- الشيخ سليمان بن خلف الخروصي مؤرخ عام والشعر إحدى أدوات تبليغه.
- دفتر الشيخ سليمان الخروصي اتسم بالأناقة والضبط وجمال الخط، وروعة المنتقيات.
- تعدُّ نظرات الشيخ سليمان وأوصافه لتجارب شعرائه أحكامًا نقدية انطباعية، استخلصها من عمق قصائدهم وتجاربهم الشعرية.
رغم أن الشيخ سليمان بن خلف الخروصي ليس بناقدٍ أدبيٍّ متخصص، إلا أن نظراته للنصوص التي انتقاها في دفتره تنمُّ عن امتلاكه لجذوة نقدية وخبرة معرفية استقاها من ذوق ذاته الشاعرة، وغذّاها بثقافته الواسعة، وعمَّقها بقراءاته المستفيضة، ورسَّخها بموهبته الوافرة، ورسمها بشخصيته العصامية، يتجلَّى ذلك فيما خلَّفه من مقالاتٍ أدبية تؤرّخ للشعر والشعراء والأدب والأدباء وتصفُ تجاربهم، فمثلما صنع الشيخ عبدالله الخليلي في تراجمه، فعل الشيخ سليمان الخروصي الشيء نفسه والأكيد أنه فعلَه قريبٌ منه على الأقل زمنًا إن لم يكن منهجًا ورؤية واتساعًا، فقد وقعنا مؤخرًا على مذكرة مدَّنا بها أثناء لقائنا التاريخي به في منزله بالخوير في العشرين من رجب من عام 1414هـ الموافق 13 من ديسمبر 1995م، فقد كان ذلك اللقاء ثريًّا بالمعلومات، مفعمًا بالعلم والأدب وأكثر منهما بأخلاق العُلماء، غنيًّا بالقصص بالأخبار، عميقًا بالنظرات، استمتعت فيه بقراءته الشجية للشعر حين صدح به ورتله فما زادني إلا إعجابًا بروحه الشاعرة وقراءته النغمية النابعة من نفسه الزكية وذوقه الأدبي الرفيع.
لقد طوَّف بي الشيخ سليمان الخروصي المؤرخ في تلك الجلسة الاستثنائية رحاب التاريخ العُماني كلّه قديمه ووسيطه، حديثه ومعاصره بلغةٍ سلسةٍ، وسردٍ مثير، ونفس عالمة متدفقة لا يحدها حدود؛ يُعجبك فيه دفئه الإنساني وعلمه الغزير وتفنيده وتصانيفه، فكأن التاريخُ ينسابُ على لسانه انسيابًا، وكأنه يستقيه من عين رقراقة ماؤها، عذبٌ صافٍ معينها، لقد كان الشيخ سليمان فعلا كما وصفه الأستاذ حمود السيابي وأجاد وصفه قائلا: ص 17:" حين يرتدي خنجره وعصاه ويعتزم السيرَ في دروب التاريخ، فإنه لا يحتاج إلى بوصلة الملَّاح، ولا لخارطة الجوال، ولا لقناديل السَّاري بليل، فعند الصباح يحمدُ سليمان السُّرى.. وعُمان كلُّها رحلته الأثيرة وخارطتها محفورة في قلبه.. وعُمان كلها قصيدة طويلة ببحارها وعروضها ورويها معقودة في لسانه عنوانا ومطلعًا ومضمونًا وخاتمة يتلوها متى شاء، ويدندن بها متى شاء اختلى بنفسه، ويخطب متى أراد أن يجبر الآذان للاستماع، فأي قصيدة عنه أجمل من عمان، وأي معنى أروع مما تتضمنه؟ ".
الشيخ سليمان بن خلف الخروصي مؤرخ عام كان الشعر أداة تبليغه، وقد خصّه في كتابه "ملامح الشعر العُماني" بمبحث قرأ فيه سير الشعراءِ، وانتقى لهم مختارات، غير أن هذه المختار كان قد وضعها مسبقًا في دفتر صغير لتكون نواة لمحاضرات ثقافية ألقاها في مؤسسات ثقافية مختلفة، وربما قصد به نواة لكتاب قادم على سنن الكتاب والمؤلفين الذين يسبقون تآليفهم بمسودات يضعون عصارة تفكيرهم الأولى فيها عادة حيرة الباحث وقلقه الأول قبل الدفع بها في كتاب مطبوع، وأمَّا حال دفتره هذا فهو بلا عنوان ولا إطار ولا غلاف خصني بصورة منه جهزها لي قبل قدومي إليه وفيه تتجلى المواضيع الآتية:
أولا: منتقيات الشعر ومختاراته
وقد وقعنا عليها مخطوطا بخط الناسخ المعروف محمد بن حسن الرمضاني بتاريخ 3 جمادى الأولى 1408 هـ الموافق 22 يناير 1988 م وتتكون من تسع عشرة صفحة ابتدأها بتوطئة تتبع فيها الشعر العربي منذ العصر الجاهلي والعصور التي تلته حتى المعاصر إذ أبان فيها عن أهمية الشعر في حياة العرب كونه الحافظ لحياتهم، والمبرهن على ثقافتهم، والمؤكد على حضارتهم، وأن الشعراء كانوا منذ الأزل لسان حالهم " فهو الذَّاب عن القبيلة والمدافع عن أحسابها والمحامي عنها والناطق الرسمي باسمها " ثم يشير إلى المكانة نفسها التي احتلها الشعر في عُمان معربا عن كون الأدب العماني بحق لا يقل جودة أو تأثيرا عن أي أدب عربي آخر، وقد برز في عُمان على مرَّ العصور أدباء وشعراء طبقت شهرتهم الآفاق كالخليل الفراهيدي وكعب بن معدان الأشقري وابن دريد " (ص 1).
وفي منتقياته هذه يختار من عيون قصائد الشعراء؛ لتكون نموذجا يعكس قوة الشعر العماني في جميع مراحله، وله في ذلك أحكامٌ انطباعية في غاية الأهمية، نستعرضها على النحو الآتي:
1- الستالي، وقد اختار له ما يمثل خاصية الوجد الرومانسي لديه عبر ثلاث مقطوعات من عيون قصائده " هل أنجزت لك وعد الوصل أسماُ... " و " ألا كلُّ ليلٍ لم تنمه طويل.. " قصرن الخُطى وهززن الغصُونَا " وقد بلغت أبيات منقياته من القصيدة الأولى تسعة عشر بيتا " ومن الثانية ثلاثة وعشرين بيتاً، ومن الثالثة ثلاثة عشر بيتاً.
