- من أواخر كتَّاب المقامة العُمانية في محاولةٍ واحدة لم تتكرر في إبداعاته.
- ديوانُهُ أغلبهُ نظمٌ وقيمته في توثيق المناسبات والمنجزات والعلاقات الإنسانية بين الأفراد والجماعات.
- تمتلئُ مدونته الوثائقية بمراسلات رسمية وخطابات عَمَلٍ مفيدة للتاريخ الإداري والاجتماعي العُماني.
عادة ما تكونُ المناسباتُ الاحتفائيةُ فتحاً لذاكرة الشخصيات المُحْتَفَى بها، وكشفاً لكنوزها وتراثها، وما بقيَ من أثارها وأخبارها، وما تركتهُ من أدبياتٍ مخطوطةٍ - يزيدُ ذلك ألقا ويغذّيه مشاركةُ أكثر من باحثٍ فيها فتزدادُ الرؤى توهجا وتألقا؛ فكلٌّ يدلو بدلوه ويأتي بمكتشفه وجديده.. هذا ما جرى في الاحتفائية الثقافية التي شرفتُ بالمشاركة فيها بها بدعوةٍ كريمةٍ من لدن الشيخ عبدالله بن محمد الأغبري والمركز الثقافي بولاية إبراء بتاريخ الأحد 31 مارس 2019م ...، فقد كانت المعلوماتُ لديَّ في البداية شحيحةً عن هذا المُحتفى به رغم صيته ومكانته الاجتماعية، وعندما ابتدأت الندوة انهلّت عليَّ المعلومات وكَثُرَت المداولات من كلٍّ ورقة من أوراق المشاركين والشعراء الذين أتحفوا الحاضرين بأبحاثهم وقصائدهم وخاصة قصيدة الشيخ غالب بن ناصر النعماني التأبينية للمُحْتَفى به إبان وفاته.
ذكَّرني حَشدُ ندوته بذلك الحشد الاجتماعيّ الثقافيّ وما كان يحفلُ به المجتمع ويقيمه للشيخ الأغبري في إبراء عندما كان واليا عليها في سنواته الأولى للنهضة العُمانية، فالصورة النمطية واحدة للوالي في السبعينيات وما قبلها ما زالت باقية في ذهني، وقد زادَ من وهجها الرعاية الرسمية الشرفية لرئيس مجلس القضاء الأعلى آنذاك، وحضورُ عدد من شيوخ القبائل ووجهائها، وثلة كبيرة ممن عَرَفوا الشيخ الأغبري وعاشوا عصره، وزاد من وهج تلك أيضا الاحتفائية الثقافية المشاركة النوعية للباحثين والمتحدثين والشعراء الذين استنطقوا الشخصية من كافة جوانبها وأفاضوا في وصفه والثناء عليه، ونجمت عن ذلك محصلة لا بأس بها من ورقات العمل ذات العلاقة بحقول المعرفة الأدبية والتاريخية والتربوية.
هذه التوطئةُ تقودني حتما إلى الدوافع التي جعلتني أعيدُ صياغة ما قلته، وأن أَفِي الموضوعَ الذي وعدتُ به، وأعطيه حقَ قدره من الظهور والكتابة مستبشراً بالحصيلة الوثائقية التي حصلتُ عليها من أسرة المحتفى، وهي تضمُّ وثائق المجتمع ومراسلاته وصوره، ولا غرابة في ذلك، فالشيخ الأغبري مثله من سائر الشخصيات الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة رجلا من رجالات المرحلة الإدارية السبعينية، ومحصلة من محصلاتها بما أوتي من دورٍ رسميٍّ دعمته مكانته كشيخ اجتماعي ووالٍ في مناطق وولايات عُمانية عدّة، وهو كما يصفهُ أستاذنا الشيخ أحمد الفلاحي في مقاله المنشور عنه بصحيفة الوطن بتاريخ 17 مايو 2020 م: "من الرّجال الأفذاذ الحُكماءِ المتميزين بين أعلام الوسط العُماني في زمانه، فقد كان مصلحا، ومُسدِّدا للأحوال عاقلاً نبيهاً فطناً؛ ينظرُ للأمور نظرةَ البصير المُدقق غير المتعجّل، ولا المُتسرع، وقد عَرَفَهُ الناس بتلك الصفاتِ فقَصَدوه فيما ينوبهم من أحداث الدَّهر، فكان الخبيرُ المتعمقُ الذي يعطي لكلِّ مشكلة حلّها في رزانة وهدوء، وكم من صعوباتٍ بَدَتْ كما لو أنها معيقة صعبة الإزاحةِ لا سبيل للتخلص منها، عالجها بطريقته السَّلسة النافذة، فذابت وتبددت، فالرجلُ بحكم ممارسته الطويلة لمتغيرات الحياة وتطوراتها قد اكتسب التجارب المؤثرة والرؤى الواقعية، وذلك من خلال موهبته الفذة وذكائه المُتَّقِد النابعِ من نفسيته اللمَّاحة المُدركة منذ بواكير حياته الأولى، وكان الموقدُ الأولُ لتلك الحواس الذاتية المرهفة والده العلّامة الكبير البارز المشهود له بصواب الرأي".
أولا: معرفتي المبكرة به، وأصداء حراك الزمن الأول من نهضة عُمان الحديثة
قُدِّر لي أن أعرف اسم الأديب الشيخ محمد بن سيف بن حمد الأغبري لأول مرة من مصدرين أثيرين على قلبي هما: مصدرٌ اجتماعي يعودُ إلى علاقة اجتماعية تربطهُ ببعض أقاربي بقريتي (الثابتي)، فقد كان اسمهُ مجرى ألسنتهم ومهوى أفئدتهم، وزاد من وهجِ تلك المعرفةِ تولِّيهِ منصبَ الولايةِ على ولاية إبراء في فترة فارقة من تاريخها، وهو منصبٌ اعتباريٌّ له قيمته آنذاك في تاريخ الوطن، وما جرى فيه من أحداثٍ جسامٍ وحوادث تحولية تتصلُ بالتجاذبات القبلية وصناعة المنجزات والتنمية وظهور دولة المؤسسات، وطوارئ العصر، ففي عهد ولايته – أو قريب منه - شهدت ولاية إبراء- منجزات الدولة الحديثة كافتتاح المستشفى بحلول شهر مارس من عام 1974، وإنشاء نادي إبراء، وافتتاح مدرسة المتنبي 1973م، وتأسيس بلدية إبراء، وشقَّ الطرق الرابطة بين قراها، وبينها وبين سائر الولايات، وإنشاء الدوائر والمؤسسات الخدمية كدائرة الزراعة، ومكتب البريد وتنمية المجتمعات وغيرها، وقد نَعِمَ المواطن بذلك، وفتح عقله وذهنه على مستجدات العصر بعد عهدٍ من الظلام والتخلف.
هو بالنسبة لي واحدٌ من رجالاتِ المرحلة الاجتماعية التحولية المهمين، ولا أجانب الصَواب إن قلتَ: إنه أحدُ الرِّجالِ الأفذاذ المعروفين بالمواقف الاجتماعية المميزة، ويكفي ما قدّمه فيما يراه سبيلا للتفاني للوطن والقيام بالواجب الرسمي في مرحلة فاصلة من الاضطرابات السياسية والعسكرية، فكلنا نعرفُ بل عشنا تلك الليلة السوداء المشؤومة التي هزَّته فيها أريحيته ودعاه واجبه الوظيفي إلى القيام بما أوكل إليه من مهام إدارية؛ إذ امتطى فيها مِحْمَلهُ (سيارته اللاند روفر) حين وصله نبأ تسللِّ ما كان يُعْرف آنذاك اصطلاحاً " بالمطلوبين" الذين كانت السلطات تطاردهم وتطلبهم وتتبعُ أثرهم، فاستجاب لنداء الوظيفة الحكومي، فخانه وعيه وإدراكه وتقديره لأمور المسافات الفارقة في التفكير والرؤية، فكانت الداهية الدَّهياء أن تكبدَ حادثاً مرويًّا كُسِرت فيها ساقه، وأودى بحياة بعض رفاقه (عسكر الوالي وكاتبه)... إنهما مكابدة ما بعدها، وموقفٌ عصيبٌ ما بعده، ولكن أقدار الله فوق كلِّ شيء.
في الجانب الاجتماعي سَطَعَ اسم الشيخ الأغبري باعتباره اسماً قبليًّا ورجل مجتمع وقيادة وإدارة، وفي الجانب الأدبي باعتباره ناظما يملك أداة الكتابة الشعرية / النظمية، أو قل نظم القوافي وسبكها والتعامل معها كأداة خطاب وتواصل لا غير، وكان له قصائد شكَلتْ ديواناً متكاملا طُبع مرتين بجهود أبنائه: الأولى عام 1991م، والثانية 1994، وجلَّ قصائده فيه نظمية توثيقية تقعُ في دائرة أغراض العلاقات الإنسانية والمواقف الفكرية ولا تخرج كثيراً عن الوصف والمديح والتوثيق.
ثانياً: حضوره الاجتماعي شعراً بخطاب حياة ومنظومات تواصل وتوثيق
يبرزُ حضورُ الشيخ الأغبري اجتماعيًّا في موقفين شعريين مهمين أولاهما: في الرد على قصيدة الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشي الوداعية وما فيها من سُخْطٍ وتَبَرمٍ وما أثارته من ردة فعلٍ في المجتمع، وتعود ملابسات هذا الموقف إلى وقت تولي الشيخ محمد بن سيف على ولاية إبراء في مرحلة مفصلية من تاريخها أعني مرحلة السبعينيات من القرن العشرين، فأكملَ ما بناه سابقوه ولاسيّما القاضي الحازم القاضي خالد بن مهنا بن خنجر البطاشي الذي يُعَدُّ واحدا من أهم قضاة الولاية في زمانه، وقد مكث فيها زهاء أربعة عشر عاما، تخللها الحضور (الكارزمي) والحزم والعدل وسرعة الفصل، وأكثر من هذا القرب من المجتمع، والصداقة المميزة بشيوخ وأعيان الولاية ولاسَّيما الشيخ هاشل بن راشد المسكري، ومن المعروف أن الشيخ خالدا لمَّا خرج من الولاية خرج وفي نفسه شيء منها ومن بعض أهلها ـ وقد كتب قصيدته الشهيرة:
.
ترحَّل فكم نال العُلا من ترحّلا
وكابدْ صروف الدهر إن مرّ أو حلا
ترحلتُ عنها إنني غير آسفٍ
عليها وقلتُ الحمد للعيس والفلا
وما أَسَفي والجار يَغْلي صدورَه
حزازاتُ بدرٍ في حشاه تحمَّلا
.
.
فما كان الشيخ محمد بن سيف الأغبري إلا أن انبرى في الردِّ عليه مُهَدئاً روعه ومضفياً عليه النصائح والعتاب الخفيف الذي يشيُ بصفات الأخوة الصادقة، فأخذ يسرد عليه المواقف التاريخية، ويذكّره بالمواعظ الدينية والحكم البليغة عبر قصيدة راجت في المجتمع، وقد حملت قافية نغمية مطلقة، وبحر طويل مرسل على نحو ما كانت قصيدته:
.
تحمَّلْ فكم نال العُلا من تَحَمَّلا
وكابدْ صُروفَ الدَّهر إن مُرَّ أو حَلا
ولا تُبدِ ما في النفسِ للغيرِ إن جَفا
ولا حالة تستنكرنَّ من الملا
وخالقْ بني الدُنيا بما أنتَ قادرٌ
عليه ولا تبخلْ بما الله أجْزَلا
وأُوْلِ جميعَ الناسِ ما أنتَ أهلهُ
وكنْ دائماً مستبشراً مُتهلّلا
ولا تَسْأمنْ من رحلةٍ وتنقلٍ
عسى أن تحبَّ أو عسى جاءَ منزلا
وما خطوةٌ مكتوبةٌ في كتابهِ
لعَبدٍ يَجدِ عنها مَحيصاً ومَوئلا
.
.
أمَّا الموقف الثاني، فيتمثل سماعاً في مثول قصيدته النظمية المُلقاة في طابور الصباح بمدرسة المتنبي الابتدائية في لفتةٍ تربويةٍ زادتها ألقاً قصيدته التي كتبها بمناسبة تأسيس نادي إبراء الرياضي وافتتاحه الرسمي، وفيه يقول الشيخ الأغبري:
.
نادي الرياضة بل نادي الشبابِ معا
أتى يبشرُنا أن صرحَهُ ارتفعا
نادٍ تكَّونَ في إبراء وساحتِها
فحلَّ أعلى مَحَلٍ بينهم وقَعا
نادٍ تَمَخَضَّ عن صدق الولاء به
حبل الأخوة موصولاً ومُتَّسعا
به الولايةُ تاهتْ والشبابُ بَدَا
ينثالُ كالمطرِ المُنْهلّ إذ هَمَعا
أنسَاهُمُ ما مَضَى من عَهْدِ سالفِهم ْ
وكانَ سالفُهمْ أدرى بما صَنَعا
.
.
ثالثاً: شيءٌ من سيرته ومرجعيات حياته وإخوته الشعراء
.
.
تحيلُ حياة الشيخ محمد بن سيف الأغبري التي قرأتها في مصادر الشعر العُماني- إلى تاريخ ميلاده المحدد زماناً ومكاناً بعام 1340 / 1921 بلدة " الحصن " بولاية دماء والطائيين. عاش ملازما لوالده الشيخ الفقيه القاضي سيف بن حمد بن شيخان الأغبري. وعمل واليا منذ عام 1380 /1961وحتى عام 1975 وتنقل بين أزكي والكامل والوافي وجعلان بني بوحسن، ودماء والطائيين وإبراء إلى أن أحيل إلى التقاعد في منتصف عام 1975. عاش في إبراء إلى أن توفيَ بها. وقد شرفت في لقائه وزيارة مكتبته عام 1995م.
أمّا مرجعياتُ حياته فهي أسرية يتسلسل في جنباتها العلم والفقه والقيادة، فكان من أسرته الكريمة العلماء والفقهاء الكرام والأدباء الذين تركوا لهم بصماتُ لا تُنسى، ومواقف لا تُمحى ، وذكرياتُ لا تطالها عربات الزمان بالتناسي والفقدان، فقد تركوا إرثا ثقافيًّا وأدبيًّا ووثائق شاهدة لهم بالحضور والتجلي والإخلاص والمشاركة والتفاعل، ومن بين هؤلاء الرِّجال الكرام الأفاضل والده قاضي القضاة الشيخ الفقيه سيف بن حمد الأغبري (1892 – 1961) الذي نالَ حظوةً من أئمة عُمان وسلاطينها، وكان أحدُ القضاة المُشار إليهم بالبنان كونه رئيس محكمة مسقط القديمة، وقد وجدت له وثائق ومراسلات تشير إلى مواقفه في كثير من القضايا المفصلية التي تدخل في تاريخ الوطن سياسيا وثقافيا واجتماعيا.
كما يحضر من تلك الأسرة الكريمة أيضا- أخواه الشاعران الفقيهان الشيخ سالم بن سيف الأغبري (1912- 1977) الذي وجدتُ له قصائد كثيرة مخطوطة ومنشورة ومؤلفات وأسئلة وأجوبة فقهية، ومن أطرفِ ما وقع بيدي منها قصيدة يمكن تسميتها "مغيبة دما" على منوال "مغيبة نزوى" ولعلها تدخل في إطار الشعر الأسطوري الذي لآكلته الأسن العمانية دهرا وقد تناولها أستاذنا الشيخ أحمد الفلاحي بالعرض والتفصيل في مقال نشره في صحيفة عُمان بتاريخ 31 يناير 2002 م.
