- احتفى بشعرائه، وأضفى عليهم صفات الإجلال والإكبار.
- اعتمد على عنصر المعاصرة في بيان مرئياته حول شعراء عصره.
- "التراجم" بحثٌ مخطوط ورسالة أدبية جديرة بأن ترى النور.
إعداد الدكتور محسن الكندي -
هذا البحثُ المخطوط بل المذكرة المختصرة التي لا تتعدَّى صفحاتها -المتوفرة لدينا- ثلاثين صفحة تتموضعُ موضوعيًّا في حقلِ التراجم والسير الغيرية، وتتصل فنيًّا بتوثيق أعلام الشعر والأدب، وتمثلُ مصدراً أصيلا للدراسات الأدبية العُمانية وقيمتها في اعتبارين مهمين: -
الأول: اعتبار الريادة التاريخية وأسبقية الكتابة، فالشيخ الخليلي كتبها في مرحلة السبعينيات من القرن العشرين في وقت ندرت فيه أو كادت تنعدم فيه التراجم المعرّفة بأعلام الشعر والأدب، فهو سابق للخصيبي في شقائقه، والبوسعيدي في قلائده، والطائي في أدبه المعاصر.
الثاني: اعتبار الأصالة وجودة التأصيل، فهي نابعةٌ من شاعر يميزُ جوهر الشعر من زبده، ومهارة الشاعر من محاولاته وأوهامه، لذا جاء ما كتبه عن الشعراء متسما بالدقة والمعرفة القريبة والتشخيص الفاحص لمكامن التجربة وجوهرها، فمعظم الذين ترجم لها – ولو مختصرا – هم أبناء بيئة الكاتب وبعضهم أترابه وزملائه وكثيرا ما التقى بهم وعرف ميلاد قصائدهم ناهيك عن معرفته بثقافاتهم وتكوينهم الحياتي؛ لهذا رأيناه يقدّم تجاربهم بلغة رصينة جزلة وفكر متّقد وعاطفة مفعمة بالخيال، فترجمته ترجمة شاعر، وأسلوبه أسلوب أديب يملك زمام الكَلِم.
ويأتي بحثُ " التراجم " في سياق كتب التاريخ الأدبي العُماني التي بدأت في الظهور عبر نماذج من مثل: "شقائق النعمان " للخصيبي، و" قلائد الجمان " للبوسعيدي.
وإذا كان هذا البحث قد حاز الريادة، واستأثر بالسَّبق في كتابة التاريخ الأدبي، فإن الكتابين الأخيرين سلكا طريقهما ليكملا ما نقص منه، ويسدا بعضا من ثغراته، وكان نواة للتراجم العُمانية التي اتسع نطاقها مع ظهور الدراسات الثقافية والأكاديمية منذ مطلع العشرية الأولى في القرن الحادي والعشرين ونجم عنها فيض من الدراسات امتلأت بها أرفف المكتبة العُمانية.
يبدأ الكاتبُ مذكرته بعنوانه الأثيري " العبقرية " ويفتتحها بقوله ص 3: " أخي لقد كنت وما زلت أحلم بأمنية جسيمة، أقلب عنها صحف الحياة، فلا أنتهي غالباً إلا إلى صفحات الأدب بين خطاباته وكتاباته وشعره فأترسم تلك الخطى لا علوقاً بها، ولكن لعلي أصل إلى الهدف فيتحقق حلمي وتستجيب أمنيتي.."
ثم يشير إلى هدفه وغايته من هذه التراجم ص 3 " إنني من خلال هذه الومضات اللامعة أتبين طريق حياة يجب أن تكون مترسم كلّ ذي عبقرية، ولهذا تراني أندفع وراء الواقع مرة وخلف الخيال مرة أخرى ".
وعن الدوافع التي دفعته إلى كتابة هذه المذكرة التعريفية التي أطلق عليها تجوّزا تراجم فإنه يرى أنها تلبية لما اقترحه عليه بعض الإخوة الأعزاء لتسويد شيئا من شعره وشعر إخوته العُمانيين.
أمّا منهجه فيؤول إلى استعراض مواهب الشعراء وعبقرياتهم كما يقول واحدة تلو الأخرى واصفا مكامن القوة فيها، ومبرزاً مستويات الجودة في نماذجها، ورغم أنه ترجم لعدد قليل ممن عرفهم وارتبط بهم إلا أن جهده وقع على لبِّ التجارب فوصفها ووضع هيكل إطاري لها كيف لا ومن ذكرهم عمدٌ في الحركة الأدبية في عصر أعني فترة النصف الأول من القرن العشرين وإليهم ترجع بلاغة الخطاب في عصرهم.
ويبلغ عدد من تراجم لهم عشرين شاعرا أغلبهم من ولاية سمائل وما حولها، ويمكن تناول شذرات مما قاله فيهم على النحو الآتي: -
1 – الشيخ سالم بن سليمان البهلاني ، وقد قالَ عنه : إنه إمام في العربية سلسٌ قياد القلم لو شاء أن يذيبَ سواد أعين العين ليكون ذوبها مشرب قلمه السيّال لفعل، ولو شاء أن يسوّد صحف الدهر بما في وجوده من عبر وآثار تاريخية لما شمسَ قلمه ، ولا جفَّ معينه .."
ويقول عن أدبه: " إن كاتبنا هذا له شاعرية فيّاضه تلمسُها في نثره البديع كما تراها في شعره الرائع، ولقد قرأت من رسائله ما لو وضع على نحور الحسان، لكان العقد النفيس الذي يزدهي بملبسه الجمال ويحسده عليه الحسن ويغبطه الدلال ويبعث من بين جواهره اللمَّاعة ".
ومن الالتفاتات المهمة في هذه الترجمة أن الخليلي يشير إلى حُسْنِ خطِّ مترجمه وجودة تحبيره، وأنه صاحب موهبة فيَّاضة في هذا الجانب.