ثم التفت إلى شعره- بعد أن عرّفه وذكر اسمه ومكان ولادته وتاريخه -، وقال عنه ص2: " رقيقُ الألفاظ، دقيقُ المعاني، في شعره رقة وجمال، وفيه خيال لطيف، وصورٌ براقة ملونة، وقد عني ببراعة الاستهلال، وحسن التخلص ".
2 – سليمان النبهاني، واختار له مقطوعتين من شعره هما " أللدارُ من أكنافِ قعوٍّ فعرعرِ، و " ما بال راية أضحى حبلها انصرما " وقدّم له بالمقدمة التالية: " شاعر فحل، من بين إمارة وشرف، جزل الشعر، فصيح الألفاظ، بديع المعاني، مطبوع اللهجة، غريب الإبداع، أكثر شعره في الفخر والحماسة، فهو يذكر دائماً خوضه لمعامع القتال، وبلاءه في مواقف الأهوال، ويكثر من " أنا " و " ونحن ".
2- أبو مسلم البهلاني، وقد انتقى له أبيات من قصيدته" أفيقوا بني القرآن " بلغت 46 بيتا، وعشرين بيتا في الحث على طلب العلم من قصيدته " لن ترضي الله حتى تخلص الورعا... " قال عنه ص 8: " من أبرز شعراء عُمان، بل من فحول الشعراء ذوي الصيت الذائع والشهرة الواسعة، غزير العلم، واسع الأدب، علّامة غيور، مناضل عن الإسلام والمسلمين، وشعره كله لُباب الفصاحة العربية، وقمة البلاغة الرائعة، أغلب شعره في السلوك والقوميات والوطنيات والاستنهاض والجهاد والذود عن الوطن والحرية والاستقلال والنصح والإرشاد وتهذيب الأخلاق، والدعوة الإسلامية..له في الرثاء لوعة صادقة وتفجّعٌ أليم، وقصائده كلها باهرات.."
3- ابن شيخان السَّالمي، وقد اختار من شعره مقطوعة تقع في تسعة وعشرين بيتاً طالعها يقول:" بعث الحبيب رسائل الأعطار..." ومقطوعة أخرى من قصيدته " شمس من الأنس صار الحسن هيكلها..، ووصف شعره بقوله12: "شاعرُ فصيحٌ، عذبُ الألفاظ، دقيق المعاني، ظريف القول، حسن التشبيه، رائع الأسلوب، صافي الديباجة، له نماذج مختلفة من موضوعات الشعر، طرق البيان في تأدية المعنى الذي يلوح له، لا يتطلب المعاني العميقة، بقدر تطلُّبه حلاوة اللفظ، مجيد في براعة الوصف ودقته، وتغلب في شعره الحكمة والأمثال السائرة، سريع الخاطر، ومدح طبقات الناس، له ديوان مطبوع.."
4- الشيخ عبدالله الخليلي يختار له مقطعاً شفيفاً من رائعته الشهيرة " إلى موسى " بلغت أبياتها ثلاثة وأربعين بيتاً منها:
بين همِّي ومبلغي والأماني
فجواتَ يهوى بها الثقلانِ
وجوادي قد هدّه بعد غايا
تي وآذاته عاديات الزمانِ
وسُطُوري تراكم النقع فاغبــ
رًّ عليها فما استطاعت تراني
والليالي تذيبُ حبّاتها السُّو
د مداداً أوراقه من كيانِ
كما يختار له مقطعاً آخر من ميميته الشهيرة " رويدك حَتًّام الأسى "مكون من ثمانية وعشرين بيتاً منها:
رويدك حَتًّام الأسى والتبرُّمُ
وحتى متى تقسو عليَّ وأحلُمُ
وحَتًّام تغزوني الذئابُ وجنتي
من اللهِ درعٌ لا تحزُّ ومخدمُ
وحَتًّام تُغربني الحياة بزهوها
وعندي من الايمان واليُمن مغنَمُ
ثم يصفه بأبلغ عبارات، ويثني عليه بأجزل الكلمات، ويضفي على شعره صفات الكمال المطلق بلا مؤاربة ولا تردد، وهو عنده أمير البيان وأشعر شعراء عُمان، يقول عنه: ص 15 " شاعرٌ فحلٌ معاصر، مجيدٌ عملاقٌ بارز، له في ابتداع التصوير واختراع المعاني، وفي شعره قوة في السَّبك، وصحةِ الأداء، أكثر من الاستعارات والتشابيه، والتزمها التزاماً، وتفنن في أنواع البديع، وتجد في شعره ما يسمونه بالشعر الحديث والموشحات، والشعر القصصي، وفي الواقع إن شعره من أمتن الشعر وأعلاه، تسابق معانيه ألفاظه.. ".
ثانيا: مبحث بعنوان المجالس الأدبية العُمانية
وقد وجدناه في هذا الدفتر منفصلاً عمّا قبله مخطوطاً بخط ناسخه ومؤلفه (الشيخ سليمان الخروصي) وقد أرَّخ كتابته بتاريخ 21 رمضان 1407 الموافق 1 مايو 1987 م، وخصّه لمجلس الثلاثاء الذي اعتاد النادي الثقافي على إقامته في فترة الثمانينيات من القرن العشرين، ويتكون من خمس عشرة صفحة، أرفقها فيما بعد منقحة ومزيدة في كتابه " ملامح من التاريخ العُماني ص 293 – 310، وتناول فيها مرجعيات المجالس الأدبية العمانية وتاريخها وارتباطها بالثقافة العمانية كون عُمان أنجبت أدباء وخطباء وشعراء ومؤلفين كانت لهم بصماتهم في صناعة التاريخ الإنساني، ثم أشار إلى هوية المجالس الأدبية في عُمان وهل هي مرتبطة بشخصيات معينة، معربا ص 2 أن هذه المجالس "ما كانت تخرجُ عن قاعدة المجالس في بلدان عربية كثيرة فهناك مجالس سميت بأسماء شخصيات معينة مثل مجلس أبي سفيان محبوب بن الرحيّل وكان علّامة جليلا، ومؤرخاً أدبيا، ومجلس ابنه محمد بن محبوب.. ومجلس أبي علي محمد بن زوزان الصحاري.. ومجلس موسى بن أبي جابر، ومجلس موسى بن علي وهما من إزكي في القرن الثالث الهجري، ومجلس منير بن النيّر بجعلان، ومجلس هاشم بن غيلان بسيجا من أعمال بهلا، ومجلس ابن بركة، ومجلس أبي سعيد الكُدَمي، ومجلس محمد بن إبراهيم الكندي بنزوى، ومجلس ابن النَّصر في سمائل، ومجلس الشيخ جاعد بن خميس الخروصي بوادي بني خروص بالرستاق، ومجلس سعيد بن خلفان الخليلي، ومجلس خلفان بن جميّل السيابي، ومجلس العلامة نور الدين السالمي بالشرقية، ومجلس ابنه الشيبة محمد بن عبدالله السَّالمي، وهناك مجالس ارتبط اسمها باسم المكان الذي وجدت فيه كمجلس حصن جبرين.. " وهذه المجالس كلها خدمت الفكر العُماني وطورت الشعر وأوجدت مناخات معينةٍ لبروزه، وكانت تعقد فيها المُعارضات والمُجاريات وأشكال النزعة الفنية، كما تصدح في أرجائها أصوات القراءة العمانية للشعر، فهي باختصار صورة مثلى للشعر والشعراء " وقد اعتادت القصيدة العمانية أن يكون المجلس منبرها " كما يقول ص 13.
ثالثا: مبحث حول قصائد السؤال والجواب،
وهو عبارة عن مقدمة كتبها تقديما لكتاب الشاعر الكبير الشيخ عبدالله بن علي الخليلي " بين الفقه و الأدب " ونشرت في صفحات الكتاب الأولى حتى الخامسة، وفيها من الإفادة النثرية والشعرية وقد زانها استشهاده ببيتين يقعان في صلبِ الموضوع: -
وليس العَمَى طولَ السُّؤالِ وإنما
تمامُ العَمَى طولَ السُّكوتِ مع الجَهلِ
فكن سائلا ممّا هناك فإنما
خُلقتَ أخا عقلٍ لتسألَ بالعقلِ.
وفي تجلية الشيخ سليمان لهذا الضرب من الشعر الذي كثر في مدونة الشعر العُماني - موقفٌ وبيان وإفادة وتوضيح، إذ رأى في هذا التقديم: " إن اعتناء علماء عُمان ورجالات الفكر والأدب إنما هو عمل بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، ونابع من التراث العربي القديم، والسؤال عندهم كما عند غيره من العلماء " نصف العلم، أو هو العلم كله "، لهذا أخلص العُمانيون في نظمه ونحن لا فيه ونكاد نفتح ديوان شعر عماني قديم، إلا ونجد فيه بابا خاصًّا به، وفي رأينا يعد ميزة من مميزات الشعر العماني وهو لو جمع لشكل ديوانا كبيرا.
والشيخُ سليمان بن خلف الخروصي في هذا التقديم أيضا ذكر أهم الدواوين العمانية التي وردت في حقل السُّؤال والجواب من مثل "الدر النظيم في السؤال والجواب "للعلّامة عامر بن خميس المالكي، و" بهجة المجالس" للشيخ خلفان بن جميّل السيابي و" قلائد المرجان "للشيخ حمد بن عبيد السُّليمي و" الدُّر المنتخب في الفقه والأدب" لأخيه الشيخ سعيد بن خلف الخروصي وغيرها الكثير والكثير.
أمّا وصفه لكتاب الشيخ عبدالله الخليلي " بين الفقه والأدب " فقد جاء بصيغة التمييز المطلق عن سائر نظرائه احتراما للمكانة التي يحتلها، والأهمية التي يتصدرها، فهو كما يراه ص 2"بقوله: " شاعرٌ فحلٌ عملاقٌ ويختلفُ عن نظرائه الذين نظموا فيه، فهم في رأيه علماء فقهاء وهو شاعر والكل يعرف أن شعر العلماء دون شعر الشعراء بمراحل كثيرة ".. والشيخ الخليلي شاعر سابق في الشعر ويكاد لا يجارى ولا يبارى فهو إذا سئل بزَّ المسؤول، وإذا سأل تحدّى السائل " على حد وصفه.
ويبدو أن المبحثين الأخيرين ضمنهما كتابه: " ملامح من التاريخ العُماني " وبقي المبحث الأول دون نشر، وقد قدمناه في إطار منتقياته ومختاراته. أمّا كتابه:" ملامح من التاريخ العماني فهو مليٌ بذكر الأدب والأدباء، وقد قرَّظه أمير البيان قائلا: -
قرأتُ سِفْركَ أستهدي بنيِّره
بين المعالمِ حتى هَاجً دائِلَهُ
يجلو ملامح تاريخ العروبة في
عُمان حتى لقد كادت تناولهُ
ورحتُ أستهدئُ الأسطارَ في مَهَلٍ
لكنَّ جدّي مُعَنّى القلب ذاهلهُ
إني أباركَ من مَغزاكَ غايته
ورائدُ العلمِ ترويه مناهلهُ
كما قرظه الشيخ شاعر عُمان هلال السيابي بأبيات مماثلة جاءت فيها مخاطبته بكنيته دليل القرب، فهو خاله وله في قرابته صلة روحية عميقة:
يا أبا خالدٍ كتابك سِفْرٌ
سَفَرتْ من بهائه الأيامُ
وطني الهوى، وذلك أعلى
ما تباهتْ به الخِلالُ الجسَامُ
فإذا ما تلوتهُ فكأن الحربَ
دَويٌّ بها الخميسُ الهامُ
حَسْبهُ أنه خلاصةُ دَهْرٍ
حسبهُ أنه دمٌ أو مُدامُ
أو أقل إنَّه من العطرِ فوَّحاً
فهو مِسْكٌ الختامِ طابَ الخِتامُ
يعدّ كتاب ملامح من التاريخ العماني كما تناولناه في كتابنا الشعر العماني في القرن العشرين، ص 1/ "أحدث مصدر مطبوع، وقد حاول فيه أن يمزج التاريخ العام بالتاريخ الأدبي من خلال عرضه لجوانب من تاريخ الشعر، واستشهاده بقصائد مكتملة، وبعض من المقطوعات التي يتبيّن فيها مسايرة الشعر لأحداث الواقع. ويبلغ عدد هذه القصائد ثماني عشرة قصيدة وست مقطوعات جاءت جميعها في وصف الأحداث والوقائع. ويسيطر على هذا الكتاب استطراد منهجي سببه الامتداد الزمني الواسع، فالمؤلف يتتبع التاريخ بدءا من العصر الجاهلي وحتى الحديث، ويقدّم لنا قائمة من القادة والسلاطين والأئمة الذين حكموا عُمان في عصورها المختـــــــلفة، ولم ينس أن يذيل هذه القائمة بأسماء بعض الشعراء الذين اشتهروا في عهود هؤلاء الحكام، إضافة إلى تراجم مختصرة لحيواتهم.
