ينزع الأمريكيون إذ يأسون على الحادي عشر من سبتمبر وعواقبه طويلة المدى إلى النظر داخليا لتأمل ما خسروه وما خسره بلدهم في "الحرب على الإرهاب". والحق أن الولايات المتحدة فقدت الكثير، من الأنفس والمال والنفوذ والاحترام. كما أن الهجمة وتبعاتها ـ وبخاصة الحربين الكارثيتين في أفغانستان والعراق ـ أضعفت البلد بتأجيج الانقسام والشك، والنيل من الثقة في الحكومة والمؤسسات النخبوية وشحن الاستقطاب بما شوَّه الديمقراطية الأمريكية. لقد كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر علامة على بداية النهاية للعصر الأمريكي مهما يكن قصير العمر.
ولكن الشرق الأوسط كان بلاؤه أكبر من الولايات المتحدة كثيرا. ولو أننا حكمنا في ضوء ما كان يمكن أن يحدث في مقابل ما حدث بالفعل، لرأينا أن العقدين الماضيين كانا الأعلى تكلفة والأشد مأساوية في تاريخ المنطقة المعاصر. إذ أثارت هجمات الحادي عشر من سبتمبر قدرا هائلا من الاهتمام والعمل العالمي بالشرق الأوسط وفيه، فبعض ذلك كانت له جذور من انشغال عميق بالمنطقة وأهلها، ولكن قدرا أكبر كان بدافع من الخوف والغضب. وفي مواضع قليلة بدرت أسباب للأمل، لكنها لم تدم. فكان منحنى التاريخ المعاصر أبعد ما يكون عن الميل إلى العدالة، وأقرب إلى اليأس.
أهذه هي الديمقراطية؟
في الشهور والسنين التالية للحادي عشر من سبتمبر، استغلت الأنظمة العربية الحاكمة حرب الولايات المتحدة على الإرهاب لخوض معاركها الخاصة منقطعة الصلة ـ إلى حد كبير ـ بالإرهاب. وتذرَّعت هذه الأنظمة بخطر الإرهاب السرطاني فاتهمت خصومها المحليين ـ ولم يكن لأغلبهم نشاط عنيف ـ بتقويض أمن الدولة. وأبدى المتطرفون استعدادا كبيرا لتأكيد هذه السردية، لما في ذلك من خدمة لأغراضهم. فقدموا من أشكال الفوضى ما كانت تلك الأنظمة بحاجة إليه تبريرا لإجراءاتها القمعية. فقام انتحاريون في عام 2003 بقتل 33 شخصا في الدار البيضاء، وتلك أسوأ هجمة إرهابية في تاريخ المغرب. ثم وقعت ثلاثة تفجيرات انتحارية في عام 2005 بثلاثة فنادق بالعاصمة الأردنية عمَّان مسفرة عن مصرع 60 شخصا. ونسب الفضل إلى القاعدة في العراق وهي نتاج للتمرد في العراق ونذير بالدولة الإسلامية (المعروفة بداعش).
لم يحدث يوما أن تردد الطغاة العرب في استعمال التهديدات الأمنية لإسكات المعارضة، ولكن الحرب على الإرهاب أتاحت لهم مهاجمة خصومهم بحمية متجددة. فشهد العقد التالي لـ11/9 إغلاق حكومات عربية لفضاءات سياسية واتخاذها إجراءات مشددة ضد جماعات إسلامية غير عنيفة، مثل الإخوان المسلمين، وكذلك منظمات علمانية وجماعات عاملة في المجتمع المدني. وقد حدث هذا برغم سعي الرئيس جورج بوش الابن إلى تطبيق ما أطلق عليه "أجندة الحرية". وقدَّرت إدارة بوش أن شعوب الشرق الأوسط أكثر عرضة للجوء إلى العنف عندما تعوزهم السبل السلمية للتعبير عن مظالمهم. وعليه فإن أحداث 11/9 لم تقع لأن العرب كارهون للحرية بل لأن مزيجا ساما من القهر والعجز السياسي أثمر غضبا وإحباطا. وهذا منطقى من الناحية النظرية. ومن الناحية العملية فرض بوش ضغوطا على بعض حلفاء الولايات المتحدة المستبدين في الشرق الأوسط بما أسهم في الربيع العربي الأول (المنسي إلى حد كبير) مثلما عرف في وقته بين نشطاء المنطقة، والذي شهد اندلاعا لمظاهرات جماعية في البحرين ومصر ولبنان في عامي 2004 و2005.
