما أخشاه أن يبتلعني
وأنا أردد نفس النصائح همسا داخلي.
واللافت في نص فاطمة الشيدية لا سيما المقطع الأخير أنه أكثر ارتباطًا بثيمة الحزن، وأكثر اشتغالا عما سبقه من مقاطع على دلالات الحزن، وتوظيفها شعريًا داخل النص. تقول الشيدية:
فور دخولي المقهى أخرجتُ حزني من حقيبتي
وضعته على الطاولة
فذهب في التمدد والارتقاء
ثم تشكّلَ كائنا خرافيا وجلس على الكرسي المقابل
طلبتُ له (آيس كريم) ولي قهوة سوداء أشربها نخبا له
ابتسم النادل وهو يقول:
جميل هذا الحزن.. كثير جدا، وشهي يا سيدتي
يكفي لكتابة قصيدة
أو كي يزهر الربيع مجددا في بلاد الحر أما الرجل السمين الذي يجلس على الطاولة المجاورة
فكان يهش بيديه كي لا يصله شيء من فراشات الحزن
التي غمرت المكان فور دخولي
يبدو أنه يخاف أحزان النساء
أو لعله متورط فيها أكثر مما ينبغي!
تمزج الشاعرة في المقطع السابق الشعر بعناصر السرد المختلفة، إذ يدور المقطع في حركةٍ سرديةٍ تخترقُ المكان مُحاولةً الكشف عن دواخل الشخصيات، وينفلتُ الحزنُ من ذاكرة الشخصية الرئيسة إلى فضاءات المكان -المقهى- الحقيبة إلى الشخصيات الأخرى، لذا فإنّ مع انفلات الحزن من تلك الذاكرة العابرة للزمن، ستبتكرُ الشاعرةُ صناعةَ الحزن في شخصيةٍ محوريةٍ متخيَّلةٍ، تُخرجه من الحقيبة ليجلس على الكرسي المقابل لها.
أيضا تصنع الشاعرة من الحزن حدثاً يتشكّل معه المقطع الشعري ويتعالق مع السردي لإبراز دلالات الحزن داخله، ويمكن قراءة ذلك من:
أولا: الشخصية الرئيسة والدلالات المرتبطة بها: فـ (الحقيبة) التي خرج الحزن منها تحمل دلالات التنقل والسفر أي أنّ الحزن مقيمٌ وملازمٌ لهذه الشخصية في أكثر حالاتها، و(خرافية الحزن) وتوظيفه في هيئة طائرٍ خرافيٍ قابلٍ للتمدُّدِ في كل الجهات يمنحه بُعدًا أسطوريا أو متخيّلًا تمامًا مثلما تَنشدهُ الأساطير في عذاباتها المستمرة، و(القهوة السوداء) دالَّةٌ على مرارة الواقع والحزن الظاهر على الشخصية الرئيسة.
ثانياً: تأثيرات المكان، فهو في النص ليس مكان الحكايات فقط، أو إقامة الحوارات والتباسات الضمائر وتفكيك بواطنها، وإعادة قراءاتها وتأويلاتها، إنه أيضا مجتمع الحزن وصراعات الغربة الداخلية التي تدور في فضائه، وتقع في مخيلة الشخصيات داخله.
ثالثًا: في الشخصيات المتشكِّلة داخل الحدث الشعري نتيجة ارتباط الشخصية الرئيسة بثيمة الحزن. إنها -أي الشاعرة- تبتكر شخصياتها، وتُظهر كل شخصية بصفات خاصة بها، وبطابع نفسي يحيل على تأزمها؛ فـ(الشخصية المتخيَّلة للحزن) تؤدي دورًا مهمًا تنفتح عليه الشخصيات الأخرى، إما بحوارٍ بينها، أو بوصف متعلقٍ بأخرى، وهنا يتضح دور الحزن كونه ثيمة في النص وشخصية في السرد بإيجاد علاقة داخلية بين المتخيِّل والمتخيَّل، فشخصية الحزن ليست إلا انفعالا داخلياً يسكن في عمق الشخصية الرئيسة تحاول إبرازه في هيئة حضور شخصي، وهو أقرب للتداعيات النفسية المتشكّلة. إنّ ذلك يُعبّر بصورة أوضح عن انشطارات الذات وغربتها الداخلية. أما (شخصية النادل) فهي بمثابة السارد العليم ببواطن الأمور الذي يتدخّل في الأحداث، يفسّرُ ويصفُ ويُقدّم رأيًا:
ابتسم النادل وهو يقول:
جميل هذا الحزن.. كثير جدا، وشهي يا سيدتي
يكفي لكتابة قصيدة
أو كي يزهر الربيع مجددا في بلاد الحر.
إنّ اللحظة الشعرية هنا دفعت النص للكشف والتفسير عن الخلجات الداخلية؛ لقد قرأ النادل ملامح الشخصيتين، وحاول تقديم صورة مغايرة للحزن، إنها صورة مشرقة على ما يبدو، تدفع لكتابة قصيدة، أو ليزهر معها الربيع مجددا، صورة تدعو إلى التفاؤل، تُذكّرُ بمقولة لمارسيل بروست حين يقول: "الحزن يطور العقل".
إنّ النص لا يكتفي بتقديم قوالب ثابتة للمفاهيم، بل يحاول أن يدعو للمغايرة والتحايل على بنائية الصورة، وبما أنه يتجه في اشتغالاته إلى التمازج الشعري والسردي فهو قادر على إيجاد مثل هذه التغايرات، وقادرٌ على البوح والتعبير، وطرح الأسئلة التي تقود إلى متغيرات داخلية في بناء النص الشعري.
أما (شخصية الرجل السمين)، فيقيم النص لها علاقة طاردة مع الحزن، علاقة رفض أو تماهٍ، هذا ما تُقرّه الشاعرة حين تكشف في نصها عن شخصيته ومدى ارتباطها بالحزن، إما خوفا من أحزان النساء أو أنه متورط في أحزانها أكثر مما ينبغي:
أما الرجل السمين الذي يجلس على الطاولة المجاورة
فكان يهش بيديه كي لا يصله شيء من فراشات الحزن
التي غمرت المكان فور دخولي
يبدو أنه يخاف أحزان النساء
أو لعله متورط فيها أكثر مما ينبغي!
إنّ التوسع في صبغ الشخصيات بدلالات الحزن عمليةٌ جعلت النص يسعى إلى تكثيف اشتغالاته على الدلالات الداخلية لكل شخصية، وبيان انعكاس فعلها على العناصر الأخرى.
إذا، يلجأ الشعر هنا إلى السرد لإكمال حاجته الدلالية، وبناء صوره، وإحكام لغته، وهو ما جعله يقوم على مرتكزات عدة في كتابته، منها: العلاقة المتصلة المتداخلة التي أوجدت ارتباطًا وثيقًا بين شخصيات النص، فتستكمل معها الحاجة الشعرية، وتُعيدُ صياغة البُعد النفسي والسمات الجسدية لها. ومنها الفضاء السردي الذي أعطى قيمة حيّةً للنص وارتبط بالوصف القائم على اللقطة السريعة للحدث، ومحاولة ربط الأحداث به. ومنها لغة الحزن التي تمدَّدتْ في النص، وتوسَّعتْ حتى صارت جزءا مهما في تشكيله.
إنّ نص (صلوات العنقاء الأخيرة) قائم في مجمله على هوية الذات الأنثوية التي تسكنها عذابات النفس، وعوارض الوجع، وإنَّ في لفظة العنقاء الأخيرة إحالةً دلاليةً مشتركةً بين الأسطورة وبين النهاية أو الانقراض، وبين الترميز والتخييل، لذا لا يملك النص منذ مقاطعه الأولى إلا أسطرة الواقع، وبناء ثيماته ومنحها دلالات البقاء المتخيّل، ولا يتم ذلك إلا بأسطرة اللغة، والاتكاء عليها وصولا إلى خلود الصورة التي يكتب عنها.