إن هذا الكتاب رغم حداثته لا يختلف في شيء عن المصادر السابقة غير تركيزه على عصر النهضة التي عاشتها عُمان في عهد السلطان قابوس، وفيه يستعرض قصائده الخاصة التي كتبها فيه، وجلهّا في المدح السياسي".
ومما جاء في هذا الكتاب من ذكر للأدب والأدباء في مدونة إحصائية غير مكتملة ضمت مائة وخمسين أديبا بدأها بمالك بن فهم وأنهاها بحمود السيابي وهلال بن سالم الخروصي مؤكدا أن التاريخ العماني يحفل بأسماء كثيرة طرقت الأدب في إطاره العام المتصل بالفقه والأصول والأحكام، وأنه اختار ما يمثل الأدب لا غير.
وفي جانب آخر لا يغيب الشعر عن ورقات الكتاب ولا عن صفحاته، فهو يحضر حضور دليل وبرهان للتأكيد على الحقيقة التاريخية، والحدث التاريخي فما يكاد يذكر حدثا من الأحداث، أو وقعة من المواقع، أو يصف بلدة أو منطقة إلا ويستحضر ما قاله الشعراء فيها.
وأخيراً تظل جهود الشيخ سليمان حصيلة معرفية وتأكيد حقيقة، وربطا لحدث، وإبرازا لحيوية الشعر في تسجيله للأحداث، وهي مهام قام بها الشعر العماني على مر العصور والأزمان، وهو ليس بدعا في ذلك، ولا خروجا عن أصله العربي الذي انبثق منه، فالشعر كان وما زال حركة حياة وخطاب واقع، وهكذا فهمه الشيخ الخروصي واعتمده في خطابه التاريخي على الدوام.
رابعا: سمات منتقيات الشيخ سليمان الخروصي الشعرية:
لا نعدم الصواب حين نقول إن منتقيات الشيخ سليمان منتقيات شاعر حساس، مرهف المشاعر، يختار الدرر، ولا يحيد عنها؛ لهذا جاء دفتره متميزا بميزات نسوقها على النحو الآتي:
1- إن دفتر الشيخ سليمان اتسم بالأناقة والضبط وجمال الخط، وروعة التنظيم، وقد اعتنى به فخط مادته وصنفها ورقمّها وأعدّها إعداداً جيداً يسعد قارئه، فهو انعكاس لشخصيته، وصورة من صور دقته التي عرف بها.
2- إن منتقياته في هذا الدفتر استكمال لما بدأه قبله الشيخ عبدالله الخليلي في منتقياته فإن كان الأخير ركز على شعراء عصره، فإن الأخير الشيخ سليمان امتد في منتقياته إلى أعصر أقدم تبدأت من عصر الدولة النبهانية حيث الستالي، وتنتهي بالدولة البوسعيدية حيث الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، وفي هذا الامتداد حرق للمراحل واختزال للأزمنة، فلم ينتق لشعراء المدونة العُمانية في عصر اليعاربة ولا الدولة البوسعيدية الأولى، وإنما اكتفى بخمسة شعراء يمثلون قمة الإبداع الشعري العُماني.
3- أغلب منتقيات الشيخ سليمان تؤول إلى باب العشق والغزل والوجد الرومانسي، وهي سمة تكاد شبه مشتركة لدى شعرائه الخمسة الذين اختار لهم عدا أبي مسلم الذي اختار له قصيدة تنتمي إلى غرض الشعر الديني المتصل بالشعر الديني والوعظ والإرشاد والاستنهاض.
4- تتراوح منتقيات الخروصي الخمس بين القصائد شبه الكاملة والمقطّعات، وقد تراوحت أبياته بين ثلاثة عشر بيتاً، وبين ستة وأربعين بيتاً، ركّز فيها على المعنى المحقق لخاصية شعر الشاعر وإبراز سماته مع عدم التفريط بالجودة الفنية وروعة الخطاب وجزالته واتخاذ ذلك مرتكزا في الانتقاء ومعياراً للشاعرية.
5- اتسمت منتقيات الشيخ سليمان بالانتقائية والحرص على اختيار الجيد المعروف والسائد فكلّ منتقياته قصائد تعدُّ من عيون الشعراء رغم أنه لم يعتن بعناوينها ولا بمطالعها فسعى إلى المتن الشعري ليحقق به جوهر الشاعرية عند هذا الشاعر أو ذاك.
وفي جل توصيفاته لشعرائه لا يلتف إلى سرد المعلومات التوثيقة الخاصة بحيواتهم، ويكتفي بذكر موجز لأسمائهم وزمن ولادتهم مع الإشارة المقتضبة لدواوينهم إن وجدت كما هو الحال عند ذكره لأبي مسلم فهو يقول في نهاية حديثه عنه " وله من المؤلفات ديوان شعر مطبوع، والنشأة المحمدية، ونثار الجوهر في ثلاثة مجلدات.
6- يركز الخروصي في وصفه وتشخيصه لشعرائه على مواضع القوة، والشهرة، فمثلا عندما يصف الشاعر النبهاني ص 6 يقول: " اشتهر بجزالة اللفظ، وفخامة العبارة، وقوة السَّبك، ورصانة الأسلوب، وقد عارض العديد من فحول الشعراء، وكانت معارضته لهم، ولم يقل عن مستوى شعره وجودة عنهم ".
7- تعدُّ مقولات الشيخ سليمان ووصفه لتجارب شعرائه أحكاما نقدية، استخلصها من عمق قصائدهم وكشف بها أفضلها وأبان عن سماتها وخصائصها ويتضح ذلك في تركيزه على الخواص الفنية المشكلة للنصَّ من الوقوف على براعة الاستهلال، وحسن الانتقال والتخلص، والبناء الفني.
8- اتسمت لغة مقدماته بالعبارات الدقيقة والكلمات الجزلة القوية والصفات الطاغية والحسَّ الذوقي الرفيع رغم كونها عبارات فيها الإطراء والمبالغة.
9- جاء مبحثاه الأوليان في هذا الدفتر مسودتين، هذَّبَهما وتصرَّفَ فيهما ونقّح محتواهما وأضافهما لكتابيه " ملامح من التاريخ العُماني".
- دفتر الشيخ سليمان الخروصي اتسم بالأناقة والضبط وجمال الخط، وروعة المنتقيات.
- تعدُّ نظرات الشيخ سليمان وأوصافه لتجارب شعرائه أحكامًا نقدية انطباعية، استخلصها من عمق قصائدهم وتجاربهم الشعرية.
رغم أن الشيخ سليمان بن خلف الخروصي ليس بناقدٍ أدبيٍّ متخصص، إلا أن نظراته للنصوص التي انتقاها في دفتره تنمُّ عن امتلاكه لجذوة نقدية وخبرة معرفية استقاها من ذوق ذاته الشاعرة، وغذّاها بثقافته الواسعة، وعمَّقها بقراءاته المستفيضة، ورسَّخها بموهبته الوافرة، ورسمها بشخصيته العصامية، يتجلَّى ذلك فيما خلَّفه من مقالاتٍ أدبية تؤرّخ للشعر والشعراء والأدب والأدباء وتصفُ تجاربهم، فمثلما صنع الشيخ عبدالله الخليلي في تراجمه، فعل الشيخ سليمان الخروصي الشيء نفسه والأكيد أنه فعلَه قريبٌ منه على الأقل زمنًا إن لم يكن منهجًا ورؤية واتساعًا، فقد وقعنا مؤخرًا على مذكرة مدَّنا بها أثناء لقائنا التاريخي به في منزله بالخوير في العشرين من رجب من عام 1414هـ الموافق 13 من ديسمبر 1995م، فقد كان ذلك اللقاء ثريًّا بالمعلومات، مفعمًا بالعلم والأدب وأكثر منهما بأخلاق العُلماء، غنيًّا بالقصص بالأخبار، عميقًا بالنظرات، استمتعت فيه بقراءته الشجية للشعر حين صدح به ورتله فما زادني إلا إعجابًا بروحه الشاعرة وقراءته النغمية النابعة من نفسه الزكية وذوقه الأدبي الرفيع.
لقد طوَّف بي الشيخ سليمان الخروصي المؤرخ في تلك الجلسة الاستثنائية رحاب التاريخ العُماني كلّه قديمه ووسيطه، حديثه ومعاصره بلغةٍ سلسةٍ، وسردٍ مثير، ونفس عالمة متدفقة لا يحدها حدود؛ يُعجبك فيه دفئه الإنساني وعلمه الغزير وتفنيده وتصانيفه، فكأن التاريخُ ينسابُ على لسانه انسيابًا، وكأنه يستقيه من عين رقراقة ماؤها، عذبٌ صافٍ معينها، لقد كان الشيخ سليمان فعلا كما وصفه الأستاذ حمود السيابي وأجاد وصفه قائلا: ص 17:" حين يرتدي خنجره وعصاه ويعتزم السيرَ في دروب التاريخ، فإنه لا يحتاج إلى بوصلة الملَّاح، ولا لخارطة الجوال، ولا لقناديل السَّاري بليل، فعند الصباح يحمدُ سليمان السُّرى.. وعُمان كلُّها رحلته الأثيرة وخارطتها محفورة في قلبه.. وعُمان كلها قصيدة طويلة ببحارها وعروضها ورويها معقودة في لسانه عنوانا ومطلعًا ومضمونًا وخاتمة يتلوها متى شاء، ويدندن بها متى شاء اختلى بنفسه، ويخطب متى أراد أن يجبر الآذان للاستماع، فأي قصيدة عنه أجمل من عمان، وأي معنى أروع مما تتضمنه؟ ".
الشيخ سليمان بن خلف الخروصي مؤرخ عام كان الشعر أداة تبليغه، وقد خصّه في كتابه "ملامح الشعر العُماني" بمبحث قرأ فيه سير الشعراءِ، وانتقى لهم مختارات، غير أن هذه المختار كان قد وضعها مسبقًا في دفتر صغير لتكون نواة لمحاضرات ثقافية ألقاها في مؤسسات ثقافية مختلفة، وربما قصد به نواة لكتاب قادم على سنن الكتاب والمؤلفين الذين يسبقون تآليفهم بمسودات يضعون عصارة تفكيرهم الأولى فيها عادة حيرة الباحث وقلقه الأول قبل الدفع بها في كتاب مطبوع، وأمَّا حال دفتره هذا فهو بلا عنوان ولا إطار ولا غلاف خصني بصورة منه جهزها لي قبل قدومي إليه وفيه تتجلى المواضيع الآتية:
أولا: منتقيات الشعر ومختاراته
وقد وقعنا عليها مخطوطا بخط الناسخ المعروف محمد بن حسن الرمضاني بتاريخ 3 جمادى الأولى 1408 هـ الموافق 22 يناير 1988 م وتتكون من تسع عشرة صفحة ابتدأها بتوطئة تتبع فيها الشعر العربي منذ العصر الجاهلي والعصور التي تلته حتى المعاصر إذ أبان فيها عن أهمية الشعر في حياة العرب كونه الحافظ لحياتهم، والمبرهن على ثقافتهم، والمؤكد على حضارتهم، وأن الشعراء كانوا منذ الأزل لسان حالهم " فهو الذَّاب عن القبيلة والمدافع عن أحسابها والمحامي عنها والناطق الرسمي باسمها " ثم يشير إلى المكانة نفسها التي احتلها الشعر في عُمان معربا عن كون الأدب العماني بحق لا يقل جودة أو تأثيرا عن أي أدب عربي آخر، وقد برز في عُمان على مرَّ العصور أدباء وشعراء طبقت شهرتهم الآفاق كالخليل الفراهيدي وكعب بن معدان الأشقري وابن دريد " (ص 1).
وفي منتقياته هذه يختار من عيون قصائد الشعراء؛ لتكون نموذجا يعكس قوة الشعر العماني في جميع مراحله، وله في ذلك أحكامٌ انطباعية في غاية الأهمية، نستعرضها على النحو الآتي:
1- الستالي، وقد اختار له ما يمثل خاصية الوجد الرومانسي لديه عبر ثلاث مقطوعات من عيون قصائده " هل أنجزت لك وعد الوصل أسماُ... " و " ألا كلُّ ليلٍ لم تنمه طويل.. " قصرن الخُطى وهززن الغصُونَا " وقد بلغت أبيات منقياته من القصيدة الأولى تسعة عشر بيتا " ومن الثانية ثلاثة وعشرين بيتاً، ومن الثالثة ثلاثة عشر بيتاً.
ثم التفت إلى شعره- بعد أن عرّفه وذكر اسمه ومكان ولادته وتاريخه -، وقال عنه ص2: " رقيقُ الألفاظ، دقيقُ المعاني، في شعره رقة وجمال، وفيه خيال لطيف، وصورٌ براقة ملونة، وقد عني ببراعة الاستهلال، وحسن التخلص ".
2 – سليمان النبهاني، واختار له مقطوعتين من شعره هما " أللدارُ من أكنافِ قعوٍّ فعرعرِ، و " ما بال راية أضحى حبلها انصرما " وقدّم له بالمقدمة التالية: " شاعر فحل، من بين إمارة وشرف، جزل الشعر، فصيح الألفاظ، بديع المعاني، مطبوع اللهجة، غريب الإبداع، أكثر شعره في الفخر والحماسة، فهو يذكر دائماً خوضه لمعامع القتال، وبلاءه في مواقف الأهوال، ويكثر من " أنا " و " ونحن ".
2- أبو مسلم البهلاني، وقد انتقى له أبيات من قصيدته" أفيقوا بني القرآن " بلغت 46 بيتا، وعشرين بيتا في الحث على طلب العلم من قصيدته " لن ترضي الله حتى تخلص الورعا... " قال عنه ص 8: " من أبرز شعراء عُمان، بل من فحول الشعراء ذوي الصيت الذائع والشهرة الواسعة، غزير العلم، واسع الأدب، علّامة غيور، مناضل عن الإسلام والمسلمين، وشعره كله لُباب الفصاحة العربية، وقمة البلاغة الرائعة، أغلب شعره في السلوك والقوميات والوطنيات والاستنهاض والجهاد والذود عن الوطن والحرية والاستقلال والنصح والإرشاد وتهذيب الأخلاق، والدعوة الإسلامية..له في الرثاء لوعة صادقة وتفجّعٌ أليم، وقصائده كلها باهرات.."
3- ابن شيخان السَّالمي، وقد اختار من شعره مقطوعة تقع في تسعة وعشرين بيتاً طالعها يقول:" بعث الحبيب رسائل الأعطار..." ومقطوعة أخرى من قصيدته " شمس من الأنس صار الحسن هيكلها..، ووصف شعره بقوله12: "شاعرُ فصيحٌ، عذبُ الألفاظ، دقيق المعاني، ظريف القول، حسن التشبيه، رائع الأسلوب، صافي الديباجة، له نماذج مختلفة من موضوعات الشعر، طرق البيان في تأدية المعنى الذي يلوح له، لا يتطلب المعاني العميقة، بقدر تطلُّبه حلاوة اللفظ، مجيد في براعة الوصف ودقته، وتغلب في شعره الحكمة والأمثال السائرة، سريع الخاطر، ومدح طبقات الناس، له ديوان مطبوع.."
4- الشيخ عبدالله الخليلي يختار له مقطعاً شفيفاً من رائعته الشهيرة " إلى موسى " بلغت أبياتها ثلاثة وأربعين بيتاً منها:
بين همِّي ومبلغي والأماني
فجواتَ يهوى بها الثقلانِ
وجوادي قد هدّه بعد غايا
تي وآذاته عاديات الزمانِ
وسُطُوري تراكم النقع فاغبــ
رًّ عليها فما استطاعت تراني
والليالي تذيبُ حبّاتها السُّو
د مداداً أوراقه من كيانِ
كما يختار له مقطعاً آخر من ميميته الشهيرة " رويدك حَتًّام الأسى "مكون من ثمانية وعشرين بيتاً منها:
رويدك حَتًّام الأسى والتبرُّمُ
وحتى متى تقسو عليَّ وأحلُمُ
وحَتًّام تغزوني الذئابُ وجنتي
من اللهِ درعٌ لا تحزُّ ومخدمُ
وحَتًّام تُغربني الحياة بزهوها
وعندي من الايمان واليُمن مغنَمُ
ثم يصفه بأبلغ عبارات، ويثني عليه بأجزل الكلمات، ويضفي على شعره صفات الكمال المطلق بلا مؤاربة ولا تردد، وهو عنده أمير البيان وأشعر شعراء عُمان، يقول عنه: ص 15 " شاعرٌ فحلٌ معاصر، مجيدٌ عملاقٌ بارز، له في ابتداع التصوير واختراع المعاني، وفي شعره قوة في السَّبك، وصحةِ الأداء، أكثر من الاستعارات والتشابيه، والتزمها التزاماً، وتفنن في أنواع البديع، وتجد في شعره ما يسمونه بالشعر الحديث والموشحات، والشعر القصصي، وفي الواقع إن شعره من أمتن الشعر وأعلاه، تسابق معانيه ألفاظه.. ".
ثانيا: مبحث بعنوان المجالس الأدبية العُمانية
وقد وجدناه في هذا الدفتر منفصلاً عمّا قبله مخطوطاً بخط ناسخه ومؤلفه (الشيخ سليمان الخروصي) وقد أرَّخ كتابته بتاريخ 21 رمضان 1407 الموافق 1 مايو 1987 م، وخصّه لمجلس الثلاثاء الذي اعتاد النادي الثقافي على إقامته في فترة الثمانينيات من القرن العشرين، ويتكون من خمس عشرة صفحة، أرفقها فيما بعد منقحة ومزيدة في كتابه " ملامح من التاريخ العُماني ص 293 – 310، وتناول فيها مرجعيات المجالس الأدبية العمانية وتاريخها وارتباطها بالثقافة العمانية كون عُمان أنجبت أدباء وخطباء وشعراء ومؤلفين كانت لهم بصماتهم في صناعة التاريخ الإنساني، ثم أشار إلى هوية المجالس الأدبية في عُمان وهل هي مرتبطة بشخصيات معينة، معربا ص 2 أن هذه المجالس "ما كانت تخرجُ عن قاعدة المجالس في بلدان عربية كثيرة فهناك مجالس سميت بأسماء شخصيات معينة مثل مجلس أبي سفيان محبوب بن الرحيّل وكان علّامة جليلا، ومؤرخاً أدبيا، ومجلس ابنه محمد بن محبوب.. ومجلس أبي علي محمد بن زوزان الصحاري.. ومجلس موسى بن أبي جابر، ومجلس موسى بن علي وهما من إزكي في القرن الثالث الهجري، ومجلس منير بن النيّر بجعلان، ومجلس هاشم بن غيلان بسيجا من أعمال بهلا، ومجلس ابن بركة، ومجلس أبي سعيد الكُدَمي، ومجلس محمد بن إبراهيم الكندي بنزوى، ومجلس ابن النَّصر في سمائل، ومجلس الشيخ جاعد بن خميس الخروصي بوادي بني خروص بالرستاق، ومجلس سعيد بن خلفان الخليلي، ومجلس خلفان بن جميّل السيابي، ومجلس العلامة نور الدين السالمي بالشرقية، ومجلس ابنه الشيبة محمد بن عبدالله السَّالمي، وهناك مجالس ارتبط اسمها باسم المكان الذي وجدت فيه كمجلس حصن جبرين.. " وهذه المجالس كلها خدمت الفكر العُماني وطورت الشعر وأوجدت مناخات معينةٍ لبروزه، وكانت تعقد فيها المُعارضات والمُجاريات وأشكال النزعة الفنية، كما تصدح في أرجائها أصوات القراءة العمانية للشعر، فهي باختصار صورة مثلى للشعر والشعراء " وقد اعتادت القصيدة العمانية أن يكون المجلس منبرها " كما يقول ص 13.