في عام 2006، اعترف لي، على مضض، محمد مهدي عاكف زعيم الإخوان المسلمين في مصر بأن ضغط بوش على الدكتاتورية المصرية فتح المجال للمعارضة. وقال لي قيادي آخر في الإخوان المسلمين هو عبدالمنعم أبو الفتوح إن "الجميع يعلمون... أننا استفدنا، والجميع استفادوا، والشعب المصري استفاد". وحدث أن أصدرت جماعة الإخوان المسلمين مبادرة إصلاح جديدة في مارس من عام 2004، في الوقت الذي كانت إدارة بوش تعمل فيه على إعلان المبادرة التي عرفت بمبادرة الشرق الأوسط الكبير. ولم يكن ذلك التزامن وليد الصدفة.
لكن الضغط لم يستمر. بعدما أحرزت الحركات الإسلامية مكتسبات في أرجاء المنطقة وبخاصة بعد فوز حماس الانتخابي المفاجئ في الأراضي الفلسطينية سنة 2006 رأت إدارة بوش أن أفق الديمقراطية العربية أقل جاذبية مما كان يفترض به في البداية. فضلا عن ذلك، من أجل إحلال الاستقرار في عراق ما بعد الغزو ومواجهة إيران، كانت الإدارة بحاجة ماسة إلى تعاون الحلفاء المستبدين، وبدا أن طلب المزيد من التعاون في ظل التهديد بتخفيض المعونات أمر محفوف بالمخاطر.
أمل لكن بلا تغيير
في عام 2008، استغل سيناتور أمريكي غير معروف إلى حد كبير يدعى باراك أوباما خطايا حرب العراق ووصمة التعذيب الأخلاقية وترشح للانتخابات الرئاسية واعدا بحقبة جديدة في السياسة الخارجية الأمريكية. وفي مناقضة صارخة لخصمه الجمهوري جون مكين راهن أوباما ـ مصيبا في رهانه ـ على أن الأمريكيين متأهبون للتغيير. وكان من أوائل أعماله الرئاسية الكبرى إلقاء خطبة مدوية في القاهرة سنة 2009، هادفة إلى عرض مقترح بـ"بداية جديدة" مع العالم الإسلامي.
في السنة التالية، بزغت أولى ومضات الربيع العربي في تونس وانتشرت منها إلى المنطقة. وبعد أن أطاح المصريون بحسني مبارك في فبراير من عام 2011، شاع بين الكتاب في المنطقة وخارجها القول بأن الشعب المصري لن يسمح بأن يحكمه طاغية مرة أخرى. فقد عثر الشعب على صوته، ولعل الأهم أنه استرد كرامته.
لكن التفاؤل الذي أثارته تلك التطورات كان قصير العمر. فما كاد ينقضي عامان حتى أطاح الجيش المصري ـ بقيادة المشير عبدالفتاح السيسي ـ بحكومة منتخبة ديمقراطيا برئاسة محمد مرسي القيادي الإخواني العتيد. ورغم أن ذلك لم يضع نقطة النهاية للربيع العربي إلا أن مذبحة رابعة التي وقعت بعد ذلك بستة أسابيع وضعت نقطة النهاية. إذ تحركت قوات الأمن المصرية في الرابع عشر من أغسطس سنة 2013 لإنهاء معسكر احتجاجي هائل في القاهرة، وقتل خلال ذلك المئات من أنصار مرسي.
