«أقدم منشأة معمارية وقفت عليها تقع في مسجد العق بقرية إمطي بمدينة إزكي كان تدوينها في سنة خمسمائة هجرية»

نزوى - أحمد الكندي

تتعدد مآثر العمانيين عبر تاريخ السلطنة الموغل في القِدم فلا يمر يومٌ إلا وتظهر لنا شواهد على هذه المآثر تدل عليها الآثار العتيقة من مدن قديمة مطموسة لا يظهر منها على وجه الأرض إلا بقايا أطلال متناثرة، وأفلاج في غاية الإتقان والتصميم، وقلاع فخمة البنـاء والصنعة، ولعل من أبرز الآثار التي خطتها اليد العمانيـة، ولم يعبأ بها المؤرخون العمانيون تلك الكتابات التي تمتلئ بها جدران كثير من المساجد العمانية.

لذلك لم تمر فكرة التأمل في الكتابات على جدران وسقوف المساجد مرور الكرام على الكاتب والمؤرخ محمد بن عبدالله السيفي سيما وأنه شغوف بمثل هذه الآثار وحريصٌ على إظهارها للوجود، كيف لا وهو صاحب الكثير من المؤلفات التي رفدت المكتبة العمانية منذ فترة، لذلك خطرت له فكرة جمع ما قام به العمانيون في مجال النقوش والكتابات على جدران وأسقف المساجد فأصدر كتابه «الحلل السندسية في الكتابات المسجدية» الذي يُبرز فيه هذه النقوش والكنوز ومحاولة فك طلاسمها وتحليلها حيث شمل هذا الكتاب عشرين مسجدًا من مختلف محافظات السلطنة.

المساجد العمانية

السيفي يأخذنا في حديث عن الكتاب وفكرته ومحتوياته ولكنه يبدأ باستهلال يقول فيه: «إن فكرة التدوين على جدران المساجد العمانية فكرة قديمة تتشاطرها معظم الولايات والقرى العمانية، فلا تكاد تخلو ولاية وقرية عمانية من الكتابات على جدران مساجدها حتى أنه ليأخذك كل العجب من بعض المساجد العمانية، إذ تحولت جدرانها إلى صفحات مخطوطة من أعلاها إلى أسفلها، وتزداد الدهشـة حينما ترى الترميمـات المتلاحقـة على المسجد، وتجد خلـف كل ترميم من الترميمات كتابات في غاية الوضوح وروعة الخط».

وقال السيفي: «أقدم منشأة معمارية وقفت عليها تقع في مسجد العق بقرية إمطي بمدينة إزكي، وكان تدوينها في سنة خمسمائة هجرية، وتؤرخ لدخول النيروز، أما عن فكرة الكتاب فقد جاءت متواكبة مع فكرة كتابي الموسوم بـ(التاريخ المحفور على شواهد القبور) حيث تمتد فكرة الكتابين لما يقرب من خمس عشرة سنة، ونشأة هذه الفكرة حينما زرت مسجدي الشواذنة ومزارعة بمدينة نزوى، فلمح ناظري الكتابات الجدرانية الموجودة بهما وما تمثله من تاريخ عريق وتدوين لِحقب مما مرّت به السلطنة من أحداث حيث تبلورت هذه الفكرة، وبدأت رحلة البحث والتقصي، فجمعت ما يزيد عن خمسين مسجدًا في مختلف الولايات العمانية، ثم استبعدت ثلاثين مسجدًا، واستقر الكتاب إلى عشرين مسجدًا بولايات نزوى وبهلا ومنح وإزكي وعبري وينقل والرستاق ونخل ووادي المعاول».

توثيق تاريخي

أما عن طبيعة الكتابات الجدرانية في المساجد التي وقف عليها فيقول السيفي: «إنها تتنوع ما بين الآيات الكريمة، والأحاديث النبوية، والأدعية المختلفة، كما توثق الكتابات الجدرانية عددا من الحكم والنصائح، وتؤرخ لوفيات عدد من الحكام والسلاطين، كما يكثر بها تدوين وفيات الأشخاص ولا سيما تلك المتعلقة بأصحاب الملك والسلطان ومشايخ العلم وأصحاب المكانة بين قومهم، وتطالعنا بعـض هذه المدونات عن تواريخ دخـول النيروز والخصب والقحط، ومنها ما يُقيّد تواريخ الغزو والجوائح، إلى غير ذلك من الأحداث الرائعة».

وعن رأيه في توثيق جميع معالم المساجد القديمة بالسلطنة قال: «للأسف معظم كتابات المساجد تعرض للعبث كما تعرض بعضها للترميم، وهناك جملة كبيرة من المساجد أصبحت كتاباتهـا باهتة جدًا لا يمكن الاستفادة منها كما هو الحال في مسجد حجرة الصواوفة بسناو، ومسجد أبو صبارة بالكامل والوافي، علاوة على أن هناك أعدادا كبيرة من المساجد العمانية كانت في وقت من الأوقات مليئة بالمدونات الجدرانية، فأعيـد بنيانها، فذهبت تلك الكنوز الجدرانية كما هو الحال في جامع نزوى القديم، ومسجد الردة بسـمد من مدينة نزوى، فقد اعتنى بالكتابة فيه الشيخ محمد بن سليمان بن هلال الكندي، ولم يحفظ شيء من هذه الكتابات النادرة».

وفي الختام قال السيفي: «يعتبر كتابنا هذا سجلًا حافظًا لما تبقى من الكتابات الجدرانية وتوثيقًا مهمًّا للأجيال القادمة لما خطّته أيدي آبائهم وأجدادهم من كنوز ودرر ثمينة عبر القرون المنصرمة».