ثالثا: مبحث حول قصائد السؤال والجواب،
وهو عبارة عن مقدمة كتبها تقديما لكتاب الشاعر الكبير الشيخ عبدالله بن علي الخليلي " بين الفقه و الأدب " ونشرت في صفحات الكتاب الأولى حتى الخامسة، وفيها من الإفادة النثرية والشعرية وقد زانها استشهاده ببيتين يقعان في صلبِ الموضوع: -
وليس العَمَى طولَ السُّؤالِ وإنما
تمامُ العَمَى طولَ السُّكوتِ مع الجَهلِ
فكن سائلا ممّا هناك فإنما
خُلقتَ أخا عقلٍ لتسألَ بالعقلِ.
وفي تجلية الشيخ سليمان لهذا الضرب من الشعر الذي كثر في مدونة الشعر العُماني - موقفٌ وبيان وإفادة وتوضيح، إذ رأى في هذا التقديم: " إن اعتناء علماء عُمان ورجالات الفكر والأدب إنما هو عمل بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، ونابع من التراث العربي القديم، والسؤال عندهم كما عند غيره من العلماء " نصف العلم، أو هو العلم كله "، لهذا أخلص العُمانيون في نظمه ونحن لا فيه ونكاد نفتح ديوان شعر عماني قديم، إلا ونجد فيه بابا خاصًّا به، وفي رأينا يعد ميزة من مميزات الشعر العماني وهو لو جمع لشكل ديوانا كبيرا.
والشيخُ سليمان بن خلف الخروصي في هذا التقديم أيضا ذكر أهم الدواوين العمانية التي وردت في حقل السُّؤال والجواب من مثل "الدر النظيم في السؤال والجواب "للعلّامة عامر بن خميس المالكي، و" بهجة المجالس" للشيخ خلفان بن جميّل السيابي و" قلائد المرجان "للشيخ حمد بن عبيد السُّليمي و" الدُّر المنتخب في الفقه والأدب" لأخيه الشيخ سعيد بن خلف الخروصي وغيرها الكثير والكثير.
أمّا وصفه لكتاب الشيخ عبدالله الخليلي " بين الفقه والأدب " فقد جاء بصيغة التمييز المطلق عن سائر نظرائه احتراما للمكانة التي يحتلها، والأهمية التي يتصدرها، فهو كما يراه ص 2"بقوله: " شاعرٌ فحلٌ عملاقٌ ويختلفُ عن نظرائه الذين نظموا فيه، فهم في رأيه علماء فقهاء وهو شاعر والكل يعرف أن شعر العلماء دون شعر الشعراء بمراحل كثيرة ".. والشيخ الخليلي شاعر سابق في الشعر ويكاد لا يجارى ولا يبارى فهو إذا سئل بزَّ المسؤول، وإذا سأل تحدّى السائل " على حد وصفه.
ويبدو أن المبحثين الأخيرين ضمنهما كتابه: " ملامح من التاريخ العُماني " وبقي المبحث الأول دون نشر، وقد قدمناه في إطار منتقياته ومختاراته. أمّا كتابه:" ملامح من التاريخ العماني فهو مليٌ بذكر الأدب والأدباء، وقد قرَّظه أمير البيان قائلا: -
قرأتُ سِفْركَ أستهدي بنيِّره
بين المعالمِ حتى هَاجً دائِلَهُ
يجلو ملامح تاريخ العروبة في
عُمان حتى لقد كادت تناولهُ
ورحتُ أستهدئُ الأسطارَ في مَهَلٍ
لكنَّ جدّي مُعَنّى القلب ذاهلهُ
إني أباركَ من مَغزاكَ غايته
ورائدُ العلمِ ترويه مناهلهُ
كما قرظه الشيخ شاعر عُمان هلال السيابي بأبيات مماثلة جاءت فيها مخاطبته بكنيته دليل القرب، فهو خاله وله في قرابته صلة روحية عميقة:
يا أبا خالدٍ كتابك سِفْرٌ
سَفَرتْ من بهائه الأيامُ
وطني الهوى، وذلك أعلى
ما تباهتْ به الخِلالُ الجسَامُ
فإذا ما تلوتهُ فكأن الحربَ
دَويٌّ بها الخميسُ الهامُ
حَسْبهُ أنه خلاصةُ دَهْرٍ
حسبهُ أنه دمٌ أو مُدامُ
أو أقل إنَّه من العطرِ فوَّحاً
فهو مِسْكٌ الختامِ طابَ الخِتامُ
يعدّ كتاب ملامح من التاريخ العماني كما تناولناه في كتابنا الشعر العماني في القرن العشرين، ص 1/ "أحدث مصدر مطبوع، وقد حاول فيه أن يمزج التاريخ العام بالتاريخ الأدبي من خلال عرضه لجوانب من تاريخ الشعر، واستشهاده بقصائد مكتملة، وبعض من المقطوعات التي يتبيّن فيها مسايرة الشعر لأحداث الواقع. ويبلغ عدد هذه القصائد ثماني عشرة قصيدة وست مقطوعات جاءت جميعها في وصف الأحداث والوقائع. ويسيطر على هذا الكتاب استطراد منهجي سببه الامتداد الزمني الواسع، فالمؤلف يتتبع التاريخ بدءا من العصر الجاهلي وحتى الحديث، ويقدّم لنا قائمة من القادة والسلاطين والأئمة الذين حكموا عُمان في عصورها المختـــــــلفة، ولم ينس أن يذيل هذه القائمة بأسماء بعض الشعراء الذين اشتهروا في عهود هؤلاء الحكام، إضافة إلى تراجم مختصرة لحيواتهم.