بعد سنة من مظاهرات معادية للنظام في مصر، قد تكون صغيرة لكنها دالة، عمَّ مصر هدوء مشوب بالتوتر. واعتقل في مصر عشرات الآلاف وحكم على المئات بالإعدام، وصدرت سلسلة من القوانين لتجريم المعارضة. ويتبين أن بالإمكان سحق روح الشعب، ولو مؤقتا على أقل تقدير. أعيد بناء جدار الخوف في مصر، ومهما يكن وهن أسسه، فإنه يبقى هائلا. ولو أن لنا في التاريخ هاديا، فإن اللجوء إلى القمع قد يثبت فعاليته لفترات طوال. فبعد مذبحة حماة في سوريا سنة 1982 قتل نظام حافظ الأسد عشرات آلاف من مواطنيه، واستغرق السوريون تسعة وعشرين عاما لاستجماع شجاعتهم كي يثوروا من جديد. وبعد انقلاب 1992 العسكري الذي أنهى تجربة الجزائر الديمقراطية القصيرة، مرَّت 27 سنة قبل أن يتمكن الجزائريون من القيام مرة أخرى بحكرة تظاهرية واسعة النطاق.
مع تراجع مركزية الصراع العربي الإسرائيلي (لولا صراعات دورية)، ركزت الأنظمة العربية الحاكمة المزيد من الموارد والاهتمام على شعوبها الخاصة، وإن لم يكن ذلك بالضرورة من أجل تحسين أحوالها. وسحقت بعض الحكومات العربية بلا رحمة بوادر المعارضة الداخلية. ويبدو في الوقت الراهن أن هذا القمع نجح في إخضاع الشعوب الغربية.
لا تحبسوا أنفاسكم
عاشت شعوب الشرق الأوسط خلال العشرين عاما الماضية ما يعدل تاريخا بأكمله: الحرب على الإرهاب، حرب العراق، الربيع العربي، صعود داعش. فضلا عن ثورات وثورات مضادة. وشهدت بلاد متنوع تنوع ليبيا وسوريا واليمن السياسة وكأنها الحرب والحرب في غياب السياسة. واستولى الإنهاك السياسي على شعوب الشرق الأوسط.
والعكس صحيح في حالة الأنظمة التي تحكم هذه الشعوب. فمن سخرية القدر أن الربيع العربي نفخ روحا جديدة في دول عربية كانت بادية الاحتضار. فقد اعتمدت بلاد مثل مصر طويلا على الإجراءات القمعية لكنها ظلت تعزف عن المضي بها حتى منتهاها المنطقي ـ من قبيل القوة الغاشمة الظاهرة في فعل إطلاق النار على حشد هائل من المتظاهرين. كما أن تهديد الاضطرابات والإطاحة دفع تلك الأنظمة إلى تبني وتأكيد "دولتيتها" و"قوميتها"، ومن ذلك بلاد كانت من قبل تعرِّف نفسها في المقام الأول وفق اعتبارات دينية لا قومية.
وأعادت حكومات بلاد مثل الأردن والمغرب والإمارات العربية المتحدة تقديم أنفسها بوصفها أنصارا لـ"الإسلام المعتدل"، وقدمت كل منها نسختها الوطنية الخاصة من هذه الفكرة. وفي ثنايا القيام بذلك، سعت إلى مجابهة التحديات الأيديولوجية الناجمة عن الجماعة الإسلامية مثل الإخوان المسلمين. وفي رأيها أن الارتقاء بأمة يكون بتقوية الدولة، وتقوية الدولة يكون بتركيز السلطة وزيادة القدرات القسرية، وتلجيم المعارضة.