2-الشيخ خالد بن هلال الرحبي، يصفهُ بالأديب العبقري، وأنه شاعرٌ موهوبٌ يجيدُ السَّبك ويُحسِنُ الصناعة، لشعره رونق جذاب قوةً في المعنى ومتانةً في التركيب وسلامةً في المأخذ ورشاقة في الأسلوب ". ويُبدي الخليلي إعجابه بهذا الشاعر الوصّاف حتى أنه استشهد ببيتين من شعره تأكيدا لعبقريته وطلاوة شعره ويقول عنه: "أنه أنشط من عقاله وحدا العبقرية في مجاهل الخيال الساحر، فلم يشمس عليه، ولم تجمح عنه ذاكره، ولم ينضب له معين حتى توصل من الطريق المسدود إلى فتحة الواقع فذاكى نور الطبيعة.. فأطلق جناحه للهواء الطلق وهو بين سارح فيه وبارح وسانح وصادح كأنما يحاول أن يطبق الموسيقى على اللحن، ويضم الفن إلى الفن.. " .
3-الشيخ حمد بن عبيد السليمي، ينطلقُ الخليلي في ترجمته لهذا الشيخ العلَّامة الفقيه المرجعي من تلمذة تربوية، فهو أستاذه وشيخه كما يقول، وقد تفيأ ظلال شجرة العلم التي غرسها بنفسه وجنى ثمرتها أكثر أبناء بلده سمائل وعُمان قاطبة.
ويحددُ الخليلي مكانَ مولد شيخه بقرية (سَدِّي) من أعمال ولاية إزكي، وأنه التحق بركب عمِّه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وقد استقى علمه بمعية أخيه من ينبوع الإمام نور الدين السالمي والشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، وأنه قضى أكثر أيامه البيض في كنفهما، وطرق أكثر فنون العلم وبرز في النحو وعلوم الآلة وتولى القضاء للإمامين الرضيين الخروصي والخليلي فأحسن العمل، وكان كثير الثقة برأيه حتى قيل إنه: " داهية العُلماء " وكان يقول الشعر فيجيده".
4-السيد هلال بن بدر البوسعيدي، أطلق عليه "الشاب الظريف" انطلاقا مما كان يراه فيه فهو كما يقول ص 11:" دائماً حسن البزّة والهندام عَبق المجلس والأنفاس " .
ويصفهُ الكاتبُ بأنه أديبٌ عبقريٌّ كاتبٌ مجيدٌ وشاعر مطبوع لشعره جاذبية، وغالباً يقفُ بشعره على معطيات واقعه فيوثق طوارئه ويسجل معطياته وأحداثه.
ويسردُ الخليلي في ترجمته للسيد هلال معلومات تقع في لب شخصيته فهو يوثق مولده بسنة 1314 ووفاته بسنة 1385هـ ، وأنه عاش يتقلب في أحضان الأدب فطورا تراه كاتبا تاريخيّا وله كتابٌ عني فيه " بأشرف ما يعنى به عربي أصيل فأتى على كثير من أخبار العرب العُرباء والعرب المستعربة "، وله ديوان شعر رائق قضى عليه غضباً منه بفعل الظروف التي أحاطت به وأحالته دون تحقيق أمانيه ". ويختمُ ترجمته له بتوصيف شعره وأنه يمتاز برقة الأسلوب ولطف المأخذ وسلامة المادة وكان يعجب كثيرا برقائق الشعراء العصريين فيمتدحهم ويجاريهم.
5-الشيخ علي بن جبر الجبري.. ينطلقُ الشيخ الخليلي في ترجمته للشيخ الجبري من منطلقات اجتماعية تتصل بمنزلته الاجتماعية، وتاريخه الأسري، ومكانته بين بني قومه، فيصفه أنه ص 11" سيدٌ شريفٌ يتصدرُ المكانة العليا بين أفراد الشعب العُماني وطبقاته وراثة مع دماثة في أخلاقه، ورقة في مشاعره، ولطفٍ في مآخذه وهو يقولُ الشعر ويحسنه، وإن لم يكن عنايته الوحيدة، وأنه أخذ هذا الشعر من خاله الشاعر العبقري السيد هلال بن بدر الذي استوى على كرسي الأدب الرقيق في مرحلته".
6-الأستاذ موسى بن عيسى البكري، وهو شاعر معاصر يقول عنه الشيخ الخليلي (ص 12) " أنه أديبٌ مهذبٌ وله اليدُ الطُولى والقدم الراسخة في علوم العربية وأنه اعتنى بالتدريس والطلبة يهرعون إليه ". ويؤرخُ مولده بسنة 1337هـ ومكانه ولاية سمائل الفيحاء مهد العلم والتفوق والنبوغ، ويذكر عنه (ص 12) أنه تربّى في حضن والده الأستاذ المجيد عيسى بن خلفان البكري وهو من أهل بيت ومجد وأكثر رجاله جهابذة وعباقرة أدب.
7- الشيخ سالم بن حمود السّيابي، يقدّم الشيخ عبدالله الخليلي ترجمته للشيخ سالم من واقع المعايشة، فيذكر " أنه يتمتع بصحة تامة وقوة متناسبة " وقد مارس العلم منذ نعومة أظافره، وأنه تتلمذ على يديه ثم انقلب إلى التأليف فجاء بأرجوزة في الشريعة المحمدية في مائة وعشرين ألف بيت بمثل ما جاء بدرر من القصائد في مختلف مجالات الحياة.
8-الشيخ عبدالله بن ماجد الحضرمي لم تتجاوز ترجمة الشيخ الخليلي لهذا الشاعر المُجيد ذكر اسمه ومكان ولادته بلدة " فرق " النزوية " ووصفه بالشاعر الضرير، وأن لديه شاعرية جامحة وخيال وثاب يقول الشعر فيسهب غير متكلف وهو في آخر القصيدة مثل أولياتها، وقد طرق غرض المدح كثيراً ثم أقلع عنه، ويمتاز شعره بالمتانة وسلامة المأخذ وحسن التركيب ومتانة السبك ورصانة النسيج وله اليد الطُّولى في بحور الشعر وتقسيماتها والقوافي وأنماطها.
