أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
تشهد المجتمعات في هذا العصر «الحديث» نزعة تراجع الروابط الأخلاقية، ويرى المنظرون في الشأن الاجتماعي، أن هذه النزعة مردها لاعتبارات كثيرة، يأتي في مقدمتها الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي، وامتلاك كل فرد وسيلته الخاصة للتعبير عما يجيش في أعماقه، حيث يرى فيها حريته المطلقة ليقول ما يريد، ويفعل ما يريد، ويسبح عبر هذا العالم الفضائي اللامتناهي إلى أي مكان يريد، وانعكاسا لهذه الحرية المطلقة، أرخت في الأنفس نوعا من اللاالتزام بأي محدد كان: أخلاقيا، قانونيا، عرفيا، قيميا، ولم تبق إلا المصلحة الخاصة فقط، هي الموجهة في تقنين هذا السلوك الخطابي من غيره، فقط،
أما بخلاف ذلك فكل شيء، يبدو، متاحا لمن يريد أن يتنصل من كل القيم الضابطة لسلوكه اللفظي، وسلوكه المادي، ولذلك فلا غرابة أن ترى اللامبالاة بالروابط والعلاقات التي تجمع بين الناس في المجتمع الواحد، وإن خضعت للمفهوم النسبي في الممارسة، أو تقرأ، أو تسمع، السب واللعن العلني على منصات وسائل وأدوات التواصل الاجتماعي، فهي في مجملها «هبة» سلوكية غير معتادة، من جانب، وغير مستساغة، من جانب، وغير مبررة، من جانب ثالث، وقد تحاول أن تقنع نفسك بملمح واحد على الأقل يوجِد مبررا لهذا التحول الكبير في السلوك الشائن، فلا تجد، وما يستدعي النقد، لا يحتمل كل هذا التشنج المبالغ في تقديره، فالدنيا لا تزال بخير، والحمد الله.
يذهب سلوك «هياج الشارع» أو تهييجه واستنفاره، من خلال هذه الأعمال غير المنضبطة خلقيا، أو سلوكيا، سواء أكانت عبر تغريدات متجاوزة في تقنين خطابها التهكمي الجارح، أو من خلال كتابة العبارات والنكات الجارحة في حق الأفراد الرسميين، على وجه الخصوص، من خلال التجريح المباشر للقيادات الإدارية والسياسية، وتجاوز خطوط السمت التي يقرها المجتمع نفسه، كأحد الثوابت الضابطة لأدب الحوار بين مختلف الأطراف، أو من خلال كتابة موضوعات نقدية متجاوزة موضوعيتها الحقيقية، وذلك للإثارة أكثر من أنها للإصلاح والمعالجة، أو من خلال تحجيم المنجز، أو من خلال الطعن في الأمانات، والذمم، أو من خلال الإشارة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية على أنها مؤسسة غير فاعلة بالقدر الذي يرضي رغبات هذا الجمهور، كل ذلك من شأنه أن يوهن العلاقة بين المؤسسة الرسمية وبين هذا الجمهور، ويولد وينمي شعور اللامبالاة الذي يذهب مباشرة في تفريخ بيئات ملونة من ضعف الحس الوطني والاجتماعي بين مجموعة كبيرة من أفراد المجتمع، بما في ذلك الفئات الشابة، وليس ذلك فقط، بل يتعدى إلى ترسيخ صورة نمطية، ليس يسيرا إزالتها من الذاكرة الجمعية، مفادها أن لا أمل يرتجى من خطط التنمية، ولو بذل في هذه الخطط الكثير من الجهد، والكثير من العمل الشاق، والكثير من الإخلاص، والكثير من التفاني، لأن العين لم تكن ناقدة بموضوعية حقيقية، وإنما ناقمة لواقع مبالغ في الإساءة إليه، وفيه، وهذا لا أتصور يقترب من منطق الأمور، بقدر ما يتجاوز الحقيقة، صحيح أنه ليس من اليسير الوصول إلى التفاصيل لأي فرد في الجمهور، فذلك من باب المستحيل، ولكن واقع التنفيذ ينبئ عن كثير مما يكون مخفيا لظرف ما، وغير مفصح عنه لأمر ما، وهذه لا يجب أن تقزم من مستوى العلاقة بين الطرفين، وإلا تراكمت الخسارات على الطرفين، ولن يكون هناك طرف رابح على حساب طرف آخر، وهذا ما يجب استيعابه.