عند الإشارة إلى الاضطراب الذي أثارته انتفاضات 2011 تذهب الأنظمة الاستبدادية إلى أن الوقت الحالي ليس ملائما للديمقراطية، والإصلاح السياسي أو أي شيء من شأنه تحدي هيبة الدولة. ولو أن للشرق الأوسط شعارا اليوم فهو "الدولة فوق الجميع". والدولة لم تعد تعني بالأساس وسيلة إلى غايات، سواء أهي التشغيل الكامل أو التنمية والتنويع في الاقتصاد، ولكن الدولة لها ما يبررها في ذاتها.
وهو ما يضع المراقبين الدوليين في مأزق: فالدول الأقوى والأكثر فعالية هي الأفضل تنفيذا للإصلاحات الاقتصادية ومكافحة الشبكات الإرهابية والمطالبة باحتكار القوة. لكن تحسين فعالية الدولة، في سياق الشرق الأوسط على الأقل، ينزع إلى أن يكون في الوقت نفسه تقوية وترسيخا لقدراتها القمعية. وهذه مفارقة أوقعت الكثير من الرؤساء الأمريكيين السابقين، كما أنها تسبب بالفعل صداعا في رأس الرئيس جو بايدن الذي يرى أن الشرق الأوسط يشتته عن أولويات أخرى.
تمثل عودة الشرق الأوسط إلى القمع شاهد قبر مؤسيا لحقبة ما بعد 11/9. فعلى مدار العقدين المنصرمين، أبدى العرب مرارا رغبتهم في بدائل سياسية تتجاوز عدمية الجماعات الجهادية مثل القاعدة وداعش. وأظهرت شعوب المنطقة شجاعة غير قليلة، إذ خاطر المتظاهرون والمعارضون بحياتهم وسبل عيشهم سعيا إلى تقرير المصير. وقد فعلت الأغلبية الساحقة منهم ذلك سلميا وضخت في الخطاب العام طاقة جديدة مثيرة للاهتمام. باختصار، كانت السياسة في العالم العربي مفعمة بالحياة. لكن ذلك لم يكن كافيا. فأفلتت اللحظة، وما من أسباب وجيهة للأمل أو للتفاؤل. ولقد سئم الأمريكيون من الشرق الأوسط، وكذلك الشعوب التي تعيش فيه.
• كاتب المقال هو كبير زملاء مركز سياسة الشرق الأوسط في معهد بروكنجز.
• نشر المقال في مجلة فورين أفيرز الأمريكية بتاريخ 8 سبتمبر 2021
ولكن الشرق الأوسط كان بلاؤه أكبر من الولايات المتحدة كثيرا. ولو أننا حكمنا في ضوء ما كان يمكن أن يحدث في مقابل ما حدث بالفعل، لرأينا أن العقدين الماضيين كانا الأعلى تكلفة والأشد مأساوية في تاريخ المنطقة المعاصر. إذ أثارت هجمات الحادي عشر من سبتمبر قدرا هائلا من الاهتمام والعمل العالمي بالشرق الأوسط وفيه، فبعض ذلك كانت له جذور من انشغال عميق بالمنطقة وأهلها، ولكن قدرا أكبر كان بدافع من الخوف والغضب. وفي مواضع قليلة بدرت أسباب للأمل، لكنها لم تدم. فكان منحنى التاريخ المعاصر أبعد ما يكون عن الميل إلى العدالة، وأقرب إلى اليأس.
أهذه هي الديمقراطية؟
في الشهور والسنين التالية للحادي عشر من سبتمبر، استغلت الأنظمة العربية الحاكمة حرب الولايات المتحدة على الإرهاب لخوض معاركها الخاصة منقطعة الصلة ـ إلى حد كبير ـ بالإرهاب. وتذرَّعت هذه الأنظمة بخطر الإرهاب السرطاني فاتهمت خصومها المحليين ـ ولم يكن لأغلبهم نشاط عنيف ـ بتقويض أمن الدولة. وأبدى المتطرفون استعدادا كبيرا لتأكيد هذه السردية، لما في ذلك من خدمة لأغراضهم. فقدموا من أشكال الفوضى ما كانت تلك الأنظمة بحاجة إليه تبريرا لإجراءاتها القمعية. فقام انتحاريون في عام 2003 بقتل 33 شخصا في الدار البيضاء، وتلك أسوأ هجمة إرهابية في تاريخ المغرب. ثم وقعت ثلاثة تفجيرات انتحارية في عام 2005 بثلاثة فنادق بالعاصمة الأردنية عمَّان مسفرة عن مصرع 60 شخصا. ونسب الفضل إلى القاعدة في العراق وهي نتاج للتمرد في العراق ونذير بالدولة الإسلامية (المعروفة بداعش).
