قد يسهل علينا تصوّر مقاضاة شخص ما لمجرد أن يبدأ بقذعنا بألفاظ من قبيل: «أنا مريض من رؤية وجهك القبيح»، حتى لو كانت له مبرراته الخاصة. غير أن الجميع سيحافظ على نوع من الدهشة ولفترة طويلة فور علمهم بتقدم أحدهم إلى أروقة المحاكم يطالب فيها بحقه من أولئك الذين تسببوا في منحه جينات كانت خلف تشكيل مظهره الخارجي، على سبيل المثال: حجم أنفه أو تجاعيد شعره. وهنا، لن أتفاجأ إذا فشل ذهنك في اقتناص اسمي هذين المتورطين في قبح المدعي، لأن آخر ما قد يفكر فيه المرء هو أن يشكو من أمه وأبيه.
قبل أعوام، قررت سيدة أمريكية في عقدها الرابع رفع دعوى قضائية ضد أبويها اللذين يقطنان في نفس البلدة، لأنهما وبشكل ما كانا المسؤولين الوحيدين عن ولادتها قبيحة، زعمت تقول: بعد أن استعاد زوجي 40% من بصره، طلقني مباشرة.
ثمة أسباب منطقية لامتلاكنا ذقنا مشقوقا أو أنفا ذو حواف مستقيمة أو حاجبا متصلا من طرف الوجه إلى الطرف الآخر. ومع ذلك، فمعرفتنا الحالية لا يمكنها كبح جموح تعبير جيناتنا المتوارثة. بمعنى آخر، لا توجد قوة يمكنها منع امتلاك ذقن مشقوق أو حاجبين مقترنين طالما أنها مدونة في لوح جيني مخبأ في مكان بعيد عن متناول العابثين.
لم يكن لدى علماء الوراثة، بأدواتهم وأفكارهم العظيمة، إلا قدر ضئيل من النفوذ فيما يخص التحكم بالجينات، وتبعا لذلك، فسلطة آبائنا عليها يفترض بها لا أن تكون ضئيلة فحسب، بل معدومة أيضا. لذا مبدئيا، وعلى نحو لا لبس فيه، يمكننا أن نعد دعوى السيدة المسعورة باطلة. اليوم، يمكن لعلماء الوراثة معرفة احتمالات انتقال العوامل الوراثية من الآباء إلى أطفالهم عبر كتابة طابور طويل مكون من أربعة أحرف متكررة، وهي الأحرف ذاتها التي تفسر سبب إصابة أحد أقاربي، مثلا، من بين جميع أفراد الأسرة بالتليف الكيسي أو فقر دم حوض البحر الأبيض المتوسط. ومع أنه يمكن التنبؤ، على نحو مؤكد، بمعظم الأمراض الوراثية في مراحل تطور الجنين، يبقى أن حدسنا في التكهن بسمات أطفالنا الخارجية وصفاتهم أمر معقد إلى حد كبير، فصبغة الميلانين لوحدها يؤثر عليها عدد ضخم من جينات غير محصورة تقع على كروموسومات مختلفة، أما فيما يخص ارتفاعنا، فقد رصد ما مجموعه خمسين جينا ومنطقة تتدخل بشكل مباشر للتحكم به، فضلا عن الذكاء وهو موضوعنا الرئيسي الذي هو عبارة عن سمة يتورط فيها عدد هائل من الجينات المتناثرة.
قال دي مونتين، رائد فن المقالة، يوما: إذا تمعن الآخرون في فحص أنفسهم باهتمام كما أفعل، لوجدوا أنفسهم كما وجدت نفسي مليئة بالتفاهة واللغو. عاشت كلمات رجلنا مونتين، المشبّع باللغو، أكثر من أربعة قرون، بينما اندثر صيت ألوف الرجال المدعين للحكمة والعقل في حقبته المعاصرة، وهذا عائد ليس إلى الحظ بطبيعة الحال، وإنما إلى التباين الصارخ في كفاءة دماغه، مهما ادعى التفاهة، عن أقرانه الآخرين. كان ذكاء مونتين ملفتا في القرن السادس عشر لكل من تمعن فيه، وما زاد الأمر دهشة، هو أنه ولد لعائلة تمتهن تجارة النبيذ، عائلة أبعد ما يمكن عن الأدب والفلسفة، وهكذا كان شكسبير ذلك الذي تضاربت الآراء فيما إذا كان والداه في الأصل يجيدان الكتابة أم لا. والسؤال الذي يتملكنا الآن: من أين حصلا على نبوغهما؟ المؤكد أنهما لم يورثاه، الجميع كان مصرا على تلكم الحقيقة. ولكن ماذا لو علمنا أن الذكاء هو أحد أكثر السمات الموروثة بنسبة تصل إلى 22%؟
يتعين على الحملات الواسعة في دراسة توريث الذكاء فتح أعيننا على ما هو أهم من إعطائنا حقيقة حتمية تفيد بعبور مجموعة جينات خاصة بالذكاء على المستوى الجيني للعائلة الواحدة، لأن الاختلافات الفارقة والصريحة في القدرات المعرفية بين الأبناء أنفسهم تثير الشك في النسبة 22%. قد يضخ الزوجان مزيجا متنوعا من الصفات الوراثية المختلفة لكل ابن، ولكن متوسط فارق الذكاء بين أبنائهم يفترض به أن يكون محصورا في نطاق ضيق، إذ إنهم على كل حال يتشاركون الوعاء الجيني ذاته، وعاء فردين، الأم والأب. بيد أننا إذا ما شرعنا في تفحص الآخرين، كما قال مونتين، نجد أن بعضهم قد استحوذ ليس على مجموع ذكاء إخوته فحسب، بل ذكاء مدينة بأكملها.
أعترف أن مسألة توريث الذكاء لها جانبها المزعج في الفهم، وبسبب ذلك ارتأيت طريقا أسهل لتجاوز متاهة الوراثة عبر استحضار حالات التوائم المتطابقة، أولئك الذين يمتلكون حمضا نوويا متطابقا بنسبة 100%، وهذا يعني أن كل فرد منهما، نظريا، يحوز على نسبة ذكاء هي طبق الأصل عن الآخر. ولكن هل تطابق الحقيقة الواقع؟ لا، الأمر مازال معقدا بعض الشيء، دعونا نحاول مجددا في مقال الأسبوع التالي.
قبل أعوام، قررت سيدة أمريكية في عقدها الرابع رفع دعوى قضائية ضد أبويها اللذين يقطنان في نفس البلدة، لأنهما وبشكل ما كانا المسؤولين الوحيدين عن ولادتها قبيحة، زعمت تقول: بعد أن استعاد زوجي 40% من بصره، طلقني مباشرة.
ثمة أسباب منطقية لامتلاكنا ذقنا مشقوقا أو أنفا ذو حواف مستقيمة أو حاجبا متصلا من طرف الوجه إلى الطرف الآخر. ومع ذلك، فمعرفتنا الحالية لا يمكنها كبح جموح تعبير جيناتنا المتوارثة. بمعنى آخر، لا توجد قوة يمكنها منع امتلاك ذقن مشقوق أو حاجبين مقترنين طالما أنها مدونة في لوح جيني مخبأ في مكان بعيد عن متناول العابثين.