9-الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، لا تكاد تتوفر ترجمة مفصَّلة باذخة في تراجم الخليلي للأعلام مثلما تتوفر لهذا الشيخ العلّامة الفقيه، فقد بسطها بسطا، وأبان فيها عن شخصيته العلمية ومستويات تفكيره ومعالم شعره ونثره، وأكثر من ذكر مواقفه الحياتية وعلاقاته مع أقرانه علماء المرحلة ومع سدة الحكم إمامة كانت أم سلطنة، فهو يبدأ ترجمته بذكر مولده ويحدده بسنة 1314هـ ، ويصف حياته بعبارات افتخار وإشادة تناسب مقامه الرفيع، فيذكر عنه (ص 16) أنه " تربّى بين قيصوم العروبة الصلب في قلبه الحديد ولسانه الذوب وهاجسه الطموح، يتقلب في أحضان الشرف الرفيع والمجد المؤثل على هضبة العز في عليا بيوت الفخار؛ إذ أنه من بيت الزعامة والرئاسة في قومه العبريين الذين سجّل لهم التاريخ الأبيض أسطارا مشرقة على صفحات الوجود لم يعلق ولن يعلق عليها غبار الدهر ".
ويسردُ المترجم مكانة الشيخ العبري ويستعرض مواقف من حياته العلمية والعملية، وأنه تقلد إمارة الفقه في أحضان الإمامين الخروصي الخليلي، وحصلت له منافسات في عهد الأخير وأدوار مغرضة " استطاعت أن تتسلط بشؤمها عليه في قوارصها المؤلمة ثم صرخاتها المزعجة ثم هجماتها المركزة.. فخلقت من تلك الشخصية حالا قدر التدجيل على تحويلها عن تلك الطمأنينة التي كانت تعيشها حتى ظلت متجولة بصاحبها بين الخوف والسخط والظنة، فخرج ملتحقا بالحكومة المسقطية وجُعل قاضي القضاة بالمحكمة الشرعية ولبث فيها محترما، ثم اصطلح حاله وتوطدت علاقته بإمامه فكان يتردد بين منصبه ووطنه".
10-الشيخ عيسى بن صالح الطائي، لا يذكر الشيخ الخليلي الاسم المكتمل لمترجمه هذا على خلاف العادة، ولعله سقط سهوا، وما ذكره (ص 19) مولده بسنة 1307 ووفاته 1362هـ وأنه "كان فقيهاً فطناً شبّ في أحضان العلم وتغذّى بلبانه، ودرج في رياضه "، فقرأ على يد أعلامه، وكان " حلو المحاضرة رقيق المشاعر يقول الشعر فيجيده بمثلما يجيد النثر ويسبكه، وله فيه رسائل تطرق فيها إلى مجالات كثيرة، ولشعره آثار رقة وحلاوة في الأسلوب، ورشاقة في الديباجة، ولكم شبب فأبدع، وتغزل فرقق، وطارح فبزّ، وجارى فتفوق ".
11-الشيخ سعيد بن خلف الخروصي يصفه الخليلي " بالعربي الأصيل " ويتتبع اسمه حتى يصله إلى الاسم التاسع، ويحدد مكان مولد بمدينة نخل "شاذون" ويؤرخ ميلاده بعام 1344 هـ، ويصف نشأته (ص 20) بأنه "نشأ بين والدين كريمين يحوطه حنانهما وترعاه عنايتهما ورعايتهما يتقلبُ معهما في أحضان النعمة ورغد العيش تحت كنف جده الشيخ محمد بن نصير الذي كان أصدق صديق لإمامنا الرضي سالم بن راشد الخروصي"، وقد شبَّ على الطوق وهاجر موطنه إلى نزوى ليتلقى العلم على يد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ".
12-القاضي حميد بن عبدالله الجامعي، وهو في رأيه كادحٌ عاملٌ قارئ كاتبٌ شاعرٌ أديبُ، فلا تجده كاسلا ولا ملولاً، كما أنه عبقريٌّ موهوبٌ، وهو من سلسلة رجال أكثرهم حملة العلم، يتميز بكونه " رجل سنة وتقية؛ علق بقراءة كتب الحديث ودأب عليها بكلّ جد واجتهاد، وهو من الطبقة الكادحة، فتجده عند منجله ومحراثه والكتاب بين يديه يقرأ منه جملة أو جملتين، فيلتفت إلى عمله الشاق يردد بين أشداقه ما يقرأ ".
و" قد خدم الشعر وهو في باكورة عمره فرقَقه وهلْهَله ولم يُعن فيه بمديحٍ إلا إن كان تقريظاً لسِفْرٍ مصنَّف، أو ما كان مديحا للمصطفى، وإذ تغزل فبنزاهة وإذا شبب فبرصانة، وإذا جارى تفوَّق، وإذا طارح غض وحَمَّس.. ".
13- الشيخ عيسى بن ثاني البكري، ما قاله عنه الخليلي (ص 23) شبيه بما قاله عن ابنه موسى عدا إضافته أنه خدم أستاذه العلامة أبا عبيد السليمي، وأنه كان يتحلى بالفطنة والذكاء وجودة الرأي وأنه يقوم بأعمال خطيرة في بلاده شأن كبار الشخصيات البارزة مما أدى إلى الفتك به شهيداً "ويذكر الشيخ الخليلي ملابسات وفاته، وأنه وجد عقب صلاة المغرب في المسجد مقتولا لا لذنب اقترفه، ولا لجريرة ارتكبها، ولكنه حسد وجريمة ".
وهو في نظره شاعرٌ يقول الشعر ويجيده، ويقول النثر فيحسنه، ولكنه بالنظم أولع، ومن درره قصيدة طالعها: قد شاقني ذِكْرُ المعاهدِ والدّمَنْ وغدا يحركُ من فؤادي ما سَكنْ.