لم يحدث يوما أن تردد الطغاة العرب في استعمال التهديدات الأمنية لإسكات المعارضة، ولكن الحرب على الإرهاب أتاحت لهم مهاجمة خصومهم بحمية متجددة. فشهد العقد التالي لـ11/9 إغلاق حكومات عربية لفضاءات سياسية واتخاذها إجراءات مشددة ضد جماعات إسلامية غير عنيفة، مثل الإخوان المسلمين، وكذلك منظمات علمانية وجماعات عاملة في المجتمع المدني. وقد حدث هذا برغم سعي الرئيس جورج بوش الابن إلى تطبيق ما أطلق عليه "أجندة الحرية". وقدَّرت إدارة بوش أن شعوب الشرق الأوسط أكثر عرضة للجوء إلى العنف عندما تعوزهم السبل السلمية للتعبير عن مظالمهم. وعليه فإن أحداث 11/9 لم تقع لأن العرب كارهون للحرية بل لأن مزيجا ساما من القهر والعجز السياسي أثمر غضبا وإحباطا. وهذا منطقى من الناحية النظرية. ومن الناحية العملية فرض بوش ضغوطا على بعض حلفاء الولايات المتحدة المستبدين في الشرق الأوسط بما أسهم في الربيع العربي الأول (المنسي إلى حد كبير) مثلما عرف في وقته بين نشطاء المنطقة، والذي شهد اندلاعا لمظاهرات جماعية في البحرين ومصر ولبنان في عامي 2004 و2005.
في عام 2006، اعترف لي، على مضض، محمد مهدي عاكف زعيم الإخوان المسلمين في مصر بأن ضغط بوش على الدكتاتورية المصرية فتح المجال للمعارضة. وقال لي قيادي آخر في الإخوان المسلمين هو عبدالمنعم أبو الفتوح إن "الجميع يعلمون... أننا استفدنا، والجميع استفادوا، والشعب المصري استفاد". وحدث أن أصدرت جماعة الإخوان المسلمين مبادرة إصلاح جديدة في مارس من عام 2004، في الوقت الذي كانت إدارة بوش تعمل فيه على إعلان المبادرة التي عرفت بمبادرة الشرق الأوسط الكبير. ولم يكن ذلك التزامن وليد الصدفة.
لكن الضغط لم يستمر. بعدما أحرزت الحركات الإسلامية مكتسبات في أرجاء المنطقة وبخاصة بعد فوز حماس الانتخابي المفاجئ في الأراضي الفلسطينية سنة 2006 رأت إدارة بوش أن أفق الديمقراطية العربية أقل جاذبية مما كان يفترض به في البداية. فضلا عن ذلك، من أجل إحلال الاستقرار في عراق ما بعد الغزو ومواجهة إيران، كانت الإدارة بحاجة ماسة إلى تعاون الحلفاء المستبدين، وبدا أن طلب المزيد من التعاون في ظل التهديد بتخفيض المعونات أمر محفوف بالمخاطر.
أمل لكن بلا تغيير
في عام 2008، استغل سيناتور أمريكي غير معروف إلى حد كبير يدعى باراك أوباما خطايا حرب العراق ووصمة التعذيب الأخلاقية وترشح للانتخابات الرئاسية واعدا بحقبة جديدة في السياسة الخارجية الأمريكية. وفي مناقضة صارخة لخصمه الجمهوري جون مكين راهن أوباما ـ مصيبا في رهانه ـ على أن الأمريكيين متأهبون للتغيير. وكان من أوائل أعماله الرئاسية الكبرى إلقاء خطبة مدوية في القاهرة سنة 2009، هادفة إلى عرض مقترح بـ"بداية جديدة" مع العالم الإسلامي.
في السنة التالية، بزغت أولى ومضات الربيع العربي في تونس وانتشرت منها إلى المنطقة. وبعد أن أطاح المصريون بحسني مبارك في فبراير من عام 2011، شاع بين الكتاب في المنطقة وخارجها القول بأن الشعب المصري لن يسمح بأن يحكمه طاغية مرة أخرى. فقد عثر الشعب على صوته، ولعل الأهم أنه استرد كرامته.
لكن التفاؤل الذي أثارته تلك التطورات كان قصير العمر. فما كاد ينقضي عامان حتى أطاح الجيش المصري ـ بقيادة المشير عبدالفتاح السيسي ـ بحكومة منتخبة ديمقراطيا برئاسة محمد مرسي القيادي الإخواني العتيد. ورغم أن ذلك لم يضع نقطة النهاية للربيع العربي إلا أن مذبحة رابعة التي وقعت بعد ذلك بستة أسابيع وضعت نقطة النهاية. إذ تحركت قوات الأمن المصرية في الرابع عشر من أغسطس سنة 2013 لإنهاء معسكر احتجاجي هائل في القاهرة، وقتل خلال ذلك المئات من أنصار مرسي.
بعد سنة من مظاهرات معادية للنظام في مصر، قد تكون صغيرة لكنها دالة، عمَّ مصر هدوء مشوب بالتوتر. واعتقل في مصر عشرات الآلاف وحكم على المئات بالإعدام، وصدرت سلسلة من القوانين لتجريم المعارضة. ويتبين أن بالإمكان سحق روح الشعب، ولو مؤقتا على أقل تقدير. أعيد بناء جدار الخوف في مصر، ومهما يكن وهن أسسه، فإنه يبقى هائلا. ولو أن لنا في التاريخ هاديا، فإن اللجوء إلى القمع قد يثبت فعاليته لفترات طوال. فبعد مذبحة حماة في سوريا سنة 1982 قتل نظام حافظ الأسد عشرات آلاف من مواطنيه، واستغرق السوريون تسعة وعشرين عاما لاستجماع شجاعتهم كي يثوروا من جديد. وبعد انقلاب 1992 العسكري الذي أنهى تجربة الجزائر الديمقراطية القصيرة، مرَّت 27 سنة قبل أن يتمكن الجزائريون من القيام مرة أخرى بحكرة تظاهرية واسعة النطاق.
مع تراجع مركزية الصراع العربي الإسرائيلي (لولا صراعات دورية)، ركزت الأنظمة العربية الحاكمة المزيد من الموارد والاهتمام على شعوبها الخاصة، وإن لم يكن ذلك بالضرورة من أجل تحسين أحوالها. وسحقت بعض الحكومات العربية بلا رحمة بوادر المعارضة الداخلية. ويبدو في الوقت الراهن أن هذا القمع نجح في إخضاع الشعوب الغربية.
لا تحبسوا أنفاسكم
عاشت شعوب الشرق الأوسط خلال العشرين عاما الماضية ما يعدل تاريخا بأكمله: الحرب على الإرهاب، حرب العراق، الربيع العربي، صعود داعش. فضلا عن ثورات وثورات مضادة. وشهدت بلاد متنوع تنوع ليبيا وسوريا واليمن السياسة وكأنها الحرب والحرب في غياب السياسة. واستولى الإنهاك السياسي على شعوب الشرق الأوسط.
والعكس صحيح في حالة الأنظمة التي تحكم هذه الشعوب. فمن سخرية القدر أن الربيع العربي نفخ روحا جديدة في دول عربية كانت بادية الاحتضار. فقد اعتمدت بلاد مثل مصر طويلا على الإجراءات القمعية لكنها ظلت تعزف عن المضي بها حتى منتهاها المنطقي ـ من قبيل القوة الغاشمة الظاهرة في فعل إطلاق النار على حشد هائل من المتظاهرين. كما أن تهديد الاضطرابات والإطاحة دفع تلك الأنظمة إلى تبني وتأكيد "دولتيتها" و"قوميتها"، ومن ذلك بلاد كانت من قبل تعرِّف نفسها في المقام الأول وفق اعتبارات دينية لا قومية.
وأعادت حكومات بلاد مثل الأردن والمغرب والإمارات العربية المتحدة تقديم أنفسها بوصفها أنصارا لـ"الإسلام المعتدل"، وقدمت كل منها نسختها الوطنية الخاصة من هذه الفكرة. وفي ثنايا القيام بذلك، سعت إلى مجابهة التحديات الأيديولوجية الناجمة عن الجماعة الإسلامية مثل الإخوان المسلمين. وفي رأيها أن الارتقاء بأمة يكون بتقوية الدولة، وتقوية الدولة يكون بتركيز السلطة وزيادة القدرات القسرية، وتلجيم المعارضة.
عند الإشارة إلى الاضطراب الذي أثارته انتفاضات 2011 تذهب الأنظمة الاستبدادية إلى أن الوقت الحالي ليس ملائما للديمقراطية، والإصلاح السياسي أو أي شيء من شأنه تحدي هيبة الدولة. ولو أن للشرق الأوسط شعارا اليوم فهو "الدولة فوق الجميع". والدولة لم تعد تعني بالأساس وسيلة إلى غايات، سواء أهي التشغيل الكامل أو التنمية والتنويع في الاقتصاد، ولكن الدولة لها ما يبررها في ذاتها.
وهو ما يضع المراقبين الدوليين في مأزق: فالدول الأقوى والأكثر فعالية هي الأفضل تنفيذا للإصلاحات الاقتصادية ومكافحة الشبكات الإرهابية والمطالبة باحتكار القوة. لكن تحسين فعالية الدولة، في سياق الشرق الأوسط على الأقل، ينزع إلى أن يكون في الوقت نفسه تقوية وترسيخا لقدراتها القمعية. وهذه مفارقة أوقعت الكثير من الرؤساء الأمريكيين السابقين، كما أنها تسبب بالفعل صداعا في رأس الرئيس جو بايدن الذي يرى أن الشرق الأوسط يشتته عن أولويات أخرى.
تمثل عودة الشرق الأوسط إلى القمع شاهد قبر مؤسيا لحقبة ما بعد 11/9. فعلى مدار العقدين المنصرمين، أبدى العرب مرارا رغبتهم في بدائل سياسية تتجاوز عدمية الجماعات الجهادية مثل القاعدة وداعش. وأظهرت شعوب المنطقة شجاعة غير قليلة، إذ خاطر المتظاهرون والمعارضون بحياتهم وسبل عيشهم سعيا إلى تقرير المصير. وقد فعلت الأغلبية الساحقة منهم ذلك سلميا وضخت في الخطاب العام طاقة جديدة مثيرة للاهتمام. باختصار، كانت السياسة في العالم العربي مفعمة بالحياة. لكن ذلك لم يكن كافيا. فأفلتت اللحظة، وما من أسباب وجيهة للأمل أو للتفاؤل. ولقد سئم الأمريكيون من الشرق الأوسط، وكذلك الشعوب التي تعيش فيه.
• كاتب المقال هو كبير زملاء مركز سياسة الشرق الأوسط في معهد بروكنجز.
• نشر المقال في مجلة فورين أفيرز الأمريكية بتاريخ 8 سبتمبر 2021