تتجذر - كما هو معروف بالضرورة - جدلية العلاقة بين الحكومات وجمهورها العريض، وهو جدال تاريخي، منشأه، على ما يبدو منذ لحظة ميلاد هذه العلاقة، وعلى طول التاريخ، وفق ما ينشر، أن لا تصالح بين الطرفين، على كثرة التنظيرات، وكثرة التعليلات، وكثرة الحقن المعرفية الداعمة لتماهي الفوارق المعرفية والفنية في هذه العلاقة، وعلى طرح مجموعة من الوسائل والمعززات لموقف الحكومات في تبنيها للبرامج المعرضة للنقد من الجمهور، ويأتي في مقدمة نعت المؤسسة التشريعية بضعف الأداء، وعدم قدرتها على تجسير الهوة بين طرفي المعادلة التنموية التي يمثل الجمهور كفتها الأولى، والحكومة كفتها الثانية، ومن هنا كانت مبادرة بعض أفراد الجمهور باقتراحات مباشرة لبعض المؤسسات لوضع خارطة طريق لما يجب أن تقوم به من أداء مميز، مع العلم أن المؤسسة التشريعية، وهي المؤسسة المنتخبة من هذا الجمهور، وهي المتحدثة باسمه، والمطالبة بتحقيق آماله وطموحاته، ومع ذلك وقعت هذه المؤسسة نفسها في فخ التقييم غير المنصف على ما يبدو، ولم تسلم من النقد الجارح، والقاسي، مع حرصها على انتصارها لجمهورها الذي أوصلها إلى تحت قبة البرلمان، ومع ذلك فكل الجهود التي تبذلها لم تشفع لها موطئ قدم من الرضى والاطمئنان، ومع تجدد الأعضاء في كل دورة تشريعية لم تستطع هذه الدورات كلها أن تربك هذا التقييم لصورتها النمطية المترسخة في الذاكرة الجمعية، واستمرار هذه الصورة المتضعضعة عن ثوابتها الأصيلة يؤدي، بلا شك، إلى تراجع المشاركة السياسية، أو محدودية المشاركة في الانتخابات من جانب، وإلى تفعيل النداءات بإلغاء البرلمانات على الإطلاق من جانب آخر، والحرص على الطعن، واللمز لأعضاء المؤسسة البرلمانية، والسؤال بعد كل ذلك: ماذا يريد الجمهور؟ وما الذي يرضيه؟ وهل هو فعلا محق في كل ما ينادي به؟ وفي كل ما يطرحه من آراء؟ وهل هو، فعلا، متحرر من صورة «حمالة الأوجه» التي عادة ما تعبث بالحقائق، وبالثوابت، وبالقناعات؟ أتابع، بقدر الجهد المتاح والفرصة الزمنية، ما ينشر عبر منصات التواصل اليومية، وما يلفت انتباهي أكثر كمية التغريدات الذاهبة جلها إلى وضع المسؤول موضع النكات الساخرة، والقذف والذم، والنعت بأقسى الألقاب، وكأن هناك محطات من الثأر لم تنفذ بعد في حق طرف المسؤولية، ولكم يحزن هذا الوضع النفس ويؤلمها كثيرا، فالصورة تعكس نموا مطردا من العداء المتبنى من طرف الجمهور، وإذا كانت هناك مبررات يستند إليها هذا الجمهور، فذلك لا يعطي الحق إطلاقا في التجاوز أو التفريط في هذه العلاقة القائمة بين الطرفين، وهي العلاقة التي يفترض أن تكون مبنية على التعاون، والاحترام المتبادل، ويبقى النظر إلى المسؤولية على أنها تكليف، وليست تشريفا بالمطلق، فمعايير السلوك الرخيصة التي يتبناها البعض من أفراد الجمهور العريض للنيل من أعضاء المؤسسة الرسمية، فإن هذا جهد يذهب هباء، ولا يغير من الأمر شيئا يمكنه أن يفضي إلى غض الطرف عن تنفيذ البرامج المعتمدة للتنمية، وهي البرامج، لا يشك، أحد في غايتها، وهي الغاية الذاهبة إلى بناء مقومات التنمية، ومجبرة كسور البنية الأساسية