وأيضا أخوه الشيخ يعقوب بن سيف الأغبري (1929 – 2003) صاحب الدواوين النظمية الكثيرة التي تفوق أبياتها في مجموعها الكلي الألف بيت بل أكثر وقد أشار إليها الناقد العربي المعروف طه وادي إشارة توثيقية وردت في بحثه "تحولات الأزمنة وتعارضات الحداثة في شعر الخليج المُعاصر المنشور في مجلة عالم الفكر، م18، ع 3، الكويت، أكتوبر 1987، ص 148.
عهدت الشيخ محمد بن سيف الأغيري في صغري زائرا لمحيطنا الاجتماعي بل لقريتنا (الثابتي) تلبية لأواصل قُربى ربطته ببعض أهلها، فكان حضوره في "سبلتها" القديمة حضورا نوعيًّا مليئا بالأنس والسعادة، ومثله حضوره لمدرستنا مدرسة المتنبي الابتدائية باعتباره أبا راعيا ومربيًّا ومشرفا على مجلس آبائها، فكانت المدرسة تستنفر كلَّ طاقاتها وهي تستقبله بحبِّ وسرور، فهو العينُ الناظرةُ لكلِّ شيء، ويكفيه فخراً أنه لبَّى نداء الواجب وعَمِلَ بإتقانٍ في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ وطننا، وحق علينا اليوم أن نحتفي به، وأن نقرأ أدبه وفكره، ونسترشد بسيرته، ونُعْنَى بجمع تراثه أسوة بنظائره رجالات عُمان ومثقفيها، فقد عاشوا عصر المتاعب ومارسوا جذوتهم في زمان عزّت فيه الوسائل الحديثة، فصبروا وعملوا فأنتجوا، وبقي إنتاجهم شاهدا عليهم.
رابعا - وثائقه ومراسلاته "ذاكرة مرحلة من تاريخ عُمان الإداري"
.
.
لا تخرجَ وثائقُ الشيخ محمد بن سيف الأغبري عن كونها رسائل وصكوكاً وصوراً، وهي تُسجِّل فترة زمنية كان فيها رجلا فاعلا في وظيفته الإدارية كوالٍ، وقد وردت إليه من أصحاب القرار السياسي وبعض القضاة والولاة وشيوخ القبائل والرُّشداء، ومن أهله وأفراد أسرته وجماعته، ومن أبرز ما وقعنا عليه ما جمعه ابنه الشيخ عبدالله، وما مدّنا به ابنه الأستاذ بدر، مع التأكيد أن كثيرا منها ضائعٌ مفقود لظروف تنقل الشيخ بين الولايات بحكم عمله، ولعدم الاهتمام المبكر بجمع وثائقه وتحصيلها، وما حصلنا منها نقدِّمه على النحو الآتي:
1-رسائل إدارية وظيفية ذات صبغةٍ رسميةٍ وتؤول إلى فترة الستينيات، وأبرزها رسالة السلطان سعيد بن تيمور مرسلة إليه من ظفار بتاريخ الرابع عشر من ربيع الأول 1381هـ تفيد تعيينه "قائماً بمركز بركة الموز " وفيها إشارة إلى أن سيكون مرجعه الإداري في هذه الوظيفة الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي والي إزكي آنذاك، وتأكيدا لهذه الأوامر السلطانية كتب إليه السيد أحمد بن إبراهيم ناظر الشؤون الداخلية رسالة بتاريخ 21 شعبان 1381هـ ورقمها 1226/18/ 11 تفيد بتاريخ بداية عمله المحددة بطالع فبراير 1961، براتب شهري قدره مائة ريال له، وستين لعقيد عسكره، وعشرين ريالا لعدد ثلاثة من عساكره.
ومن رسائله الموقَّعة بتوقيع ناظر الشؤون الداخلية رسالة بتاريخ 28 ذي الحجة 1381 ورقهما 2444/27 وتفيد بتعيينه والياً على الكامل والوافي في فترة عصيبة من تاريخها الإداري والقبلي.
ومن الرسائل أيضاً رسائل من السيد أحمد بن إبراهيم ناظر الشؤون الداخلية مؤرخة حررت بتواريخ متعددة من بينها رسالة بتاريخ 18 صفر 1387 هـ، وأخرى بتاريخ 19 ذي الحجة 1381 هـ، وثالثة رسالة بتاريخ 9 ربيع الأول1382هـ، ورسالة رابعة بتاريخ 28 ذي الحجة 1381هـ، وكلها رسائل إدارية تختصُّ بوظيفته الرسمية، وفيها تعليمات وتوجيهات تنساقُ وفق طبيعة العمل.
ومنها رسالة موقعة بتوقيع سعادة وكيل وزارة الداخلية بتاريخ 26 / 7 / 1975 حول تسليم مركز إبراء لخلفه الشيخ محمد بن ناصر النَّدابي الذي تمَّ تعيينه والياً خلفا له، ويبدو في هذا القرار ما يفيدُ بإحالته للتقاعد إثر الظروف الصحية التي ألمَّت به بعد الحادث المروري الذي وقع فيه وكسرتْ يده اليُمنى فيه.
2- رسائل إخوانية وهي نوعان: الأولى ذات صبغة اجتماعية بحتة وتمثلها رسالة تاريخية تلقاها من أبيه القاضي سيف بن حمد بتاريخ الثالث من ذي الحجة 1365هـ وفيها إشارة إلى مقابلته للسلطان سعيد بن تيمور وما لقيه من الإنعام والإجلال. ونعتقد أن هذه الرسالة من أوائل رسائله وأقدمها.
كما يمثلها رسائل اجتماعية من جماعته شأن الرسالة التي بعثها له منصور بن صالح بن سيف الشهيمي بتاريخ 12 محرم 1390هـ، وسيف بن محسن بن هلال المعمري بتاريخ 6 /8/ 1389هـ ومن خالد بن محمد بن سعيد الحبسي بتاريخ 23 الحجة 1393هـ، ورسالة مشتركة من خلفان وسالم ابني محمد بن سالم (الأغابرة) بتاريخ 25 رجب 1293هـ. ولا يوجد في هذه الرسائل سوى أخبار وسرد تفاصيل مجتمعية.
ويندرجُ في طابع رسائله الاجتماعية التواصلية مع شيوخ عمان ووجهائها في عصر، فقد وجدنا له رسالة بتاريخ 17 الحج 1371 هـ مع الشيخ علي بن زاهر الهنائي، وأخرى مع الشيخ أحمد بن محمد الحارثي بتاريخ 10 ذي الحجة 1401هـ، ومع الشيخ سعود بن عامر المالكي بتاريخ 25 رمضان 1380 هـ، ومع الشيخ مداد بن سعيد الهنائي بتاريخ 29 صفر 1403هـ، وكلّها تؤطر معاني العلاقات الإنسانية والتواصل الاجتماعي وتبرز فيها التهاني والتعازي والعلاقات الاجتماعية.
ورسائل ذات صبغة أدبية وتمثلها رسالة مرسلة من البحرين (المالكية) بتاريخ الثاني من جمادى الآخرة من عام 1393 من عبد الله بن سعيد بن عبيد الشلِّي، وقد حررها له الشاعر خلفان بن صبح الأبروي وضمَّنها أبيات نظمية طالعها:
ألا قمْ بنا نقضي الذي كانَ قَدْ وَجَبْ
لنهدي تحياتٍ إلى عالي الرُّتَبْ
إلى السَّيدِ المّحْمُودِ كنزُ ذخيرتي
فتى سَيف من للعزِّ زاحمَ بالرُّكَبْ
.
.