14-الأستاذ حمدان بن خميّس اليوسفي، يبرزُ الخليلي في ترجمته للشيخ اليوسفي صفاته ومناقبه ولا يقدِّم عنه سوى ما عرفه عنه أو سمع، فهو أستاذه، يقدره تقدير الأبوة لما لمسه فيه من حبّ ووئام وإخلاص في العمل".
ويشير إلى ملابسات وفاته بالمدينة المنورة بعد أدائه لفريضة الحج، فقد فاضت روحه في تلك العرصات الطاهرة ووجهه كامل الحيوية والنضارة، و" تلك كرامة الأولياء "كما يقول المترجم (ص25).
واليوسفي في نظر تلميذه الخليلي مضربُ المثل في الزهد والورع، وقد عُرضتْ عليه أعمالٌ رفيعة بأجور عالية، فرفضها تحرزا وورعا وفضَّل أن يعيش قانعا قابعا في بيته تحت الفقر والمسكنة راضياً بخشن المطعم والملبس يقوت عياله بالنزر من الحلال "
ومما وصفه به أنه: خفيفُ الروح، طيبُ النفس، سهلُ الخليقة، طلقُ الوجه، باسمُ السِّن مازحاً بحق لا يؤاخذ بذنب ولا يلتمس لأخيه هفوة، وهو مع فقره المُدقع يجود بما يملك. وشعره يمتاز بالجودة وانتقاء اللفظ وترصيعه وتجوهر المعنى وتضخيمه وسلامة الرأي ورقة المأخذ، وله إعجابٌ بالبديع وإلمامٌ بالبيان ".
15-الكاتب علي بن منصور الشامسي قارئٌ حاذقٌ وأديب ماهر ولد سنة 1322 هـ وشب في حجر والده، وعاش مرموق المنزلة في قومه، تقلب بين رجال العلم يكرع علمهم فكان له الحظ الأوفر لدى علماء عصره، فأخذ عنهم وولع بالأدب كاتبا وشاعرا وخطيبا حتى أصبح خطيب المحافل ومنشدها، وإنه ليرتجل الكلمة البليغة في الموقف الخطير ". (ص 26)
ويؤكد الخليلي (ص 26) على موهبة الشامسي في الإلقاء بالطريقة العُمانية مشيدا بحسن أدائه وأن لديه معرفة بالتلحين لذلك تراه محبوبا لدى الناس يتمنون سماع قراءاته.. " .
16-الشيخ محمد بن راشد الخصيبي، لم يفصّل الخليلي ترجمة الخصيبي كثيرا ، فبدت مقتضبة مقارنة بأقرانه ، وقد ذكر فيها أنه " أديبٌ لبيبٌ ،وقادٌ، مقدامٌ، فطنٌ، وقد نشأ في مسقط برعاية أبيه الشيخ راشد بن عزيّز واتخذها وطنا، وكان في أيام شبيبته يختلفُ على أهل العلم في بلدته سمائل، فيأخذ منهم علوم النحو والصرف ولاسيّما من لدن المشايخ اليوسفي وعيسى بن ثاني البكري، والشيخ سالم بن حمود السيابي والشيخ خلفان بن جميّل والأخيرين أخذ عنهما علوم الفقه والشريعة، فنبغ في فنون العلم، وتسنَّم رتبة القضاء في عهد الإمام الخليلي، و" له في النظم والنثر القصبةُ العليا والباعُ الطويل ".
17-الشيخ سليمان بن خلف الخروصي، يُعْجَبُ الشيخ الخليلي في ترجمته بالشيخ سليمان الخروصي، ويثني عليه ويطريه، ويصفه بأنه" رجل الموهبة الذي طار بها إلى أفق الحياة الخصبة فرعى في مراعيها النظرة، وساح في مسارحها الخضرة يقبل الجمال، ويستهدف الحسن، ويناجي الطبيعة في رقة أحاسيسها، ولطف مشاعرها فذوّب سواد مقل النحل، وعصر سويداء قلوب الأبطال، فكتب واستكتب وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل، فكان مبعث الخيل ومطمح الشاعرية، فوقف على العبقرية يقرأ الدنيا وعباقرتها ...".
18- الأديب حبراس بن شبيط الشعملي، يُسجِّل الشيخ عبدالله الخليلي في ترجمته لحبراس (ص 29) مواقف إنسانية تتصلُ بحياته الشظفة الكادحة شأنه شأن كثير من أبناء وطنه، الذين عاشوا في تلك الحقبة من الزمن، ويعتني بوصف مفردات شقائه ونضاله وكدحه ومواهبه وقدراته الفذة منذ نشأته الأولى حتى نبوغه شاعراً وقارئا.
كما تتصلُ رؤيته أيضا بعنايته بأبيه الضرير- الذي عالجه بدواء اخترعه فبصر- وتحمله أعباء الحياة، عاملا كادحا منذ نعومة أظفاره، ثم تلقيه العلم على يد الشيخ القاضي الضرير سعيد بن هاشل الناعبي في ولاية إزكي الذي أخذ يترددُ عليه راجلاً يقطعُ المسافات الطوال بين بلدة " إمطي" إلى بلدة " النزار"، ثم على يد سالم بن سعيد بن حمود الذي كان أحد تلامذة الشيخ اليوسفي، وبعدها رغب إلى سمائل لإكمال ما بدأه من تلقي علم".
19-الشيخ خلفان بن جميّل السيابي لم يطلْ الخليلي ترجمة الشيخ خلفان بن جميّل لذيوع صيته ومعرفة الناس بمساقات حياته وسيرته التي وثقها أكثر من مؤلف قبله، وكلُّ ما ذكره عنه شخصيته وتاريخَ ولادته بسنة 1308ـ وتلقيه التدريس على يدِ العلّامة عامر بن خميس المالكي وأخذه العلم كذلك عن عدة أقطاب حتى تهيأ للتدريس والفتيا.
وعن شعره، قال: ص (31) أنه " لم يعتن كثيرا به، وكان سهلا عليه " وكان يرتجله ارتجالا ويكتبه كتابة، كما يكتب الكاتب رسالته النثرية، ومن أشعاره قصيده " البهجة التي تحتوي على أحكام وأمثال وقد صاغها بحسن أسلوب وغزارة".
20- الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي، شاعر الشرق وهو في نظره شاعرٌ عبقريٌّ ينحدرُ من سلالة مجدِ وعزٍّ ويترع الدائرة العليا من مرابع الشرف، ويحتل المكانة السامية من بحبوحة العز طارفه وتليده ".
يتضحُ من مجمل التراجم السابقة أن الشيخ عبدالله الخليلي لا يحيط شخصياته بكامل مساراتها الحياتية، ولا يقدّم عنها ما يتصلُ بحراكها بل يصفها وصفا موجزا من واقع المعايشة والمعاصرة، فهو يبدأها بذكر اسم الشاعر متتبعا إياه حتى الاسم الثالث وأحيانا يصلُ به إلى العاشر ردءًا للبس، ثم يصفُ شخصيته، ولا يتطرق كثيرا إلى معلومات الخاصة بالشاعر كتاريخ الميلاد ومكانه وبيئته الأسرية وأعماله؛ لهذا جاءت تراجمه بمثابة بيان لمكانة الشعراء ووصف أشعارهم وتشخيص تجاربهم وتقديم قراءة انطباعية لها دون أن يلج إلى الاستشهاد أو اختيار نماذج شعرية، وهي خصيصة تجعل كتابه يبتعد عن منهج النقد ويقترب من القراءة الوصفية لما يعتمل نفسه من مشاعر أثناء قراءته لشعر كلّ شاعرٍ، كما يغلبُ على خطابه اللغة الطنانة الجزلة والخطاب التبجيلي الباذخ، وفي كثيرٍ من الأحايين يُقدّم قراءات انطباعية أقربُ إلى اقتناصِ روح الشعر ومكمن التجربة ومركز بؤرتها ، كأن يقول إن هذا الشاعر " أقربُ إلى المديح ، أو الشعر الديني، أو الشعر الوصفي"...وفي العموم فقد نهج الشيخ الخليلي منهج الاختصار والتركيز على شخصيات الشعراء الذين عرفهم واقترب منهم، ولم يقدّم تراجم موسّعة كافية إبراز سيرهم الذاتية. كما لا تخلو تراجمه من بعض نظرات النقد الانطباعي، وهو يقدّمها اعتماداً على الذوق والسليقة الشعرية.
هذا وقد نشر بعض مباحث هذه التراجم في الصحافة المحلية شأن ترجمة أبي سرور التي نشرها في صحيفة عمان بتاريخ 18/8/1973، فيما بقيت بعضها في مذكرة مخطوطة سمّاها التراجم، ونأمل أن ترى النور مع بقية أعماله النثرية ولاسيّما مقاماته وكتابه" الحقيقة" ورسائله ودفاتره وغير ذلك؛ لتكون مواكبة لأعماله الشعرية التي صدرت قبل فترة وجيزة.
- اعتمد على عنصر المعاصرة في بيان مرئياته حول شعراء عصره.
- "التراجم" بحثٌ مخطوط ورسالة أدبية جديرة بأن ترى النور.
إعداد الدكتور محسن الكندي -
هذا البحثُ المخطوط بل المذكرة المختصرة التي لا تتعدَّى صفحاتها -المتوفرة لدينا- ثلاثين صفحة تتموضعُ موضوعيًّا في حقلِ التراجم والسير الغيرية، وتتصل فنيًّا بتوثيق أعلام الشعر والأدب، وتمثلُ مصدراً أصيلا للدراسات الأدبية العُمانية وقيمتها في اعتبارين مهمين: -
الأول: اعتبار الريادة التاريخية وأسبقية الكتابة، فالشيخ الخليلي كتبها في مرحلة السبعينيات من القرن العشرين في وقت ندرت فيه أو كادت تنعدم فيه التراجم المعرّفة بأعلام الشعر والأدب، فهو سابق للخصيبي في شقائقه، والبوسعيدي في قلائده، والطائي في أدبه المعاصر.
الثاني: اعتبار الأصالة وجودة التأصيل، فهي نابعةٌ من شاعر يميزُ جوهر الشعر من زبده، ومهارة الشاعر من محاولاته وأوهامه، لذا جاء ما كتبه عن الشعراء متسما بالدقة والمعرفة القريبة والتشخيص الفاحص لمكامن التجربة وجوهرها، فمعظم الذين ترجم لها – ولو مختصرا – هم أبناء بيئة الكاتب وبعضهم أترابه وزملائه وكثيرا ما التقى بهم وعرف ميلاد قصائدهم ناهيك عن معرفته بثقافاتهم وتكوينهم الحياتي؛ لهذا رأيناه يقدّم تجاربهم بلغة رصينة جزلة وفكر متّقد وعاطفة مفعمة بالخيال، فترجمته ترجمة شاعر، وأسلوبه أسلوب أديب يملك زمام الكَلِم.
ويأتي بحثُ " التراجم " في سياق كتب التاريخ الأدبي العُماني التي بدأت في الظهور عبر نماذج من مثل: "شقائق النعمان " للخصيبي، و" قلائد الجمان " للبوسعيدي.
وإذا كان هذا البحث قد حاز الريادة، واستأثر بالسَّبق في كتابة التاريخ الأدبي، فإن الكتابين الأخيرين سلكا طريقهما ليكملا ما نقص منه، ويسدا بعضا من ثغراته، وكان نواة للتراجم العُمانية التي اتسع نطاقها مع ظهور الدراسات الثقافية والأكاديمية منذ مطلع العشرية الأولى في القرن الحادي والعشرين ونجم عنها فيض من الدراسات امتلأت بها أرفف المكتبة العُمانية.
يبدأ الكاتبُ مذكرته بعنوانه الأثيري " العبقرية " ويفتتحها بقوله ص 3: " أخي لقد كنت وما زلت أحلم بأمنية جسيمة، أقلب عنها صحف الحياة، فلا أنتهي غالباً إلا إلى صفحات الأدب بين خطاباته وكتاباته وشعره فأترسم تلك الخطى لا علوقاً بها، ولكن لعلي أصل إلى الهدف فيتحقق حلمي وتستجيب أمنيتي.."
ثم يشير إلى هدفه وغايته من هذه التراجم ص 3 " إنني من خلال هذه الومضات اللامعة أتبين طريق حياة يجب أن تكون مترسم كلّ ذي عبقرية، ولهذا تراني أندفع وراء الواقع مرة وخلف الخيال مرة أخرى ".
وعن الدوافع التي دفعته إلى كتابة هذه المذكرة التعريفية التي أطلق عليها تجوّزا تراجم فإنه يرى أنها تلبية لما اقترحه عليه بعض الإخوة الأعزاء لتسويد شيئا من شعره وشعر إخوته العُمانيين.
أمّا منهجه فيؤول إلى استعراض مواهب الشعراء وعبقرياتهم كما يقول واحدة تلو الأخرى واصفا مكامن القوة فيها، ومبرزاً مستويات الجودة في نماذجها، ورغم أنه ترجم لعدد قليل ممن عرفهم وارتبط بهم إلا أن جهده وقع على لبِّ التجارب فوصفها ووضع هيكل إطاري لها كيف لا ومن ذكرهم عمدٌ في الحركة الأدبية في عصر أعني فترة النصف الأول من القرن العشرين وإليهم ترجع بلاغة الخطاب في عصرهم.
ويبلغ عدد من تراجم لهم عشرين شاعرا أغلبهم من ولاية سمائل وما حولها، ويمكن تناول شذرات مما قاله فيهم على النحو الآتي: -
1 – الشيخ سالم بن سليمان البهلاني ، وقد قالَ عنه : إنه إمام في العربية سلسٌ قياد القلم لو شاء أن يذيبَ سواد أعين العين ليكون ذوبها مشرب قلمه السيّال لفعل، ولو شاء أن يسوّد صحف الدهر بما في وجوده من عبر وآثار تاريخية لما شمسَ قلمه ، ولا جفَّ معينه .."
ويقول عن أدبه: " إن كاتبنا هذا له شاعرية فيّاضه تلمسُها في نثره البديع كما تراها في شعره الرائع، ولقد قرأت من رسائله ما لو وضع على نحور الحسان، لكان العقد النفيس الذي يزدهي بملبسه الجمال ويحسده عليه الحسن ويغبطه الدلال ويبعث من بين جواهره اللمَّاعة ".
ومن الالتفاتات المهمة في هذه الترجمة أن الخليلي يشير إلى حُسْنِ خطِّ مترجمه وجودة تحبيره، وأنه صاحب موهبة فيَّاضة في هذا الجانب.
2-الشيخ خالد بن هلال الرحبي، يصفهُ بالأديب العبقري، وأنه شاعرٌ موهوبٌ يجيدُ السَّبك ويُحسِنُ الصناعة، لشعره رونق جذاب قوةً في المعنى ومتانةً في التركيب وسلامةً في المأخذ ورشاقة في الأسلوب ". ويُبدي الخليلي إعجابه بهذا الشاعر الوصّاف حتى أنه استشهد ببيتين من شعره تأكيدا لعبقريته وطلاوة شعره ويقول عنه: "أنه أنشط من عقاله وحدا العبقرية في مجاهل الخيال الساحر، فلم يشمس عليه، ولم تجمح عنه ذاكره، ولم ينضب له معين حتى توصل من الطريق المسدود إلى فتحة الواقع فذاكى نور الطبيعة.. فأطلق جناحه للهواء الطلق وهو بين سارح فيه وبارح وسانح وصادح كأنما يحاول أن يطبق الموسيقى على اللحن، ويضم الفن إلى الفن.. " .
3-الشيخ حمد بن عبيد السليمي، ينطلقُ الخليلي في ترجمته لهذا الشيخ العلَّامة الفقيه المرجعي من تلمذة تربوية، فهو أستاذه وشيخه كما يقول، وقد تفيأ ظلال شجرة العلم التي غرسها بنفسه وجنى ثمرتها أكثر أبناء بلده سمائل وعُمان قاطبة.
ويحددُ الخليلي مكانَ مولد شيخه بقرية (سَدِّي) من أعمال ولاية إزكي، وأنه التحق بركب عمِّه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وقد استقى علمه بمعية أخيه من ينبوع الإمام نور الدين السالمي والشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، وأنه قضى أكثر أيامه البيض في كنفهما، وطرق أكثر فنون العلم وبرز في النحو وعلوم الآلة وتولى القضاء للإمامين الرضيين الخروصي والخليلي فأحسن العمل، وكان كثير الثقة برأيه حتى قيل إنه: " داهية العُلماء " وكان يقول الشعر فيجيده".
4-السيد هلال بن بدر البوسعيدي، أطلق عليه "الشاب الظريف" انطلاقا مما كان يراه فيه فهو كما يقول ص 11:" دائماً حسن البزّة والهندام عَبق المجلس والأنفاس " .
ويصفهُ الكاتبُ بأنه أديبٌ عبقريٌّ كاتبٌ مجيدٌ وشاعر مطبوع لشعره جاذبية، وغالباً يقفُ بشعره على معطيات واقعه فيوثق طوارئه ويسجل معطياته وأحداثه.
ويسردُ الخليلي في ترجمته للسيد هلال معلومات تقع في لب شخصيته فهو يوثق مولده بسنة 1314 ووفاته بسنة 1385هـ ، وأنه عاش يتقلب في أحضان الأدب فطورا تراه كاتبا تاريخيّا وله كتابٌ عني فيه " بأشرف ما يعنى به عربي أصيل فأتى على كثير من أخبار العرب العُرباء والعرب المستعربة "، وله ديوان شعر رائق قضى عليه غضباً منه بفعل الظروف التي أحاطت به وأحالته دون تحقيق أمانيه ". ويختمُ ترجمته له بتوصيف شعره وأنه يمتاز برقة الأسلوب ولطف المأخذ وسلامة المادة وكان يعجب كثيرا برقائق الشعراء العصريين فيمتدحهم ويجاريهم.
5-الشيخ علي بن جبر الجبري.. ينطلقُ الشيخ الخليلي في ترجمته للشيخ الجبري من منطلقات اجتماعية تتصل بمنزلته الاجتماعية، وتاريخه الأسري، ومكانته بين بني قومه، فيصفه أنه ص 11" سيدٌ شريفٌ يتصدرُ المكانة العليا بين أفراد الشعب العُماني وطبقاته وراثة مع دماثة في أخلاقه، ورقة في مشاعره، ولطفٍ في مآخذه وهو يقولُ الشعر ويحسنه، وإن لم يكن عنايته الوحيدة، وأنه أخذ هذا الشعر من خاله الشاعر العبقري السيد هلال بن بدر الذي استوى على كرسي الأدب الرقيق في مرحلته".
6-الأستاذ موسى بن عيسى البكري، وهو شاعر معاصر يقول عنه الشيخ الخليلي (ص 12) " أنه أديبٌ مهذبٌ وله اليدُ الطُولى والقدم الراسخة في علوم العربية وأنه اعتنى بالتدريس والطلبة يهرعون إليه ". ويؤرخُ مولده بسنة 1337هـ ومكانه ولاية سمائل الفيحاء مهد العلم والتفوق والنبوغ، ويذكر عنه (ص 12) أنه تربّى في حضن والده الأستاذ المجيد عيسى بن خلفان البكري وهو من أهل بيت ومجد وأكثر رجاله جهابذة وعباقرة أدب.
7- الشيخ سالم بن حمود السّيابي، يقدّم الشيخ عبدالله الخليلي ترجمته للشيخ سالم من واقع المعايشة، فيذكر " أنه يتمتع بصحة تامة وقوة متناسبة " وقد مارس العلم منذ نعومة أظافره، وأنه تتلمذ على يديه ثم انقلب إلى التأليف فجاء بأرجوزة في الشريعة المحمدية في مائة وعشرين ألف بيت بمثل ما جاء بدرر من القصائد في مختلف مجالات الحياة.
8-الشيخ عبدالله بن ماجد الحضرمي لم تتجاوز ترجمة الشيخ الخليلي لهذا الشاعر المُجيد ذكر اسمه ومكان ولادته بلدة " فرق " النزوية " ووصفه بالشاعر الضرير، وأن لديه شاعرية جامحة وخيال وثاب يقول الشعر فيسهب غير متكلف وهو في آخر القصيدة مثل أولياتها، وقد طرق غرض المدح كثيراً ثم أقلع عنه، ويمتاز شعره بالمتانة وسلامة المأخذ وحسن التركيب ومتانة السبك ورصانة النسيج وله اليد الطُّولى في بحور الشعر وتقسيماتها والقوافي وأنماطها.
9-الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، لا تكاد تتوفر ترجمة مفصَّلة باذخة في تراجم الخليلي للأعلام مثلما تتوفر لهذا الشيخ العلّامة الفقيه، فقد بسطها بسطا، وأبان فيها عن شخصيته العلمية ومستويات تفكيره ومعالم شعره ونثره، وأكثر من ذكر مواقفه الحياتية وعلاقاته مع أقرانه علماء المرحلة ومع سدة الحكم إمامة كانت أم سلطنة، فهو يبدأ ترجمته بذكر مولده ويحدده بسنة 1314هـ ، ويصف حياته بعبارات افتخار وإشادة تناسب مقامه الرفيع، فيذكر عنه (ص 16) أنه " تربّى بين قيصوم العروبة الصلب في قلبه الحديد ولسانه الذوب وهاجسه الطموح، يتقلب في أحضان الشرف الرفيع والمجد المؤثل على هضبة العز في عليا بيوت الفخار؛ إذ أنه من بيت الزعامة والرئاسة في قومه العبريين الذين سجّل لهم التاريخ الأبيض أسطارا مشرقة على صفحات الوجود لم يعلق ولن يعلق عليها غبار الدهر ".
ويسردُ المترجم مكانة الشيخ العبري ويستعرض مواقف من حياته العلمية والعملية، وأنه تقلد إمارة الفقه في أحضان الإمامين الخروصي الخليلي، وحصلت له منافسات في عهد الأخير وأدوار مغرضة " استطاعت أن تتسلط بشؤمها عليه في قوارصها المؤلمة ثم صرخاتها المزعجة ثم هجماتها المركزة.. فخلقت من تلك الشخصية حالا قدر التدجيل على تحويلها عن تلك الطمأنينة التي كانت تعيشها حتى ظلت متجولة بصاحبها بين الخوف والسخط والظنة، فخرج ملتحقا بالحكومة المسقطية وجُعل قاضي القضاة بالمحكمة الشرعية ولبث فيها محترما، ثم اصطلح حاله وتوطدت علاقته بإمامه فكان يتردد بين منصبه ووطنه".
10-الشيخ عيسى بن صالح الطائي، لا يذكر الشيخ الخليلي الاسم المكتمل لمترجمه هذا على خلاف العادة، ولعله سقط سهوا، وما ذكره (ص 19) مولده بسنة 1307 ووفاته 1362هـ وأنه "كان فقيهاً فطناً شبّ في أحضان العلم وتغذّى بلبانه، ودرج في رياضه "، فقرأ على يد أعلامه، وكان " حلو المحاضرة رقيق المشاعر يقول الشعر فيجيده بمثلما يجيد النثر ويسبكه، وله فيه رسائل تطرق فيها إلى مجالات كثيرة، ولشعره آثار رقة وحلاوة في الأسلوب، ورشاقة في الديباجة، ولكم شبب فأبدع، وتغزل فرقق، وطارح فبزّ، وجارى فتفوق ".
