بدر بن عبدالله الهنائي

ربما لم يكن باستطاعة جوزيف ناي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي - وهو عالم السياسة الأمريكي وعميد كلية كينيدي للدراسات الحكومية في جامعة هارفارد سابقا - رؤية ما سيؤول إليه دور التواصل والإعلام في تعزيز القوة الناعمة للدول عندما كان يعكف على صياغة مفهوم القوة الناعمة آنذاك. فخلال أكثر من ثلاثة عقود منذ إطلاقه لذلك المصطلح تزايد اهتمام الدول في تسخير إمكاناتها المرتبطة بالتواصل والإعلام من أجل تعزيز تأثيرها وحضورها العالمي، والترويج لسياساتها وأفكارها وثقافاتها، والتأثير على الجماهير الدولية من أجل إنفاذ أجنداتها وخططها في الخارج. فقد عرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على التأثير على الآخرين بالإقناع والتواصل، عوضا عن الإرغام واستخدام القوة، أو بمعنى آخر التحكم بتفضيلات الآخرين عبر استخدام أساليب الجذب والاستمالة.

وقد حاول العديد من الباحثين والسياسيين خلال أكثر من ثلاثة عقود التعمق والتوسع في مفهوم القوة الناعمة واستحضار الأمثلة حولها وتبرير بعض الممارسات عبر ربطها بها، ليس أقلها محاولة تجسيد المفهوم بما يعرف بالدبلوماسية العامة Public Diplomacy أو «دبلوماسية الناس» والتي تمثل كافة الجهود الرسمية التي تقوم بها الدولة من أجل إقناع فئات مختلفة من الرأي العام الخارجي لدعم أو تأييد التوجهات الاستراتيجية التي تتبناها تلك الدولة، وذلك عبر ممارسات تشمل على سبيل المثال البيانات السياسية التي يدلي بها صانعو القرار، والحملات الدعائية الممنهجة التي تنفذها الجهات الحكومية في الخارج، والجهود التي تبذل لإقناع وسائل ومؤسسات الإعلام الدولية من أجل تقديم السياسات الرسمية التي تتبعها الدولة بطريقة محببة بالنسبة للجمهور الخارجي.

إلا أن بعض الباحثين يرون بأنه لا يجب المزج بين كل من مفهوم القوة الناعمة ومفهوم الدبلوماسية العامة؛ حيث يرون أن القوة الناعمة تشمل نطاقا أكبر من الدبلوماسية العامة بحيث تكون الأخيرة مجرد أنشطة تواصل وإعلام تعكس ما تقوم به الدولة من جهود في سبيل تعزيز قوتها الناعمة. فعلى سبيل المثال يمكن أن تقوم دولة ما بإرسال فنانين أو فرق مسرحية أو مجموعات صور فوتوغرافية أو أعمال فنية إلى دول أخرى بما يعكس الثراء الثقافي والفني لتلك الدولة، وبالتالي يُنظَر لذلك الفعل على أنه جزء من أنشطة الدبلوماسية العامة، بينما يعتبر الثراء الثقافي أو الفني الذي تعكسه تلك الأنشطة جزءا من القوة الناعمة للدولة.

وينظر كثير من الباحثين إلى الحرب العالمية الثانية وما بعدها على أنها الانطلاقة الحديثة لممارسات تعزيز القوة الناعمة للدول وبالأخص اهتمامها بصورتها الإعلامية وأنشطة التواصل التي تقوم بتخطيطها وتنفيذها، وقد ساعد في ذلك الخطوات المتسارعة للتطور الذي شهدته تقنيات التواصل والإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وأخيرا الرقمية. فعلى سبيل المثال ركزت الولايات المتحدة الأمريكية على تكليف كل سفارة أمريكية في الخارج بتمرير البيانات والمرئيات السياسية غير المصنفة إلى وسائل الإعلام في الدولة التي توجد بها، معتمدة في ذلك على سرعة تبادل البرقيات والمستندات بصورة أسرع مما كانت تُتَناقل بها المواد الإعلامية الصادرة من الولايات المتحدة نفسها عبر وسائل الإعلام الأمريكية. وقد ساهم ذلك في تسهيل الأمر على وسائل الإعلام المحلية في مختلف الدول سواء من حيث سرعة تلقي ونشر تلك الأخبار أو لكونها تكون مترجمة إلى اللغات المحلية للدول التي توجد فيها السفارات الأمريكية. كما ساهمت المواد الإعلامية التي تبثها مؤسسة صوت أمريكا Voice of America باللغات المحلية حول العالم في دعم الترويج للسياسات الأمريكية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. كما ينظر العديد من المهتمين بمفهوم القوة الناعمة إلى الهند على أنها نموذج ثري في كيفية تجسيد مكونات تلك القوة عبر مراحل زمنية مختلفة كما يفضل البعض تسميتها: من بوذا إلى بوليوود.

