لكي أكون على قدر من المسؤولية والشفافية، عليّ أن أعترف بأن هذه العبارة / العنوان «منازل الحلم المهيض» أغوتني، لكنها ليست لي، بل هي للكاتبة الأمريكية «كلاريسا بنكولا أستيس» ووردت تحديدا في الصفحة الرابعة والسبعين من كتابها «إطلاق الروح البرية للمرأة»، أوردتها الكاتبة كوصف للبيوت الصغيرة التي تتكون في العادة من غرفة واحدة، البيوت التي يسكنها أصحابها كمحطة عبور، وهم يحلمون ببناء منزل عائلي كبير، بغرفتي نوم، ومطبخ وصالة للضيوف، ومساحة للعب الصغار ربما.
بقيت أردد هذه العبارة منفصلة عن سياقها، أرددها وأستشعر عبور «المهيض» الثقيل على قلبي، فأرى أمام عيني نهوضًا بطيئًا لبيت، صنعت جدرانه من بقايا جدران بيوت قديمة، وأرضيته بلطت بمآقي أمهات طيبات، وسقفه رفع على أكتاف أمهات وأخوات، وجدات، وخالات، وعمات.
أردد العبارة فتتهادى من غبش الذاكرة، الساحة الداخلية لمدرسة الزهراء في مسقط، المدرسة التي أسسها السلطان سعيد بن تيمور في أواخر الستينيات، واستقبلت أول دفعة من الطالبات في أوائل عهد السلطان قابوس -رحمهما الله.
الساحة التي فاضت بالحكايات وبالأناشيد وبأحلام الطالبات الصغيرات، اللاتي حلمن وبعيون واسعة، بدروس وعلوم ومعرفة، تكن لهن بها مزية، ومتكأ، وبابا، ونافذة.
الأحلام طارت من تلك الساحة، ساحة الزهراء الداخلية، أول مدرسة للبنات في عمان، طارت بعيدًا ولاحقت الغيم.
في صفوفها وفي منتصف السبعينيات، درست على يد معلمات مصريات، وفلسطينيات، ولبنانيات، وعمانيات أكملن تعليمهن في البحرين ثم عدن في السبعين، كما عاد الرجال.
كنت صغيرة في السبعينيات، لكني شهدت الشرطيات العمانيات ينظمن السير والصفوف، وفي ١٩٧٩ شاهدنا مريم البلوشية وهي تطير بطائرة خفيفة، بعد أن أنجزت تدريبها في نادي الطيران.
في الثمانينيات بدأت خريجات مدرسة الزهراء -بعد حصولهن على التعليم العالي، في الأردن ومصر وغيرها من البلدان- في الحضور في المجال الوظيفي، المعلمات والطبيبات والمهندسات والموظفات في كل قطاعات الدولة، وفي ١٩٨٦ افتتحت جامعة السلطان قابوس، التي خرّجت أول دفعة منها لسوق العمل في ١٩٩٠.
ما أورده الآن تاريخا مبسطا، لا يسعى للتمجيد ولا المديح ولا التباكي، ولكن للتذكير، ولطرح السؤال، ماذا حدث بعد ذلك؟ هل تحولت تلك الطموحات إلى أحلام مهيضة؟ أردد الكلمة، مهيضة، يثقلني وقعها، الضاد العربية الفريدة، المتفردة.
أبحث في القاموس حتى لا يخونني المعنى، مهيض: يقال عظم مهيض، مكسور بعد الجبر، مهيض الجناح، ضعيف، فاقد للقوى، كطائر مهيض الجناح.
ألم أقل لكم، قاموس المعاني لا يخون، والكلمات تحمل وقعها، ستقولون ماذا أرادت بالقاموس، دعوني إذًا ألخص ما أريد قوله، برقم بسيط جدًا أوردته الإحصائيات، الرقم هو ٨٨.٣، وهذا الرقم يقول إن النسبة المئوية الأكبر من الباحثين عن عمل، ومن حملة الشهادة الجامعية هي من النساء.
ولنتوقف قليلًا هنا، لنأخذ نفسًا عميقًا، لأن هذا يعني أن سوق العمل قادر على استيعاب أكثر الخريجين الذكور، بينما يعجز عن استيعاب الخريجات من النساء.
يعزو البعض أن السبب في ذلك هو نوعية التخصصات التي تفضلها النساء، مدفوعة في الغالب بالتكييف الاجتماعي، وهي تخصصات أدبية، وأكثرها في التعليم، وقد يكون هذا جزءًا من المشكلة، لكن أيضًا لا يمكننا إغفال أن هناك الكثير من التخصصات العلمية، في العلوم والهندسة، وعلوم الحاسب الآلي وإدارة الأعمال، وغيرها، يفضل فيها الذكور على الإناث، وقد يجد البعض في نوعية بيئة العمل عذرًا لهذا التمييز، لكن من ملاحظاتي على إعلانات الوظائف مؤخرًا، وجدت أنه حتى في الأعمال المكتبية، صار يفضل تقديمها كفرص للذكور.