إن هذا الكتاب رغم حداثته لا يختلف في شيء عن المصادر السابقة غير تركيزه على عصر النهضة التي عاشتها عُمان في عهد السلطان قابوس، وفيه يستعرض قصائده الخاصة التي كتبها فيه، وجلهّا في المدح السياسي".
ومما جاء في هذا الكتاب من ذكر للأدب والأدباء في مدونة إحصائية غير مكتملة ضمت مائة وخمسين أديبا بدأها بمالك بن فهم وأنهاها بحمود السيابي وهلال بن سالم الخروصي مؤكدا أن التاريخ العماني يحفل بأسماء كثيرة طرقت الأدب في إطاره العام المتصل بالفقه والأصول والأحكام، وأنه اختار ما يمثل الأدب لا غير.
وفي جانب آخر لا يغيب الشعر عن ورقات الكتاب ولا عن صفحاته، فهو يحضر حضور دليل وبرهان للتأكيد على الحقيقة التاريخية، والحدث التاريخي فما يكاد يذكر حدثا من الأحداث، أو وقعة من المواقع، أو يصف بلدة أو منطقة إلا ويستحضر ما قاله الشعراء فيها.
وأخيراً تظل جهود الشيخ سليمان حصيلة معرفية وتأكيد حقيقة، وربطا لحدث، وإبرازا لحيوية الشعر في تسجيله للأحداث، وهي مهام قام بها الشعر العماني على مر العصور والأزمان، وهو ليس بدعا في ذلك، ولا خروجا عن أصله العربي الذي انبثق منه، فالشعر كان وما زال حركة حياة وخطاب واقع، وهكذا فهمه الشيخ الخروصي واعتمده في خطابه التاريخي على الدوام.
رابعا: سمات منتقيات الشيخ سليمان الخروصي الشعرية:
لا نعدم الصواب حين نقول إن منتقيات الشيخ سليمان منتقيات شاعر حساس، مرهف المشاعر، يختار الدرر، ولا يحيد عنها؛ لهذا جاء دفتره متميزا بميزات نسوقها على النحو الآتي:
1- إن دفتر الشيخ سليمان اتسم بالأناقة والضبط وجمال الخط، وروعة التنظيم، وقد اعتنى به فخط مادته وصنفها ورقمّها وأعدّها إعداداً جيداً يسعد قارئه، فهو انعكاس لشخصيته، وصورة من صور دقته التي عرف بها.
2- إن منتقياته في هذا الدفتر استكمال لما بدأه قبله الشيخ عبدالله الخليلي في منتقياته فإن كان الأخير ركز على شعراء عصره، فإن الأخير الشيخ سليمان امتد في منتقياته إلى أعصر أقدم تبدأت من عصر الدولة النبهانية حيث الستالي، وتنتهي بالدولة البوسعيدية حيث الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، وفي هذا الامتداد حرق للمراحل واختزال للأزمنة، فلم ينتق لشعراء المدونة العُمانية في عصر اليعاربة ولا الدولة البوسعيدية الأولى، وإنما اكتفى بخمسة شعراء يمثلون قمة الإبداع الشعري العُماني.
3- أغلب منتقيات الشيخ سليمان تؤول إلى باب العشق والغزل والوجد الرومانسي، وهي سمة تكاد شبه مشتركة لدى شعرائه الخمسة الذين اختار لهم عدا أبي مسلم الذي اختار له قصيدة تنتمي إلى غرض الشعر الديني المتصل بالشعر الديني والوعظ والإرشاد والاستنهاض.
4- تتراوح منتقيات الخروصي الخمس بين القصائد شبه الكاملة والمقطّعات، وقد تراوحت أبياته بين ثلاثة عشر بيتاً، وبين ستة وأربعين بيتاً، ركّز فيها على المعنى المحقق لخاصية شعر الشاعر وإبراز سماته مع عدم التفريط بالجودة الفنية وروعة الخطاب وجزالته واتخاذ ذلك مرتكزا في الانتقاء ومعياراً للشاعرية.
5- اتسمت منتقيات الشيخ سليمان بالانتقائية والحرص على اختيار الجيد المعروف والسائد فكلّ منتقياته قصائد تعدُّ من عيون الشعراء رغم أنه لم يعتن بعناوينها ولا بمطالعها فسعى إلى المتن الشعري ليحقق به جوهر الشاعرية عند هذا الشاعر أو ذاك.
وفي جل توصيفاته لشعرائه لا يلتف إلى سرد المعلومات التوثيقة الخاصة بحيواتهم، ويكتفي بذكر موجز لأسمائهم وزمن ولادتهم مع الإشارة المقتضبة لدواوينهم إن وجدت كما هو الحال عند ذكره لأبي مسلم فهو يقول في نهاية حديثه عنه " وله من المؤلفات ديوان شعر مطبوع، والنشأة المحمدية، ونثار الجوهر في ثلاثة مجلدات.
6- يركز الخروصي في وصفه وتشخيصه لشعرائه على مواضع القوة، والشهرة، فمثلا عندما يصف الشاعر النبهاني ص 6 يقول: " اشتهر بجزالة اللفظ، وفخامة العبارة، وقوة السَّبك، ورصانة الأسلوب، وقد عارض العديد من فحول الشعراء، وكانت معارضته لهم، ولم يقل عن مستوى شعره وجودة عنهم ".
7- تعدُّ مقولات الشيخ سليمان ووصفه لتجارب شعرائه أحكاما نقدية، استخلصها من عمق قصائدهم وكشف بها أفضلها وأبان عن سماتها وخصائصها ويتضح ذلك في تركيزه على الخواص الفنية المشكلة للنصَّ من الوقوف على براعة الاستهلال، وحسن الانتقال والتخلص، والبناء الفني.
8- اتسمت لغة مقدماته بالعبارات الدقيقة والكلمات الجزلة القوية والصفات الطاغية والحسَّ الذوقي الرفيع رغم كونها عبارات فيها الإطراء والمبالغة.
9- جاء مبحثاه الأوليان في هذا الدفتر مسودتين، هذَّبَهما وتصرَّفَ فيهما ونقّح محتواهما وأضافهما لكتابيه " ملامح من التاريخ العُماني".