المطالبة لأن تبقى وتعمر، ليس للحظتها الآنية، ولكن تبقى وتدوم لخدمة الأجيال المتلاحقة من عمر الوطن الكبير، وأن هذا التطرف في العلاقة لن يخدم بقدر ما يسيء إلى العملية التنموية برمتها، وأن مع ميلاد التشكيل الوزاري الجديد هنا في السلطنة، تماشيا مع النهضة المتجددة، على سبيل المثال، ظهر عدد من المواطنين معبرين عن رغبتهم في المشاركة في التنمية باقتراحات متعلقة بحل مشكلة الباحثين عن عمل، وقد عبروا عن رغبتهم تلك، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ولعل الكثيرين يتذكرون هذه المبادرات التي تقدم بها أصحابها في تلك الفترة، هذا نموذج لتحسين الحياة العامة على مستوى الوطن، وأما قبول هذه الفكرة أو رفضها من قبل الجهات المعنية، فهذه مسألة أخرى، فالمهم هذا ما حدث، وهل استجيب لهم، أم لا، فذلك أيضا أمره لن يكون واضحا للعيان، وهذه الصورة في شموليتها أو عموميتها تعكس جانبا من اتساع الهوة بين المؤسسات المعنية، وبين طالبي الخدمة من جهة، وبين عدم قدرة بعض الجهات على تلبية مطالب الجمهور العريض.
إن ازدراء الشأن السياسي في بعديه الداخلي والخارجي من قبل أفراد الجمهور لمستويات غير مسبوقة، أولا: إنه ظاهرة غير صحية، وثانيا: يعبر عن دلالات كثيرة، ومنها إما أن يكون هذا الجمهور مبالغا فيما يطرحه من آراء، وهذا وارد لأنه لن يملك الحقيقة حتى تتضح له كل الرؤى والحقائق (ما ظهر منها وما خفي) وإما هو مقترب من الحقيقة إلى حد ما، ولكن الطرف الآخر «الحكومة» لا تستجيب لكثير مما يطرحه من آراء، فتعمق فيه القناعات التي هو مؤمن بها دون تصحيح، وهذه إشكالية موضوعية في العلاقة بين الطرفين.
shialoom@gmail.com
تشهد المجتمعات في هذا العصر «الحديث» نزعة تراجع الروابط الأخلاقية، ويرى المنظرون في الشأن الاجتماعي، أن هذه النزعة مردها لاعتبارات كثيرة، يأتي في مقدمتها الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي، وامتلاك كل فرد وسيلته الخاصة للتعبير عما يجيش في أعماقه، حيث يرى فيها حريته المطلقة ليقول ما يريد، ويفعل ما يريد، ويسبح عبر هذا العالم الفضائي اللامتناهي إلى أي مكان يريد، وانعكاسا لهذه الحرية المطلقة، أرخت في الأنفس نوعا من اللاالتزام بأي محدد كان: أخلاقيا، قانونيا، عرفيا، قيميا، ولم تبق إلا المصلحة الخاصة فقط، هي الموجهة في تقنين هذا السلوك الخطابي من غيره، فقط،
أما بخلاف ذلك فكل شيء، يبدو، متاحا لمن يريد أن يتنصل من كل القيم الضابطة لسلوكه اللفظي، وسلوكه المادي، ولذلك فلا غرابة أن ترى اللامبالاة بالروابط والعلاقات التي تجمع بين الناس في المجتمع الواحد، وإن خضعت للمفهوم النسبي في الممارسة، أو تقرأ، أو تسمع، السب واللعن العلني على منصات وسائل وأدوات التواصل الاجتماعي، فهي في مجملها «هبة» سلوكية غير معتادة، من جانب، وغير مستساغة، من جانب، وغير مبررة، من جانب ثالث، وقد تحاول أن تقنع نفسك بملمح واحد على الأقل يوجِد مبررا لهذا التحول الكبير في السلوك الشائن، فلا تجد، وما يستدعي النقد، لا يحتمل كل هذا التشنج المبالغ في تقديره، فالدنيا لا تزال بخير، والحمد الله.