ومن الرسائل الأدبية رسالة نظنها من الشيخ الشيبة محمد بن عبدالله السَّالمي وفيها إهداء بعض المخطوطات والكتب شأن كتاب اللباب، وجامع ابن بركة، وشامل الأصول والفروع وأرجوزة النعمة تشجيعاً له على القراءة والتثقيف. ورسالة من الأديب الشاعر سالم بن سليمان البهلاني مؤرخة بتاريخ 12 ثالث الأشقاء 1382هـ، وقد كتبها بأسلوب أدبي وخط معجب.
3- رسائل فتوى، وطبيعتها فقهية دينية وهي صادرة من قضاة المحاكم الشرعية وهي كثيرة حصلنا من على نموذج واحد يظهر فيه رأي القاضي سليمان بن راشد الجهضمي قاضي محكمة إبراء بتاريخ 8 ذي القعدة 1393 هـ حول تحويل طريق عامة جارية وتوسيعها، وفي هذا الرسالة اعتماد من الشيخ خالد بن مهنا البطاشي، وقد ذيل رأيه بعبارة قضائية مفادها" والطريق إذا تحوَّلت إلى مكان آخر أقرب، فهي أوسع وأسهل وهي عندي الصلاح ".
4- صكوك بيع وشراء، وهي كثيرة تسجّلُ حراكَ حياته، وما كان يعتملها من معاملات اقتصادية تتصلُ بالأملاك، وما كان يبيعه ويشتريه من مزارع وبيوت، وهنا نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر صك بيع لأموال في بلدة " الحاجر " من سقي فلج " المزرع" مؤرخة بتاريخ 2 من ذي القعدة 1375هـ.
5- صور فوتوغرافية جمعها ابنه الشيخ عبدالله من خزانته ومن مصادر مجتمعه، وبها ملفات الصحافة الصادرة والخاصة بمستشفى إبراء بتاريخ 2 نوفمبر 1974م، ويظهر فيها بجانب الشيخ الوليد بن زاهر، ونضيف إليها صورة أرشيفية وجدناه له في مدرسة المتنبي الابتدائية، ويظهر فيها الشيخ محمد بن ناصر النَّدابي والأستاذ عبدالعال المدرس بمدرسة المتنبي الابتدائية وهي بحوزتنا.
خامسا - شعره ومنظومات ديوانه:
أمَّا شعره فأغلبه – كما أرى - نظم وخطاب حياة وتوثيق مناسبات، وفيه امتلاك نسبيٌّ لأدوات الكتابة الشعرية مع كثرة الضرورات والهنات في الأبحر والقوافي وهنات أخرى في اللغة، ولكنها بسيطة، وينتمي أغلب ما كتب للمدرسة الكلاسيكية في الشعر وفيه تأثيرات رومانسية تطلّ على القارئ في مقدمات القصائد ومطالعها، وتنتهي بعدها مباشرة، ويمكن قراءة ما وجدناه في ديوانه المطبوع طبعتين هما:
الأولى- عقد الفرائد في مختارات القصائد، ط1، دار جريدة عمان للصحافة والنشر، سلطنة عمان 1991ويحتوي على عدد 25 قصيدة ويتكون من 46 صفحة، وطبع على نفقة نادي إبراء الرياضي.
الثانية - عقد الفرائد في مختارات القصائد، ط المطابع العالمية، سلطنة عمان 1994، ويحتوي على 28 قصيدة، ويتكون من 61 صفحة.
وتتموضعُ مركزية شعر الشيخ الأغبري في مقدمات قصائده وما عداها، فهو نظم لا علاقة له بالشعر البليغ، وكثير منه نسجٌ منظوم لا صورا فيه ولا أخيلة، وتغلب على عناوين مباشرة لمناسبات اجتماعية وردود إخوانية ومرثية واحدة ومخمّسات غزلية، فلا تجد فيها روح الشعر المحلقة، ومن أجمل مع وقفت عليه في ديوانه قصيدته "شد الرحال" تشي بحسّ إنساني حزين على الشيخ صالح بن عيسى الحارثي، وهي تفيض أسىً ولوعةً وتذكراً لدوره السياسي، وتاريخه في خدمة قضيته وفيها يقول:
لقد جنحتْ بكَ العلياءُ حتَّى
رحلتَ بهمةٍ وعظيمِ شَانِ
رحلتَ مودعاً وطناً عزيزاً
وكفكَ يحملُ العصب اليَماني
رَحَلتَ تمدُّ باعكَ للمعالي
وللشَّرفِ المنيعِ عن الهَوانِ
.
.
سادساً - مقامته اليتيمة:
.
.
ومن أبرز ما ترك نص مقامةٍ يتيمٍ جارى فيها كتاب عصره، وهو محاولة أولية في الكتابة النثرية، رغم كونها لا تنضوي على عناصر المقامة، فهي وصف محكي لنادرة قصصية ذات صلة اجتماعية وما كان يراه في حياته المجتمعية، ويمكن تقديم نصّها في ضوء الكتابة العُمانية المبكرة في هذا الجنس الأدبي الفريد وهي: "المقامة الفكاهية في وصف الناقة البَليّة"، وقد أورد نصّها في خاتمة ديوانه.
سابعا: مصادر الكتابة عنه: صحفٌ وجرائد ومصنفات أدبية:
الشيخ محمد ككلِّ الشعراء العُمانيين الذين ترجمت لهم المدونات، وذكرت أسماءهم فاسمه يرد بوضوح وتجلٍ، فبجانب ترجمته المختصرة التي خطها ابنه في فاتحة ديوانه، ترد ترجمته في سياقات التراجم التي كتبت عن أبيه من مثل: سيرة الشيخ سيف بن حمد الأغبري، للدكتور يوسف بن سيف الأغبري 120. كما ذكره السيد حمد بن سيف البوسعيدي في كتابه: قلائد الجمان، ص378 وترجم له معجم البابطين.
أمّا مصادر قصائده فحواها ديوانه وبعضها نشرها في مجلات " الغدير " والعقيدة و " النهضة ولكنها غير كثيرة من مثل قصيدته التي نشرها في الغدير، العدد العاشر بتاريخ 1 / 10 / 1978، ص 5 وطالعها:
لشيخ العلم درَّاك المَعَاني
وخلـّي في القديم من الزَّمانِ
.
.
وتوجد قصيدة قرَّض بها ديوان "النظم المُسلّي"، ص 16 وطالعها:
(عجبتُ لما رامه سالم
وإخوانه الأصفياء النجب)
.
.
ثامناً - وفاته والقصائد التأبينية التي قيلت فيه:
توفي الشيخ الأغبري في سفالة إبراء، في التاسع من جمادى الأولى 1418 الموافق لـ 11 / 9 / 1997، وقد رثاه الشيخ غالب بن ناصر النعماني بقصيدة بلغت أبياتها خمسة وعشرين بيتا طالعها:
قلمُ الرثا متوجّعا يشدي النَغمْ
من حرّ نارِ مُصَاب رزءٍ مُدْلَهمْ
.
.
وكتب عنه الصَّحافي حمود بن سالم المنجي تأبيناً بعنوان: الأديب محمد بن سيف الأغبري في ذمة الله نشره في صحيفة الوطن، ع 5186، 15 / 9 / 1997.
هذا هو الشيخ محمد بن سيف الأغبري أديباً ناظماً، وشيخا معتبراً ووالياً حكيماً، ومشاركاً فاعلاً في أحداث المجتمع، وقصارى جهده أنه رجلُ إدارة وولاية وشيخٌ قبليٌّ وأيضاً وجيهٌ صاحبُ خبرةٍ ودرايةٍ وتجربة ومواقف، وقد اتسم بالنبل والشهامة والإقدام في صفاته الشخصية، وقدّم ما استطاع تقديمه، وكان النظم أداته التواصلية والأدب خطابه في الأفراح والأتراح والمناسبات الوطنية أسوة ببعض نظائره شعراء المجتمع العُماني حينما كان شعرهم يحظى بقيمة توثيقية لم تزاحمها وسائل البث الثقافي المعاصرة.
- ديوانُهُ أغلبهُ نظمٌ وقيمته في توثيق المناسبات والمنجزات والعلاقات الإنسانية بين الأفراد والجماعات.
- تمتلئُ مدونته الوثائقية بمراسلات رسمية وخطابات عَمَلٍ مفيدة للتاريخ الإداري والاجتماعي العُماني.
عادة ما تكونُ المناسباتُ الاحتفائيةُ فتحاً لذاكرة الشخصيات المُحْتَفَى بها، وكشفاً لكنوزها وتراثها، وما بقيَ من أثارها وأخبارها، وما تركتهُ من أدبياتٍ مخطوطةٍ - يزيدُ ذلك ألقا ويغذّيه مشاركةُ أكثر من باحثٍ فيها فتزدادُ الرؤى توهجا وتألقا؛ فكلٌّ يدلو بدلوه ويأتي بمكتشفه وجديده.. هذا ما جرى في الاحتفائية الثقافية التي شرفتُ بالمشاركة فيها بها بدعوةٍ كريمةٍ من لدن الشيخ عبدالله بن محمد الأغبري والمركز الثقافي بولاية إبراء بتاريخ الأحد 31 مارس 2019م ...، فقد كانت المعلوماتُ لديَّ في البداية شحيحةً عن هذا المُحتفى به رغم صيته ومكانته الاجتماعية، وعندما ابتدأت الندوة انهلّت عليَّ المعلومات وكَثُرَت المداولات من كلٍّ ورقة من أوراق المشاركين والشعراء الذين أتحفوا الحاضرين بأبحاثهم وقصائدهم وخاصة قصيدة الشيخ غالب بن ناصر النعماني التأبينية للمُحْتَفى به إبان وفاته.
ذكَّرني حَشدُ ندوته بذلك الحشد الاجتماعيّ الثقافيّ وما كان يحفلُ به المجتمع ويقيمه للشيخ الأغبري في إبراء عندما كان واليا عليها في سنواته الأولى للنهضة العُمانية، فالصورة النمطية واحدة للوالي في السبعينيات وما قبلها ما زالت باقية في ذهني، وقد زادَ من وهجها الرعاية الرسمية الشرفية لرئيس مجلس القضاء الأعلى آنذاك، وحضورُ عدد من شيوخ القبائل ووجهائها، وثلة كبيرة ممن عَرَفوا الشيخ الأغبري وعاشوا عصره، وزاد من وهج تلك أيضا الاحتفائية الثقافية المشاركة النوعية للباحثين والمتحدثين والشعراء الذين استنطقوا الشخصية من كافة جوانبها وأفاضوا في وصفه والثناء عليه، ونجمت عن ذلك محصلة لا بأس بها من ورقات العمل ذات العلاقة بحقول المعرفة الأدبية والتاريخية والتربوية.
هذه التوطئةُ تقودني حتما إلى الدوافع التي جعلتني أعيدُ صياغة ما قلته، وأن أَفِي الموضوعَ الذي وعدتُ به، وأعطيه حقَ قدره من الظهور والكتابة مستبشراً بالحصيلة الوثائقية التي حصلتُ عليها من أسرة المحتفى، وهي تضمُّ وثائق المجتمع ومراسلاته وصوره، ولا غرابة في ذلك، فالشيخ الأغبري مثله من سائر الشخصيات الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة رجلا من رجالات المرحلة الإدارية السبعينية، ومحصلة من محصلاتها بما أوتي من دورٍ رسميٍّ دعمته مكانته كشيخ اجتماعي ووالٍ في مناطق وولايات عُمانية عدّة، وهو كما يصفهُ أستاذنا الشيخ أحمد الفلاحي في مقاله المنشور عنه بصحيفة الوطن بتاريخ 17 مايو 2020 م: "من الرّجال الأفذاذ الحُكماءِ المتميزين بين أعلام الوسط العُماني في زمانه، فقد كان مصلحا، ومُسدِّدا للأحوال عاقلاً نبيهاً فطناً؛ ينظرُ للأمور نظرةَ البصير المُدقق غير المتعجّل، ولا المُتسرع، وقد عَرَفَهُ الناس بتلك الصفاتِ فقَصَدوه فيما ينوبهم من أحداث الدَّهر، فكان الخبيرُ المتعمقُ الذي يعطي لكلِّ مشكلة حلّها في رزانة وهدوء، وكم من صعوباتٍ بَدَتْ كما لو أنها معيقة صعبة الإزاحةِ لا سبيل للتخلص منها، عالجها بطريقته السَّلسة النافذة، فذابت وتبددت، فالرجلُ بحكم ممارسته الطويلة لمتغيرات الحياة وتطوراتها قد اكتسب التجارب المؤثرة والرؤى الواقعية، وذلك من خلال موهبته الفذة وذكائه المُتَّقِد النابعِ من نفسيته اللمَّاحة المُدركة منذ بواكير حياته الأولى، وكان الموقدُ الأولُ لتلك الحواس الذاتية المرهفة والده العلّامة الكبير البارز المشهود له بصواب الرأي".
أولا: معرفتي المبكرة به، وأصداء حراك الزمن الأول من نهضة عُمان الحديثة
قُدِّر لي أن أعرف اسم الأديب الشيخ محمد بن سيف بن حمد الأغبري لأول مرة من مصدرين أثيرين على قلبي هما: مصدرٌ اجتماعي يعودُ إلى علاقة اجتماعية تربطهُ ببعض أقاربي بقريتي (الثابتي)، فقد كان اسمهُ مجرى ألسنتهم ومهوى أفئدتهم، وزاد من وهجِ تلك المعرفةِ تولِّيهِ منصبَ الولايةِ على ولاية إبراء في فترة فارقة من تاريخها، وهو منصبٌ اعتباريٌّ له قيمته آنذاك في تاريخ الوطن، وما جرى فيه من أحداثٍ جسامٍ وحوادث تحولية تتصلُ بالتجاذبات القبلية وصناعة المنجزات والتنمية وظهور دولة المؤسسات، وطوارئ العصر، ففي عهد ولايته – أو قريب منه - شهدت ولاية إبراء- منجزات الدولة الحديثة كافتتاح المستشفى بحلول شهر مارس من عام 1974، وإنشاء نادي إبراء، وافتتاح مدرسة المتنبي 1973م، وتأسيس بلدية إبراء، وشقَّ الطرق الرابطة بين قراها، وبينها وبين سائر الولايات، وإنشاء الدوائر والمؤسسات الخدمية كدائرة الزراعة، ومكتب البريد وتنمية المجتمعات وغيرها، وقد نَعِمَ المواطن بذلك، وفتح عقله وذهنه على مستجدات العصر بعد عهدٍ من الظلام والتخلف.
هو بالنسبة لي واحدٌ من رجالاتِ المرحلة الاجتماعية التحولية المهمين، ولا أجانب الصَواب إن قلتَ: إنه أحدُ الرِّجالِ الأفذاذ المعروفين بالمواقف الاجتماعية المميزة، ويكفي ما قدّمه فيما يراه سبيلا للتفاني للوطن والقيام بالواجب الرسمي في مرحلة فاصلة من الاضطرابات السياسية والعسكرية، فكلنا نعرفُ بل عشنا تلك الليلة السوداء المشؤومة التي هزَّته فيها أريحيته ودعاه واجبه الوظيفي إلى القيام بما أوكل إليه من مهام إدارية؛ إذ امتطى فيها مِحْمَلهُ (سيارته اللاند روفر) حين وصله نبأ تسللِّ ما كان يُعْرف آنذاك اصطلاحاً " بالمطلوبين" الذين كانت السلطات تطاردهم وتطلبهم وتتبعُ أثرهم، فاستجاب لنداء الوظيفة الحكومي، فخانه وعيه وإدراكه وتقديره لأمور المسافات الفارقة في التفكير والرؤية، فكانت الداهية الدَّهياء أن تكبدَ حادثاً مرويًّا كُسِرت فيها ساقه، وأودى بحياة بعض رفاقه (عسكر الوالي وكاتبه)... إنهما مكابدة ما بعدها، وموقفٌ عصيبٌ ما بعده، ولكن أقدار الله فوق كلِّ شيء.
