بشرى خلفان

- نحن نموت

حتى ينال مصور - التايمز- الجائزة.

لا أعرف إن كان الشاعر الأفغاني إلياس علوي، يقصد المصور الأمريكي ستيف ماكروي بما قاله أعلاه أم لا، لكني أعرف أن ماكروي التقط صورة لفتاة أفغانية، وأن تلك الصورة أصبحت أيقونة الحرب في أفغانستان.

جاء ماكروي إلى مسقط في ديسمبر ٢٠١٤، وفي ندوة مصغرة، تحدث عن تلك الصورة، وعن انشداده لتلك النظرة في عين الفتاة، النظرة التي وصفها بأنها ثاقبة، والتي رأيت أنا فيها نظرة لوم طويلة، لوم ممتزج بألم ناري، حارق.

نظرة اختلط فيها الغضب بالقهر والحزن، نظرة حادة كما قال، حتى أنها تخترقك، مثل رصاصة أجيد تصويبها، تخترقك بصمت بارد، فتترك ثقبًا حارقًا في روحك.

يقول ماكروي - عندما رأيت تلك النظرة في عينيها الخضراوين عرفت أن هذه الصورة هي الصورة الوحيدة التي أريد التقاطها -، وكأنه بذلك أراد أن يؤيد الحرب، من خلال صورة انعكاسها الأعمق في روح ضحاياها، أو ليست - كل صورة هي في الأصل نفي للزمن من حيث هي تأبيد للحظة -، كما يقول سعيد بن كراد.

التقط ماكروي لا وجه الفتاة، ولا حتى عينيها، بل التقط وبكل مهارة النظرة فيها، حيث يكمن المعنى، كل المعنى، وحتى نفهم ذلك، علينا أن نطالع الصورة، ثم أن نتأمل تلك النظرة، وأن نسمح لأرواحنا بأن تذوب فيها، لتعرف كل الكلام، كل الرعب، الذي خبأه الصمت وتحدثت به تلك العيون الخضراء الهائلة في بلاغتها، الرعب الذي نبت ربما من لحظة إصابة الصواريخ السوفياتية لبيتهم، ومقتل أبيها وأمها، وما تلاه من ويلات، ولجوء من تبقى من العائلة إلى باكستان. ماكروي أراد إذا أن يؤيد النظرة لا الوجه، معانيها الحارقة لا خضرتها، أليس سر كل وجه في عينيه، وسر كل عين نظرتها؟!

عرفت النظرة في العيون الخضراء، وأصبحت في كل معانيها، تعنْون حال الشعب الأفغاني المطحون بأتون الحروب، وتوالي أشكال الاستعمار عليه.

كان اسم الفتاة شربات غولا، وكانت عندما وجدها فريق بحث ناشيونال جيوغرافي بعد سنوات طويلة، قد كبرت سبعة عشر عامًا، شاخ وجهها وملأته التجاعيد مبكرا، لكن مع ذلك لم تفقد تلك النظرة حرقة ألمها، بل تزايد فيها اللوم، بزيادة عدد السنوات التي فصلت بين اللقطة الأولى واللقطة الثانية، كل تلك الأعوام التي مرت، وهي وأفغانستان حبيستا لعبة الأمم ومطامعها.

التقط ستيف ماكروي تلك الصورة، وربما فاز بجائزة عنها، وربما لم يفز، لكن الواضح أن الشعب الأفغاني ما زال يعاني، وما زال حتى اللحظة يموت بطرق دموية شنيعة، سواء كان موته بسلاح الاستعمار، أو بسلاح الخوف والفقر والجهل.