الأحلام المهيضة، هي أحلام الفتيات اللاتي درسن بجد، اللاتي حققن المعدلات الأعلى، اللاتي تخرّجن في الجامعة، اللاتي حلمن بالاستقلالية المادية، اللاتي حلمن بحقهن في حياة أفضل، لهن ولأسرهن وبالضرورة لمجتمعهن وبلدهن.
الأحلام المهيضة، هي أجنحة مكسورة، كان بإمكان الوطن والمجتمع أن يحلّق بها عاليًا.
بقيت أردد هذه العبارة منفصلة عن سياقها، أرددها وأستشعر عبور «المهيض» الثقيل على قلبي، فأرى أمام عيني نهوضًا بطيئًا لبيت، صنعت جدرانه من بقايا جدران بيوت قديمة، وأرضيته بلطت بمآقي أمهات طيبات، وسقفه رفع على أكتاف أمهات وأخوات، وجدات، وخالات، وعمات.
أردد العبارة فتتهادى من غبش الذاكرة، الساحة الداخلية لمدرسة الزهراء في مسقط، المدرسة التي أسسها السلطان سعيد بن تيمور في أواخر الستينيات، واستقبلت أول دفعة من الطالبات في أوائل عهد السلطان قابوس -رحمهما الله.
الساحة التي فاضت بالحكايات وبالأناشيد وبأحلام الطالبات الصغيرات، اللاتي حلمن وبعيون واسعة، بدروس وعلوم ومعرفة، تكن لهن بها مزية، ومتكأ، وبابا، ونافذة.
الأحلام طارت من تلك الساحة، ساحة الزهراء الداخلية، أول مدرسة للبنات في عمان، طارت بعيدًا ولاحقت الغيم.
في صفوفها وفي منتصف السبعينيات، درست على يد معلمات مصريات، وفلسطينيات، ولبنانيات، وعمانيات أكملن تعليمهن في البحرين ثم عدن في السبعين، كما عاد الرجال.
كنت صغيرة في السبعينيات، لكني شهدت الشرطيات العمانيات ينظمن السير والصفوف، وفي ١٩٧٩ شاهدنا مريم البلوشية وهي تطير بطائرة خفيفة، بعد أن أنجزت تدريبها في نادي الطيران.
في الثمانينيات بدأت خريجات مدرسة الزهراء -بعد حصولهن على التعليم العالي، في الأردن ومصر وغيرها من البلدان- في الحضور في المجال الوظيفي، المعلمات والطبيبات والمهندسات والموظفات في كل قطاعات الدولة، وفي ١٩٨٦ افتتحت جامعة السلطان قابوس، التي خرّجت أول دفعة منها لسوق العمل في ١٩٩٠.
ما أورده الآن تاريخا مبسطا، لا يسعى للتمجيد ولا المديح ولا التباكي، ولكن للتذكير، ولطرح السؤال، ماذا حدث بعد ذلك؟ هل تحولت تلك الطموحات إلى أحلام مهيضة؟ أردد الكلمة، مهيضة، يثقلني وقعها، الضاد العربية الفريدة، المتفردة.
أبحث في القاموس حتى لا يخونني المعنى، مهيض: يقال عظم مهيض، مكسور بعد الجبر، مهيض الجناح، ضعيف، فاقد للقوى، كطائر مهيض الجناح.
ألم أقل لكم، قاموس المعاني لا يخون، والكلمات تحمل وقعها، ستقولون ماذا أرادت بالقاموس، دعوني إذًا ألخص ما أريد قوله، برقم بسيط جدًا أوردته الإحصائيات، الرقم هو ٨٨.٣، وهذا الرقم يقول إن النسبة المئوية الأكبر من الباحثين عن عمل، ومن حملة الشهادة الجامعية هي من النساء.
ولنتوقف قليلًا هنا، لنأخذ نفسًا عميقًا، لأن هذا يعني أن سوق العمل قادر على استيعاب أكثر الخريجين الذكور، بينما يعجز عن استيعاب الخريجات من النساء.
يعزو البعض أن السبب في ذلك هو نوعية التخصصات التي تفضلها النساء، مدفوعة في الغالب بالتكييف الاجتماعي، وهي تخصصات أدبية، وأكثرها في التعليم، وقد يكون هذا جزءًا من المشكلة، لكن أيضًا لا يمكننا إغفال أن هناك الكثير من التخصصات العلمية، في العلوم والهندسة، وعلوم الحاسب الآلي وإدارة الأعمال، وغيرها، يفضل فيها الذكور على الإناث، وقد يجد البعض في نوعية بيئة العمل عذرًا لهذا التمييز، لكن من ملاحظاتي على إعلانات الوظائف مؤخرًا، وجدت أنه حتى في الأعمال المكتبية، صار يفضل تقديمها كفرص للذكور.
الأحلام المهيضة، هي أحلام الفتيات اللاتي درسن بجد، اللاتي حققن المعدلات الأعلى، اللاتي تخرّجن في الجامعة، اللاتي حلمن بالاستقلالية المادية، اللاتي حلمن بحقهن في حياة أفضل، لهن ولأسرهن وبالضرورة لمجتمعهن وبلدهن.
الأحلام المهيضة، هي أجنحة مكسورة، كان بإمكان الوطن والمجتمع أن يحلّق بها عاليًا.