في الجانب الاجتماعي سَطَعَ اسم الشيخ الأغبري باعتباره اسماً قبليًّا ورجل مجتمع وقيادة وإدارة، وفي الجانب الأدبي باعتباره ناظما يملك أداة الكتابة الشعرية / النظمية، أو قل نظم القوافي وسبكها والتعامل معها كأداة خطاب وتواصل لا غير، وكان له قصائد شكَلتْ ديواناً متكاملا طُبع مرتين بجهود أبنائه: الأولى عام 1991م، والثانية 1994، وجلَّ قصائده فيه نظمية توثيقية تقعُ في دائرة أغراض العلاقات الإنسانية والمواقف الفكرية ولا تخرج كثيراً عن الوصف والمديح والتوثيق.
ثانياً: حضوره الاجتماعي شعراً بخطاب حياة ومنظومات تواصل وتوثيق
يبرزُ حضورُ الشيخ الأغبري اجتماعيًّا في موقفين شعريين مهمين أولاهما: في الرد على قصيدة الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشي الوداعية وما فيها من سُخْطٍ وتَبَرمٍ وما أثارته من ردة فعلٍ في المجتمع، وتعود ملابسات هذا الموقف إلى وقت تولي الشيخ محمد بن سيف على ولاية إبراء في مرحلة مفصلية من تاريخها أعني مرحلة السبعينيات من القرن العشرين، فأكملَ ما بناه سابقوه ولاسيّما القاضي الحازم القاضي خالد بن مهنا بن خنجر البطاشي الذي يُعَدُّ واحدا من أهم قضاة الولاية في زمانه، وقد مكث فيها زهاء أربعة عشر عاما، تخللها الحضور (الكارزمي) والحزم والعدل وسرعة الفصل، وأكثر من هذا القرب من المجتمع، والصداقة المميزة بشيوخ وأعيان الولاية ولاسَّيما الشيخ هاشل بن راشد المسكري، ومن المعروف أن الشيخ خالدا لمَّا خرج من الولاية خرج وفي نفسه شيء منها ومن بعض أهلها ـ وقد كتب قصيدته الشهيرة:
.
ترحَّل فكم نال العُلا من ترحّلا
وكابدْ صروف الدهر إن مرّ أو حلا
ترحلتُ عنها إنني غير آسفٍ
عليها وقلتُ الحمد للعيس والفلا
وما أَسَفي والجار يَغْلي صدورَه
حزازاتُ بدرٍ في حشاه تحمَّلا
.
.
فما كان الشيخ محمد بن سيف الأغبري إلا أن انبرى في الردِّ عليه مُهَدئاً روعه ومضفياً عليه النصائح والعتاب الخفيف الذي يشيُ بصفات الأخوة الصادقة، فأخذ يسرد عليه المواقف التاريخية، ويذكّره بالمواعظ الدينية والحكم البليغة عبر قصيدة راجت في المجتمع، وقد حملت قافية نغمية مطلقة، وبحر طويل مرسل على نحو ما كانت قصيدته:
.
تحمَّلْ فكم نال العُلا من تَحَمَّلا
وكابدْ صُروفَ الدَّهر إن مُرَّ أو حَلا
ولا تُبدِ ما في النفسِ للغيرِ إن جَفا
ولا حالة تستنكرنَّ من الملا
وخالقْ بني الدُنيا بما أنتَ قادرٌ
عليه ولا تبخلْ بما الله أجْزَلا
وأُوْلِ جميعَ الناسِ ما أنتَ أهلهُ
وكنْ دائماً مستبشراً مُتهلّلا
ولا تَسْأمنْ من رحلةٍ وتنقلٍ
عسى أن تحبَّ أو عسى جاءَ منزلا
وما خطوةٌ مكتوبةٌ في كتابهِ
لعَبدٍ يَجدِ عنها مَحيصاً ومَوئلا
.
.
أمَّا الموقف الثاني، فيتمثل سماعاً في مثول قصيدته النظمية المُلقاة في طابور الصباح بمدرسة المتنبي الابتدائية في لفتةٍ تربويةٍ زادتها ألقاً قصيدته التي كتبها بمناسبة تأسيس نادي إبراء الرياضي وافتتاحه الرسمي، وفيه يقول الشيخ الأغبري:
.
نادي الرياضة بل نادي الشبابِ معا
أتى يبشرُنا أن صرحَهُ ارتفعا
نادٍ تكَّونَ في إبراء وساحتِها
فحلَّ أعلى مَحَلٍ بينهم وقَعا
نادٍ تَمَخَضَّ عن صدق الولاء به
حبل الأخوة موصولاً ومُتَّسعا
به الولايةُ تاهتْ والشبابُ بَدَا
ينثالُ كالمطرِ المُنْهلّ إذ هَمَعا
أنسَاهُمُ ما مَضَى من عَهْدِ سالفِهم ْ
وكانَ سالفُهمْ أدرى بما صَنَعا
.
.
ثالثاً: شيءٌ من سيرته ومرجعيات حياته وإخوته الشعراء
.
.
تحيلُ حياة الشيخ محمد بن سيف الأغبري التي قرأتها في مصادر الشعر العُماني- إلى تاريخ ميلاده المحدد زماناً ومكاناً بعام 1340 / 1921 بلدة " الحصن " بولاية دماء والطائيين. عاش ملازما لوالده الشيخ الفقيه القاضي سيف بن حمد بن شيخان الأغبري. وعمل واليا منذ عام 1380 /1961وحتى عام 1975 وتنقل بين أزكي والكامل والوافي وجعلان بني بوحسن، ودماء والطائيين وإبراء إلى أن أحيل إلى التقاعد في منتصف عام 1975. عاش في إبراء إلى أن توفيَ بها. وقد شرفت في لقائه وزيارة مكتبته عام 1995م.
أمّا مرجعياتُ حياته فهي أسرية يتسلسل في جنباتها العلم والفقه والقيادة، فكان من أسرته الكريمة العلماء والفقهاء الكرام والأدباء الذين تركوا لهم بصماتُ لا تُنسى، ومواقف لا تُمحى ، وذكرياتُ لا تطالها عربات الزمان بالتناسي والفقدان، فقد تركوا إرثا ثقافيًّا وأدبيًّا ووثائق شاهدة لهم بالحضور والتجلي والإخلاص والمشاركة والتفاعل، ومن بين هؤلاء الرِّجال الكرام الأفاضل والده قاضي القضاة الشيخ الفقيه سيف بن حمد الأغبري (1892 – 1961) الذي نالَ حظوةً من أئمة عُمان وسلاطينها، وكان أحدُ القضاة المُشار إليهم بالبنان كونه رئيس محكمة مسقط القديمة، وقد وجدت له وثائق ومراسلات تشير إلى مواقفه في كثير من القضايا المفصلية التي تدخل في تاريخ الوطن سياسيا وثقافيا واجتماعيا.
كما يحضر من تلك الأسرة الكريمة أيضا- أخواه الشاعران الفقيهان الشيخ سالم بن سيف الأغبري (1912- 1977) الذي وجدتُ له قصائد كثيرة مخطوطة ومنشورة ومؤلفات وأسئلة وأجوبة فقهية، ومن أطرفِ ما وقع بيدي منها قصيدة يمكن تسميتها "مغيبة دما" على منوال "مغيبة نزوى" ولعلها تدخل في إطار الشعر الأسطوري الذي لآكلته الأسن العمانية دهرا وقد تناولها أستاذنا الشيخ أحمد الفلاحي بالعرض والتفصيل في مقال نشره في صحيفة عُمان بتاريخ 31 يناير 2002 م.