لم يكن لدى علماء الوراثة، بأدواتهم وأفكارهم العظيمة، إلا قدر ضئيل من النفوذ فيما يخص التحكم بالجينات، وتبعا لذلك، فسلطة آبائنا عليها يفترض بها لا أن تكون ضئيلة فحسب، بل معدومة أيضا. لذا مبدئيا، وعلى نحو لا لبس فيه، يمكننا أن نعد دعوى السيدة المسعورة باطلة. اليوم، يمكن لعلماء الوراثة معرفة احتمالات انتقال العوامل الوراثية من الآباء إلى أطفالهم عبر كتابة طابور طويل مكون من أربعة أحرف متكررة، وهي الأحرف ذاتها التي تفسر سبب إصابة أحد أقاربي، مثلا، من بين جميع أفراد الأسرة بالتليف الكيسي أو فقر دم حوض البحر الأبيض المتوسط. ومع أنه يمكن التنبؤ، على نحو مؤكد، بمعظم الأمراض الوراثية في مراحل تطور الجنين، يبقى أن حدسنا في التكهن بسمات أطفالنا الخارجية وصفاتهم أمر معقد إلى حد كبير، فصبغة الميلانين لوحدها يؤثر عليها عدد ضخم من جينات غير محصورة تقع على كروموسومات مختلفة، أما فيما يخص ارتفاعنا، فقد رصد ما مجموعه خمسين جينا ومنطقة تتدخل بشكل مباشر للتحكم به، فضلا عن الذكاء وهو موضوعنا الرئيسي الذي هو عبارة عن سمة يتورط فيها عدد هائل من الجينات المتناثرة.
قال دي مونتين، رائد فن المقالة، يوما: إذا تمعن الآخرون في فحص أنفسهم باهتمام كما أفعل، لوجدوا أنفسهم كما وجدت نفسي مليئة بالتفاهة واللغو. عاشت كلمات رجلنا مونتين، المشبّع باللغو، أكثر من أربعة قرون، بينما اندثر صيت ألوف الرجال المدعين للحكمة والعقل في حقبته المعاصرة، وهذا عائد ليس إلى الحظ بطبيعة الحال، وإنما إلى التباين الصارخ في كفاءة دماغه، مهما ادعى التفاهة، عن أقرانه الآخرين. كان ذكاء مونتين ملفتا في القرن السادس عشر لكل من تمعن فيه، وما زاد الأمر دهشة، هو أنه ولد لعائلة تمتهن تجارة النبيذ، عائلة أبعد ما يمكن عن الأدب والفلسفة، وهكذا كان شكسبير ذلك الذي تضاربت الآراء فيما إذا كان والداه في الأصل يجيدان الكتابة أم لا. والسؤال الذي يتملكنا الآن: من أين حصلا على نبوغهما؟ المؤكد أنهما لم يورثاه، الجميع كان مصرا على تلكم الحقيقة. ولكن ماذا لو علمنا أن الذكاء هو أحد أكثر السمات الموروثة بنسبة تصل إلى 22%؟
يتعين على الحملات الواسعة في دراسة توريث الذكاء فتح أعيننا على ما هو أهم من إعطائنا حقيقة حتمية تفيد بعبور مجموعة جينات خاصة بالذكاء على المستوى الجيني للعائلة الواحدة، لأن الاختلافات الفارقة والصريحة في القدرات المعرفية بين الأبناء أنفسهم تثير الشك في النسبة 22%. قد يضخ الزوجان مزيجا متنوعا من الصفات الوراثية المختلفة لكل ابن، ولكن متوسط فارق الذكاء بين أبنائهم يفترض به أن يكون محصورا في نطاق ضيق، إذ إنهم على كل حال يتشاركون الوعاء الجيني ذاته، وعاء فردين، الأم والأب. بيد أننا إذا ما شرعنا في تفحص الآخرين، كما قال مونتين، نجد أن بعضهم قد استحوذ ليس على مجموع ذكاء إخوته فحسب، بل ذكاء مدينة بأكملها.
أعترف أن مسألة توريث الذكاء لها جانبها المزعج في الفهم، وبسبب ذلك ارتأيت طريقا أسهل لتجاوز متاهة الوراثة عبر استحضار حالات التوائم المتطابقة، أولئك الذين يمتلكون حمضا نوويا متطابقا بنسبة 100%، وهذا يعني أن كل فرد منهما، نظريا، يحوز على نسبة ذكاء هي طبق الأصل عن الآخر. ولكن هل تطابق الحقيقة الواقع؟ لا، الأمر مازال معقدا بعض الشيء، دعونا نحاول مجددا في مقال الأسبوع التالي.