إقليميا فإن من المثير للاهتمام كيف ارتبطت ممارسات القوة الناعمة ببعض ما شهدته المنطقة من توترات أو خلافات مؤخرا، فبينما لم يُذكر أن رصاصة واحدة قد انطلقت نتيجة توتر أو خلاف سياسي في السنوات القليلة الماضية، لم يخفَ على أي متابع الجيوش والترسانات الإعلامية التي تم حشدها من أجل كسب التأييد أو تبرير المواقف أو التأثير على الرأي العام إقليميا ودوليا، ما نتج عنه الكثير من الآثار سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا، وهو ما يبين مدى أهمية التواصل والإعلام كسلاح مهم ومؤثر وحاسم في بعض الظروف. بينما تتبع بعض دول المنطقة نهج الدعاية والترويج والهوية كعنصر أساسي في تكوين صورتها الذهنية وتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية بما يعظم من حجم ما يمكن أن تمتلكه من مقومات على أرض الواقع.

وتهتم عدد من المؤسسات الدولية غير الحكومية في إعداد البحوث والتقارير حول أداء الدول في تعزيز مكونات القوة الناعمة لديها وإيصالها إلى الجمهور في الخارج، حيث تقوم وكالة بورتلاند الدولية للعلاقات العامة منذ ست سنوات بإصدار تقرير سنوي بعنوان «سوفت باور30» يستعرض الجهود التي تقوم بها الدول بالإضافة إلى تصنيف أكثر ثلاثين دولة نشاطا في القوة الناعمة في مراتب طبقا لمؤشر بمنهجية علمية معينة قامت بصياغتها الوكالة بالتعاون مع كل من شركة فيس بوك ومركز الدبلوماسية العامة بجامعة ساوذرن كاليفورنيا الأمريكية. ويتكون المؤشر من جانب كمي يتم قياسه باستطلاعات الرأي ويشمل تصورات الجمهور حول تلك الدول في مجالات المعيشة، والسياسة الخارجية، والثقافة، والود، والمأكولات، والمنتجات التقنية، والمنتجات الفاخرة، بالإضافة إلى جانب موضوعي يتمثل في دراسة محاور الحكومة، والتحول الرقمي، والثقافة، والمشاريع التجارية، والمشاركة، والتعليم. بينما تقوم مؤسسة براند فاينانس العالمية المختصة في تقييم الهوية المؤسسية بإصدار تقرير سنوي باسم «مؤشر القوة الناعمة العالمي» يقوم بتصنيف مائة دولة حول العالم ضمن مؤشر يقيس التصورات المرتبطة بأحد عشر عنصرا هي المعرفة بالدولة، وسمعة الدولة، وتأثير الدولة، والتجارة والأعمال، والحوكمة، والعلاقات الدولية، والثقافة والتراث، والتواصل والإعلام، والتعليم والعلوم، والناس والقيم، ومؤخرا مدى استجابة الدولة لجائحة كورونا.

وبينما يبين آخر تقرير صادر عن وكالة بورتلاند وجود ثلاثين من الدول المتقدمة عالميا في مؤشر القوة الناعمة - ليس من بينها أية دولة عربية - تحتل السلطنة المركز الحادي والخمسين بين مائة دولة شملها التقرير، ما يعني أن وجودنا في منتصف القائمة يضعنا في مكان آمن أو مقبول عموما. ومع إمكانية اعتبار ذلك نقطة انطلاق - خصوصا مع وضوح الأولويات التي تتضمنها رؤية عمان 2040 - فإن الاهتمام بإحراز تقدم في المؤشرات المرتبطة بالقوة الناعمة من شأنه تحقيق مكاسب عدة تخدم أولويات السلطنة سياسيا واقتصاديا وتقنيا وسياحيا وثقافيا.

* مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية