تأسست الجامعة العربية عام ١٩٤٥، أي قبل تأسيس الأمم المتحدة بأشهر. وقد علق أكثر العرب آمالا كبارًا عليها لا سيما في المجلات السياسية والاقتصادية والثقافية. وكان من بين أهدافها عند تأسيسها «التوسط في حل النزاعات التي تنشأ بين دولها أو النزاعات بين دولها و أطراف ثالثة».
لسنا هنا للحديث عن الأهداف العظمى للجامعة مثل «الدفاع العربي المشترك» و«الوحدة الاقتصادية العربية»، فذلك كان حلمًا صعب المنال في الماضي وأصبح سرابًا يستحيل الوصول إليه في الحاضر. كما أننا لسنا بصدد تقييم شامل لمسيرة الجامعة العربية من حيث نجاحاتها وإخفاقاتها فقد قيل في ذلك الكثير. لكن الأزمة التي تمر بها حاليا العلاقات بين الجزائر والمغرب أضافت المزيد من الإحباط والأسى والأسف على ما وصل إليه حال العلاقات بين الدول العربية.
منذ تأسيس الجامعة مرت الدول العربية بعدد كبير من النزاعات، كان أهمها ولا يزال عند بعض الدول وأكثر الشعوب العربية، الصراع مع «إسرائيل». كذلك ظهر عدد كبير من النزاعات سواء داخل الدولة الواحدة أو بين دولة ودولة أخرى من أعضائها أو من غير أعضائها. ومن أبرز تلك النزاعات ما حدث ويحدث في لبنان منذ استقلاله، ثم الحرب الأهلية في السودان، التي أدت إلى انفصال جنوبه. كذلك النزاع حول الصحراء الغربية، الذي عمق الخلاف بين الجزائر والمغرب، ثم الحرب الأهلية في الصومال التي تلت حربًا ضروسا بينها وبين أثيوبيا. ثم الحرب العراقية الإيرانية، التي تلاها الغزو العراق للكويت، وتلاها الحصار فالغزو الأمريكي للعراق وما صاحبه وأعقبه من ويلات لا يزال العراق يعاني منها إلى اليوم. وباستثناء بعض المحاولات التي قامت بها الجامعة في خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي للتوسط في الحرب الأهلية اللبنانية، فإنها لم تقم بجهد يذكر في حل أي نزاع عربي- عربي، دعك عن النجاح في ذلك. وقد زاد الوضع سواء في السنوات الأخيرة، خاصة مع بدءِ ما أسماه البعض «الربيع العربي»، الذي كان يؤمل منه أن ينقل الدول والشعوب العربية إلى مرحلة جديدة تقوم على العدل والحرية ومنع التدخلات الأجنبية. لكن ذاك «الربيع» للأسف أنبتَ زقومًا وأنتج غسلينا، فحول بعض الدول إلى خراب ويباب، كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن. ورغم مرور أكثر من عشر سنوات لا تزال الدول الثلاث وشعوبها تعاني ما لم تعانه أيٌّ من دول المنطقة في التاريخ الحديث. لم يكن للجامعة العربية أي دور إيجابي في إصلاح ذات البين العربية، بل إن دورها ساهم في بعض الأحيان في مزيد من الدمار، كما حدث قبل عشر سنوات في ليبيا حين دعت الجامعة حلف شمال الأطلسي وآخرون من دونهم إلى التدخل العسكري ضد الحكومة القائمة هناك. كما أن كل ما فعلته في المحنة السورية الحالية هو قيامها بفصل سوريا من عضويتها، الأمر الذي جعل سوريا في عزلة خانقة على المستوى الدولي، وهو ما أدى إلى استفراد «إسرائيل» وقوى دولية وإقليمية أخرى بها، كما سهل للإرهابيين من شتى بقاع الأرض التدفق اليها ونشر الرعب فيها. المعلوم أن الفصل من عضوية الجامعة العربية أداة بالية، استخدمتها الجامعة منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، حيث تم على مدى سنوات فصل كل من اليمن الجنوبي ومصر والعراق ثم ليبيا وسوريا، ولكنها حيلة من لا حيلة له.
مع أن الوضع في سوريا وليبيا واليمن أصبح الآن أقرب إلى الهدوء، لكن لم يكن للجامعة العربية أي دور في ذلك، فكل الترتيبات وجولات «المصالحة» كانت تتم برعاية دول أخرى وخارج إطار الجامعة العربية. وقد كان من نتائج غياب دور الجامعة العربية وأعضائها عن إيجاد حل لمشاكل الدول الثلاث أنّ إعادة الأمن والسلم فيها أصبح مرهونا بإرادات وإملاءات القوى الدولية والإقليمية. كما أنه أصاب اللحمة الوطنية في تلك الدول بمزيد من الضعف، حيث أصبح للقوى السياسية فيها مرجعيات من الخارج تؤثر في خيارات وإرادة شعوبها.
وعودًا إلى موضوع التدهور في العلاقات الجزائرية المغربية، فبعد قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما صدر بيان عن الجامعة العربية، جاء فيه أن على الدولتين إعادة العلاقات بينهما في أقرب وقت. وبالنظر إلى تاريخ العلاقات بين الدولتين، والتي بدأت في التوتر بُعَيد استقلال الجزائر، ثم زادت تعقيدا مع انسحاب أسبانيا من الصحراء الغربية وسيطرة المغرب عليها، فإن بيان الجامعة العربية كان باهتًا وغير ذي أثر، وكأنه من باب رفع العتب، خاصة وأن علاقات البلدين متوترة والحدود البرية بينها مغلقة منذ سنوات، الأمر الذي يجعل العلاقات الاقتصادية بينهما شبه مقطوعة وهو ما يزيد من معانات الشعبين ومن شعورهما بالمرارة تجاه بعضهما البعض. إن المبادرة في التوسط في النزاعات بين الدول العربية تقع على عاتق الأمانة العام للجامعة. وبالنظر إلى تاريخ العلاقة بين الجزائر والمغرب والحالة التي وصلت اليها مؤخرا إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، فإنه على الأمين العام للجامعة عدم الاكتفاء ببيان لرفع العتب، بل لا بد من القيام بجهد أكبر، ليس فقط لإعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة، ولكن بالعمل على قيام علاقات طبيعية بينهما، وهي علاقات بطبعها قوية لكونهما بلدين جارين ولهما ثقلهما السياسي والاقتصادي، وهما عضوان في اتحاد المغرب العربي وما يشمله من اتفاقيات تنظم العلاقات بين دوله في مختلف المجالات، وهما عضوان كذلك في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى في إطار الجامعة العربية. وبدون استئناف العلاقات الدبلوماسية وفتح الحدود بينهما بصورة عاجلة، ستبقى العلاقات متوترة بين البلدين، وسينعكس ذلك سلبًا على المصالح الاقتصادية وصلات القربى والجوار بين شعبيهما، وقد يؤدي إلى نزاع مسلح، لا قدّر الله.
إن هذا التاريخ الطويل من الضعف في أداء الجامعة العربية جعل الكثيرين من العرب، سواء منهم المدفوعين بالعاطفة الجياشة تجاه أمتهم أو الذين يحكم أفعالهم العقل والمنطق، يتساءلون عن سبب عدم نجاحها في القيام بأبسط مسؤولياتها، وهو التوسط في النزاعات التي تقع بين أعضائها. ويتساءل البعض كذلك عما إذا كان ذلك الإخفاق ناتج عن تمنع الجامعة عن القيام بواجباتها، أم هو ناتج عن عدم قدرتها على القيام بذلك، لأن «إرادة الجامعة وقدرتها هي من إرادة و قدرة أعضائها». وإذا كان عدم النجاح يعود إلى تقصير أو قصور في آلية اتخاذ القرار على مستوى الأمانة العامة للجامعة وجهازها التنفيذي فلماذا لم يتم إصلاح الوضع طوال هذه السنين؟ بل إن هناك من يتساءل عن الجدوى السياسية والاقتصادية من بقاء الجامعة، وما إذا كان من الأجدى إنهاء دورها السياسي والاقتصادي، وحصر نشاطها في الجوانب الثقافية على اعتبار أن الثقافة أسمى من السياسة والاقتصاد، وهي على عكس السياسة والتنافس الاقتصادي تجمع ولا تفرق، وبحاجة إلى جهد مشترك من جميع الدول العربية، خاصة في المجالات المتعلقة باللغة والتراث المشترك بين العرب.
أخيرا، وخلال كتابة هذا المقال قرأت مقالا نشرته مجلة THE ECONOMIST في عددها الصادر أواخر أغسطس الماضي، وكان بعنوان «لماذا توجد أزمة هوية في العالم العربي»؟ ورغم أن المقال موضوعي إلى درجة كبيرة، لكني أعتقد أنه من الصعب عاطفيا قبوله من الذين نشأوا في زمن كانت فيه الجامعة العربية رمزا حاضرًا لأمة عظمية، أو الذين ساهموا فيما يعرف في الأدبيات السياسية «العمل العربي المشترك»، خاصة وأن المقال قد وصف مبنى جامعة الدول العربية بالقاهرة بأنه «يقف كنصب تذكاري لعصر مضى!».
___________
* باحث في الاقتصاد السياسي و قضايا التنمية