يذهب سلوك «هياج الشارع» أو تهييجه واستنفاره، من خلال هذه الأعمال غير المنضبطة خلقيا، أو سلوكيا، سواء أكانت عبر تغريدات متجاوزة في تقنين خطابها التهكمي الجارح، أو من خلال كتابة العبارات والنكات الجارحة في حق الأفراد الرسميين، على وجه الخصوص، من خلال التجريح المباشر للقيادات الإدارية والسياسية، وتجاوز خطوط السمت التي يقرها المجتمع نفسه، كأحد الثوابت الضابطة لأدب الحوار بين مختلف الأطراف، أو من خلال كتابة موضوعات نقدية متجاوزة موضوعيتها الحقيقية، وذلك للإثارة أكثر من أنها للإصلاح والمعالجة، أو من خلال تحجيم المنجز، أو من خلال الطعن في الأمانات، والذمم، أو من خلال الإشارة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية على أنها مؤسسة غير فاعلة بالقدر الذي يرضي رغبات هذا الجمهور، كل ذلك من شأنه أن يوهن العلاقة بين المؤسسة الرسمية وبين هذا الجمهور، ويولد وينمي شعور اللامبالاة الذي يذهب مباشرة في تفريخ بيئات ملونة من ضعف الحس الوطني والاجتماعي بين مجموعة كبيرة من أفراد المجتمع، بما في ذلك الفئات الشابة، وليس ذلك فقط، بل يتعدى إلى ترسيخ صورة نمطية، ليس يسيرا إزالتها من الذاكرة الجمعية، مفادها أن لا أمل يرتجى من خطط التنمية، ولو بذل في هذه الخطط الكثير من الجهد، والكثير من العمل الشاق، والكثير من الإخلاص، والكثير من التفاني، لأن العين لم تكن ناقدة بموضوعية حقيقية، وإنما ناقمة لواقع مبالغ في الإساءة إليه، وفيه، وهذا لا أتصور يقترب من منطق الأمور، بقدر ما يتجاوز الحقيقة، صحيح أنه ليس من اليسير الوصول إلى التفاصيل لأي فرد في الجمهور، فذلك من باب المستحيل، ولكن واقع التنفيذ ينبئ عن كثير مما يكون مخفيا لظرف ما، وغير مفصح عنه لأمر ما، وهذه لا يجب أن تقزم من مستوى العلاقة بين الطرفين، وإلا تراكمت الخسارات على الطرفين، ولن يكون هناك طرف رابح على حساب طرف آخر، وهذا ما يجب استيعابه.
تتجذر - كما هو معروف بالضرورة - جدلية العلاقة بين الحكومات وجمهورها العريض، وهو جدال تاريخي، منشأه، على ما يبدو منذ لحظة ميلاد هذه العلاقة، وعلى طول التاريخ، وفق ما ينشر، أن لا تصالح بين الطرفين، على كثرة التنظيرات، وكثرة التعليلات، وكثرة الحقن المعرفية الداعمة لتماهي الفوارق المعرفية والفنية في هذه العلاقة، وعلى طرح مجموعة من الوسائل والمعززات لموقف الحكومات في تبنيها للبرامج المعرضة للنقد من الجمهور، ويأتي في مقدمة نعت المؤسسة التشريعية بضعف الأداء، وعدم قدرتها على تجسير الهوة بين طرفي المعادلة التنموية التي يمثل الجمهور كفتها الأولى، والحكومة كفتها الثانية، ومن هنا كانت مبادرة بعض أفراد الجمهور باقتراحات مباشرة لبعض المؤسسات لوضع خارطة طريق لما يجب أن تقوم به من أداء مميز، مع العلم أن المؤسسة التشريعية، وهي المؤسسة المنتخبة من هذا الجمهور، وهي المتحدثة باسمه، والمطالبة بتحقيق آماله وطموحاته، ومع ذلك وقعت هذه المؤسسة نفسها في فخ التقييم غير المنصف على ما يبدو، ولم تسلم من النقد الجارح، والقاسي، مع حرصها على انتصارها لجمهورها الذي أوصلها إلى تحت قبة البرلمان، ومع ذلك فكل الجهود التي تبذلها لم تشفع لها موطئ قدم من الرضى والاطمئنان، ومع تجدد الأعضاء في كل دورة تشريعية لم تستطع هذه الدورات كلها أن تربك هذا التقييم لصورتها النمطية المترسخة في الذاكرة الجمعية، واستمرار هذه الصورة المتضعضعة عن ثوابتها الأصيلة يؤدي، بلا شك، إلى تراجع المشاركة السياسية، أو محدودية المشاركة في الانتخابات من جانب، وإلى تفعيل النداءات بإلغاء البرلمانات على الإطلاق من جانب آخر، والحرص على الطعن، واللمز لأعضاء المؤسسة البرلمانية، والسؤال بعد كل ذلك: ماذا يريد الجمهور؟ وما الذي يرضيه؟ وهل هو فعلا محق في كل ما ينادي به؟ وفي كل ما يطرحه من آراء؟ وهل هو، فعلا، متحرر من صورة «حمالة الأوجه» التي عادة ما تعبث بالحقائق، وبالثوابت، وبالقناعات؟ أتابع، بقدر الجهد المتاح والفرصة الزمنية، ما ينشر عبر منصات التواصل اليومية، وما يلفت انتباهي أكثر كمية التغريدات الذاهبة جلها إلى وضع المسؤول موضع النكات الساخرة، والقذف والذم، والنعت بأقسى الألقاب، وكأن هناك محطات من الثأر لم تنفذ بعد في حق طرف المسؤولية، ولكم يحزن هذا الوضع النفس ويؤلمها كثيرا، فالصورة تعكس نموا مطردا من العداء المتبنى من طرف الجمهور، وإذا كانت هناك مبررات يستند إليها هذا الجمهور، فذلك لا يعطي الحق إطلاقا في التجاوز أو التفريط في هذه العلاقة القائمة بين الطرفين، وهي العلاقة التي يفترض أن تكون مبنية على التعاون، والاحترام المتبادل، ويبقى النظر إلى المسؤولية على أنها تكليف، وليست تشريفا بالمطلق، فمعايير السلوك الرخيصة التي يتبناها البعض من أفراد الجمهور العريض للنيل من أعضاء المؤسسة الرسمية، فإن هذا جهد يذهب هباء، ولا يغير من الأمر شيئا يمكنه أن يفضي إلى غض الطرف عن تنفيذ البرامج المعتمدة للتنمية، وهي البرامج، لا يشك، أحد في غايتها، وهي الغاية الذاهبة إلى بناء مقومات التنمية، ومجبرة كسور البنية الأساسية المطالبة لأن تبقى وتعمر، ليس للحظتها الآنية، ولكن تبقى وتدوم لخدمة الأجيال المتلاحقة من عمر الوطن الكبير، وأن هذا التطرف في العلاقة لن يخدم بقدر ما يسيء إلى العملية التنموية برمتها، وأن مع ميلاد التشكيل الوزاري الجديد هنا في السلطنة، تماشيا مع النهضة المتجددة، على سبيل المثال، ظهر عدد من المواطنين معبرين عن رغبتهم في المشاركة في التنمية باقتراحات متعلقة بحل مشكلة الباحثين عن عمل، وقد عبروا عن رغبتهم تلك، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ولعل الكثيرين يتذكرون هذه المبادرات التي تقدم بها أصحابها في تلك الفترة، هذا نموذج لتحسين الحياة العامة على مستوى الوطن، وأما قبول هذه الفكرة أو رفضها من قبل الجهات المعنية، فهذه مسألة أخرى، فالمهم هذا ما حدث، وهل استجيب لهم، أم لا، فذلك أيضا أمره لن يكون واضحا للعيان، وهذه الصورة في شموليتها أو عموميتها تعكس جانبا من اتساع الهوة بين المؤسسات المعنية، وبين طالبي الخدمة من جهة، وبين عدم قدرة بعض الجهات على تلبية مطالب الجمهور العريض.
إن ازدراء الشأن السياسي في بعديه الداخلي والخارجي من قبل أفراد الجمهور لمستويات غير مسبوقة، أولا: إنه ظاهرة غير صحية، وثانيا: يعبر عن دلالات كثيرة، ومنها إما أن يكون هذا الجمهور مبالغا فيما يطرحه من آراء، وهذا وارد لأنه لن يملك الحقيقة حتى تتضح له كل الرؤى والحقائق (ما ظهر منها وما خفي) وإما هو مقترب من الحقيقة إلى حد ما، ولكن الطرف الآخر «الحكومة» لا تستجيب لكثير مما يطرحه من آراء، فتعمق فيه القناعات التي هو مؤمن بها دون تصحيح، وهذه إشكالية موضوعية في العلاقة بين الطرفين.