وأيضا أخوه الشيخ يعقوب بن سيف الأغبري (1929 – 2003) صاحب الدواوين النظمية الكثيرة التي تفوق أبياتها في مجموعها الكلي الألف بيت بل أكثر وقد أشار إليها الناقد العربي المعروف طه وادي إشارة توثيقية وردت في بحثه "تحولات الأزمنة وتعارضات الحداثة في شعر الخليج المُعاصر المنشور في مجلة عالم الفكر، م18، ع 3، الكويت، أكتوبر 1987، ص 148.
عهدت الشيخ محمد بن سيف الأغيري في صغري زائرا لمحيطنا الاجتماعي بل لقريتنا (الثابتي) تلبية لأواصل قُربى ربطته ببعض أهلها، فكان حضوره في "سبلتها" القديمة حضورا نوعيًّا مليئا بالأنس والسعادة، ومثله حضوره لمدرستنا مدرسة المتنبي الابتدائية باعتباره أبا راعيا ومربيًّا ومشرفا على مجلس آبائها، فكانت المدرسة تستنفر كلَّ طاقاتها وهي تستقبله بحبِّ وسرور، فهو العينُ الناظرةُ لكلِّ شيء، ويكفيه فخراً أنه لبَّى نداء الواجب وعَمِلَ بإتقانٍ في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ وطننا، وحق علينا اليوم أن نحتفي به، وأن نقرأ أدبه وفكره، ونسترشد بسيرته، ونُعْنَى بجمع تراثه أسوة بنظائره رجالات عُمان ومثقفيها، فقد عاشوا عصر المتاعب ومارسوا جذوتهم في زمان عزّت فيه الوسائل الحديثة، فصبروا وعملوا فأنتجوا، وبقي إنتاجهم شاهدا عليهم.
رابعا - وثائقه ومراسلاته "ذاكرة مرحلة من تاريخ عُمان الإداري"
.
.
لا تخرجَ وثائقُ الشيخ محمد بن سيف الأغبري عن كونها رسائل وصكوكاً وصوراً، وهي تُسجِّل فترة زمنية كان فيها رجلا فاعلا في وظيفته الإدارية كوالٍ، وقد وردت إليه من أصحاب القرار السياسي وبعض القضاة والولاة وشيوخ القبائل والرُّشداء، ومن أهله وأفراد أسرته وجماعته، ومن أبرز ما وقعنا عليه ما جمعه ابنه الشيخ عبدالله، وما مدّنا به ابنه الأستاذ بدر، مع التأكيد أن كثيرا منها ضائعٌ مفقود لظروف تنقل الشيخ بين الولايات بحكم عمله، ولعدم الاهتمام المبكر بجمع وثائقه وتحصيلها، وما حصلنا منها نقدِّمه على النحو الآتي:
1-رسائل إدارية وظيفية ذات صبغةٍ رسميةٍ وتؤول إلى فترة الستينيات، وأبرزها رسالة السلطان سعيد بن تيمور مرسلة إليه من ظفار بتاريخ الرابع عشر من ربيع الأول 1381هـ تفيد تعيينه "قائماً بمركز بركة الموز " وفيها إشارة إلى أن سيكون مرجعه الإداري في هذه الوظيفة الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي والي إزكي آنذاك، وتأكيدا لهذه الأوامر السلطانية كتب إليه السيد أحمد بن إبراهيم ناظر الشؤون الداخلية رسالة بتاريخ 21 شعبان 1381هـ ورقمها 1226/18/ 11 تفيد بتاريخ بداية عمله المحددة بطالع فبراير 1961، براتب شهري قدره مائة ريال له، وستين لعقيد عسكره، وعشرين ريالا لعدد ثلاثة من عساكره.
ومن رسائله الموقَّعة بتوقيع ناظر الشؤون الداخلية رسالة بتاريخ 28 ذي الحجة 1381 ورقهما 2444/27 وتفيد بتعيينه والياً على الكامل والوافي في فترة عصيبة من تاريخها الإداري والقبلي.
ومن الرسائل أيضاً رسائل من السيد أحمد بن إبراهيم ناظر الشؤون الداخلية مؤرخة حررت بتواريخ متعددة من بينها رسالة بتاريخ 18 صفر 1387 هـ، وأخرى بتاريخ 19 ذي الحجة 1381 هـ، وثالثة رسالة بتاريخ 9 ربيع الأول1382هـ، ورسالة رابعة بتاريخ 28 ذي الحجة 1381هـ، وكلها رسائل إدارية تختصُّ بوظيفته الرسمية، وفيها تعليمات وتوجيهات تنساقُ وفق طبيعة العمل.
ومنها رسالة موقعة بتوقيع سعادة وكيل وزارة الداخلية بتاريخ 26 / 7 / 1975 حول تسليم مركز إبراء لخلفه الشيخ محمد بن ناصر النَّدابي الذي تمَّ تعيينه والياً خلفا له، ويبدو في هذا القرار ما يفيدُ بإحالته للتقاعد إثر الظروف الصحية التي ألمَّت به بعد الحادث المروري الذي وقع فيه وكسرتْ يده اليُمنى فيه.
2- رسائل إخوانية وهي نوعان: الأولى ذات صبغة اجتماعية بحتة وتمثلها رسالة تاريخية تلقاها من أبيه القاضي سيف بن حمد بتاريخ الثالث من ذي الحجة 1365هـ وفيها إشارة إلى مقابلته للسلطان سعيد بن تيمور وما لقيه من الإنعام والإجلال. ونعتقد أن هذه الرسالة من أوائل رسائله وأقدمها.
كما يمثلها رسائل اجتماعية من جماعته شأن الرسالة التي بعثها له منصور بن صالح بن سيف الشهيمي بتاريخ 12 محرم 1390هـ، وسيف بن محسن بن هلال المعمري بتاريخ 6 /8/ 1389هـ ومن خالد بن محمد بن سعيد الحبسي بتاريخ 23 الحجة 1393هـ، ورسالة مشتركة من خلفان وسالم ابني محمد بن سالم (الأغابرة) بتاريخ 25 رجب 1293هـ. ولا يوجد في هذه الرسائل سوى أخبار وسرد تفاصيل مجتمعية.
ويندرجُ في طابع رسائله الاجتماعية التواصلية مع شيوخ عمان ووجهائها في عصر، فقد وجدنا له رسالة بتاريخ 17 الحج 1371 هـ مع الشيخ علي بن زاهر الهنائي، وأخرى مع الشيخ أحمد بن محمد الحارثي بتاريخ 10 ذي الحجة 1401هـ، ومع الشيخ سعود بن عامر المالكي بتاريخ 25 رمضان 1380 هـ، ومع الشيخ مداد بن سعيد الهنائي بتاريخ 29 صفر 1403هـ، وكلّها تؤطر معاني العلاقات الإنسانية والتواصل الاجتماعي وتبرز فيها التهاني والتعازي والعلاقات الاجتماعية.
ورسائل ذات صبغة أدبية وتمثلها رسالة مرسلة من البحرين (المالكية) بتاريخ الثاني من جمادى الآخرة من عام 1393 من عبد الله بن سعيد بن عبيد الشلِّي، وقد حررها له الشاعر خلفان بن صبح الأبروي وضمَّنها أبيات نظمية طالعها:
ألا قمْ بنا نقضي الذي كانَ قَدْ وَجَبْ
لنهدي تحياتٍ إلى عالي الرُّتَبْ
إلى السَّيدِ المّحْمُودِ كنزُ ذخيرتي
فتى سَيف من للعزِّ زاحمَ بالرُّكَبْ
.
.
ومن الرسائل الأدبية رسالة نظنها من الشيخ الشيبة محمد بن عبدالله السَّالمي وفيها إهداء بعض المخطوطات والكتب شأن كتاب اللباب، وجامع ابن بركة، وشامل الأصول والفروع وأرجوزة النعمة تشجيعاً له على القراءة والتثقيف. ورسالة من الأديب الشاعر سالم بن سليمان البهلاني مؤرخة بتاريخ 12 ثالث الأشقاء 1382هـ، وقد كتبها بأسلوب أدبي وخط معجب.
3- رسائل فتوى، وطبيعتها فقهية دينية وهي صادرة من قضاة المحاكم الشرعية وهي كثيرة حصلنا من على نموذج واحد يظهر فيه رأي القاضي سليمان بن راشد الجهضمي قاضي محكمة إبراء بتاريخ 8 ذي القعدة 1393 هـ حول تحويل طريق عامة جارية وتوسيعها، وفي هذا الرسالة اعتماد من الشيخ خالد بن مهنا البطاشي، وقد ذيل رأيه بعبارة قضائية مفادها" والطريق إذا تحوَّلت إلى مكان آخر أقرب، فهي أوسع وأسهل وهي عندي الصلاح ".
4- صكوك بيع وشراء، وهي كثيرة تسجّلُ حراكَ حياته، وما كان يعتملها من معاملات اقتصادية تتصلُ بالأملاك، وما كان يبيعه ويشتريه من مزارع وبيوت، وهنا نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر صك بيع لأموال في بلدة " الحاجر " من سقي فلج " المزرع" مؤرخة بتاريخ 2 من ذي القعدة 1375هـ.
5- صور فوتوغرافية جمعها ابنه الشيخ عبدالله من خزانته ومن مصادر مجتمعه، وبها ملفات الصحافة الصادرة والخاصة بمستشفى إبراء بتاريخ 2 نوفمبر 1974م، ويظهر فيها بجانب الشيخ الوليد بن زاهر، ونضيف إليها صورة أرشيفية وجدناه له في مدرسة المتنبي الابتدائية، ويظهر فيها الشيخ محمد بن ناصر النَّدابي والأستاذ عبدالعال المدرس بمدرسة المتنبي الابتدائية وهي بحوزتنا.
خامسا - شعره ومنظومات ديوانه:
أمَّا شعره فأغلبه – كما أرى - نظم وخطاب حياة وتوثيق مناسبات، وفيه امتلاك نسبيٌّ لأدوات الكتابة الشعرية مع كثرة الضرورات والهنات في الأبحر والقوافي وهنات أخرى في اللغة، ولكنها بسيطة، وينتمي أغلب ما كتب للمدرسة الكلاسيكية في الشعر وفيه تأثيرات رومانسية تطلّ على القارئ في مقدمات القصائد ومطالعها، وتنتهي بعدها مباشرة، ويمكن قراءة ما وجدناه في ديوانه المطبوع طبعتين هما:
الأولى- عقد الفرائد في مختارات القصائد، ط1، دار جريدة عمان للصحافة والنشر، سلطنة عمان 1991ويحتوي على عدد 25 قصيدة ويتكون من 46 صفحة، وطبع على نفقة نادي إبراء الرياضي.
الثانية - عقد الفرائد في مختارات القصائد، ط المطابع العالمية، سلطنة عمان 1994، ويحتوي على 28 قصيدة، ويتكون من 61 صفحة.
وتتموضعُ مركزية شعر الشيخ الأغبري في مقدمات قصائده وما عداها، فهو نظم لا علاقة له بالشعر البليغ، وكثير منه نسجٌ منظوم لا صورا فيه ولا أخيلة، وتغلب على عناوين مباشرة لمناسبات اجتماعية وردود إخوانية ومرثية واحدة ومخمّسات غزلية، فلا تجد فيها روح الشعر المحلقة، ومن أجمل مع وقفت عليه في ديوانه قصيدته "شد الرحال" تشي بحسّ إنساني حزين على الشيخ صالح بن عيسى الحارثي، وهي تفيض أسىً ولوعةً وتذكراً لدوره السياسي، وتاريخه في خدمة قضيته وفيها يقول:
لقد جنحتْ بكَ العلياءُ حتَّى
رحلتَ بهمةٍ وعظيمِ شَانِ
رحلتَ مودعاً وطناً عزيزاً
وكفكَ يحملُ العصب اليَماني
رَحَلتَ تمدُّ باعكَ للمعالي
وللشَّرفِ المنيعِ عن الهَوانِ
.
.
سادساً - مقامته اليتيمة:
.
.
ومن أبرز ما ترك نص مقامةٍ يتيمٍ جارى فيها كتاب عصره، وهو محاولة أولية في الكتابة النثرية، رغم كونها لا تنضوي على عناصر المقامة، فهي وصف محكي لنادرة قصصية ذات صلة اجتماعية وما كان يراه في حياته المجتمعية، ويمكن تقديم نصّها في ضوء الكتابة العُمانية المبكرة في هذا الجنس الأدبي الفريد وهي: "المقامة الفكاهية في وصف الناقة البَليّة"، وقد أورد نصّها في خاتمة ديوانه.
سابعا: مصادر الكتابة عنه: صحفٌ وجرائد ومصنفات أدبية:
الشيخ محمد ككلِّ الشعراء العُمانيين الذين ترجمت لهم المدونات، وذكرت أسماءهم فاسمه يرد بوضوح وتجلٍ، فبجانب ترجمته المختصرة التي خطها ابنه في فاتحة ديوانه، ترد ترجمته في سياقات التراجم التي كتبت عن أبيه من مثل: سيرة الشيخ سيف بن حمد الأغبري، للدكتور يوسف بن سيف الأغبري 120. كما ذكره السيد حمد بن سيف البوسعيدي في كتابه: قلائد الجمان، ص378 وترجم له معجم البابطين.
أمّا مصادر قصائده فحواها ديوانه وبعضها نشرها في مجلات " الغدير " والعقيدة و " النهضة ولكنها غير كثيرة من مثل قصيدته التي نشرها في الغدير، العدد العاشر بتاريخ 1 / 10 / 1978، ص 5 وطالعها:
لشيخ العلم درَّاك المَعَاني
وخلـّي في القديم من الزَّمانِ
.
.
وتوجد قصيدة قرَّض بها ديوان "النظم المُسلّي"، ص 16 وطالعها:
(عجبتُ لما رامه سالم
وإخوانه الأصفياء النجب)
.
.
ثامناً - وفاته والقصائد التأبينية التي قيلت فيه:
توفي الشيخ الأغبري في سفالة إبراء، في التاسع من جمادى الأولى 1418 الموافق لـ 11 / 9 / 1997، وقد رثاه الشيخ غالب بن ناصر النعماني بقصيدة بلغت أبياتها خمسة وعشرين بيتا طالعها:
قلمُ الرثا متوجّعا يشدي النَغمْ
من حرّ نارِ مُصَاب رزءٍ مُدْلَهمْ
.
.
وكتب عنه الصَّحافي حمود بن سالم المنجي تأبيناً بعنوان: الأديب محمد بن سيف الأغبري في ذمة الله نشره في صحيفة الوطن، ع 5186، 15 / 9 / 1997.
هذا هو الشيخ محمد بن سيف الأغبري أديباً ناظماً، وشيخا معتبراً ووالياً حكيماً، ومشاركاً فاعلاً في أحداث المجتمع، وقصارى جهده أنه رجلُ إدارة وولاية وشيخٌ قبليٌّ وأيضاً وجيهٌ صاحبُ خبرةٍ ودرايةٍ وتجربة ومواقف، وقد اتسم بالنبل والشهامة والإقدام في صفاته الشخصية، وقدّم ما استطاع تقديمه، وكان النظم أداته التواصلية والأدب خطابه في الأفراح والأتراح والمناسبات الوطنية أسوة ببعض نظائره شعراء المجتمع العُماني حينما كان شعرهم يحظى بقيمة توثيقية لم تزاحمها وسائل البث الثقافي المعاصرة.