11-الشيخ سعيد بن خلف الخروصي يصفه الخليلي " بالعربي الأصيل " ويتتبع اسمه حتى يصله إلى الاسم التاسع، ويحدد مكان مولد بمدينة نخل "شاذون" ويؤرخ ميلاده بعام 1344 هـ، ويصف نشأته (ص 20) بأنه "نشأ بين والدين كريمين يحوطه حنانهما وترعاه عنايتهما ورعايتهما يتقلبُ معهما في أحضان النعمة ورغد العيش تحت كنف جده الشيخ محمد بن نصير الذي كان أصدق صديق لإمامنا الرضي سالم بن راشد الخروصي"، وقد شبَّ على الطوق وهاجر موطنه إلى نزوى ليتلقى العلم على يد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ".
12-القاضي حميد بن عبدالله الجامعي، وهو في رأيه كادحٌ عاملٌ قارئ كاتبٌ شاعرٌ أديبُ، فلا تجده كاسلا ولا ملولاً، كما أنه عبقريٌّ موهوبٌ، وهو من سلسلة رجال أكثرهم حملة العلم، يتميز بكونه " رجل سنة وتقية؛ علق بقراءة كتب الحديث ودأب عليها بكلّ جد واجتهاد، وهو من الطبقة الكادحة، فتجده عند منجله ومحراثه والكتاب بين يديه يقرأ منه جملة أو جملتين، فيلتفت إلى عمله الشاق يردد بين أشداقه ما يقرأ ".
و" قد خدم الشعر وهو في باكورة عمره فرقَقه وهلْهَله ولم يُعن فيه بمديحٍ إلا إن كان تقريظاً لسِفْرٍ مصنَّف، أو ما كان مديحا للمصطفى، وإذ تغزل فبنزاهة وإذا شبب فبرصانة، وإذا جارى تفوَّق، وإذا طارح غض وحَمَّس.. ".
13- الشيخ عيسى بن ثاني البكري، ما قاله عنه الخليلي (ص 23) شبيه بما قاله عن ابنه موسى عدا إضافته أنه خدم أستاذه العلامة أبا عبيد السليمي، وأنه كان يتحلى بالفطنة والذكاء وجودة الرأي وأنه يقوم بأعمال خطيرة في بلاده شأن كبار الشخصيات البارزة مما أدى إلى الفتك به شهيداً "ويذكر الشيخ الخليلي ملابسات وفاته، وأنه وجد عقب صلاة المغرب في المسجد مقتولا لا لذنب اقترفه، ولا لجريرة ارتكبها، ولكنه حسد وجريمة ".
وهو في نظره شاعرٌ يقول الشعر ويجيده، ويقول النثر فيحسنه، ولكنه بالنظم أولع، ومن درره قصيدة طالعها: قد شاقني ذِكْرُ المعاهدِ والدّمَنْ وغدا يحركُ من فؤادي ما سَكنْ.
14-الأستاذ حمدان بن خميّس اليوسفي، يبرزُ الخليلي في ترجمته للشيخ اليوسفي صفاته ومناقبه ولا يقدِّم عنه سوى ما عرفه عنه أو سمع، فهو أستاذه، يقدره تقدير الأبوة لما لمسه فيه من حبّ ووئام وإخلاص في العمل".
ويشير إلى ملابسات وفاته بالمدينة المنورة بعد أدائه لفريضة الحج، فقد فاضت روحه في تلك العرصات الطاهرة ووجهه كامل الحيوية والنضارة، و" تلك كرامة الأولياء "كما يقول المترجم (ص25).
واليوسفي في نظر تلميذه الخليلي مضربُ المثل في الزهد والورع، وقد عُرضتْ عليه أعمالٌ رفيعة بأجور عالية، فرفضها تحرزا وورعا وفضَّل أن يعيش قانعا قابعا في بيته تحت الفقر والمسكنة راضياً بخشن المطعم والملبس يقوت عياله بالنزر من الحلال "
ومما وصفه به أنه: خفيفُ الروح، طيبُ النفس، سهلُ الخليقة، طلقُ الوجه، باسمُ السِّن مازحاً بحق لا يؤاخذ بذنب ولا يلتمس لأخيه هفوة، وهو مع فقره المُدقع يجود بما يملك. وشعره يمتاز بالجودة وانتقاء اللفظ وترصيعه وتجوهر المعنى وتضخيمه وسلامة الرأي ورقة المأخذ، وله إعجابٌ بالبديع وإلمامٌ بالبيان ".
15-الكاتب علي بن منصور الشامسي قارئٌ حاذقٌ وأديب ماهر ولد سنة 1322 هـ وشب في حجر والده، وعاش مرموق المنزلة في قومه، تقلب بين رجال العلم يكرع علمهم فكان له الحظ الأوفر لدى علماء عصره، فأخذ عنهم وولع بالأدب كاتبا وشاعرا وخطيبا حتى أصبح خطيب المحافل ومنشدها، وإنه ليرتجل الكلمة البليغة في الموقف الخطير ". (ص 26)
ويؤكد الخليلي (ص 26) على موهبة الشامسي في الإلقاء بالطريقة العُمانية مشيدا بحسن أدائه وأن لديه معرفة بالتلحين لذلك تراه محبوبا لدى الناس يتمنون سماع قراءاته.. " .
16-الشيخ محمد بن راشد الخصيبي، لم يفصّل الخليلي ترجمة الخصيبي كثيرا ، فبدت مقتضبة مقارنة بأقرانه ، وقد ذكر فيها أنه " أديبٌ لبيبٌ ،وقادٌ، مقدامٌ، فطنٌ، وقد نشأ في مسقط برعاية أبيه الشيخ راشد بن عزيّز واتخذها وطنا، وكان في أيام شبيبته يختلفُ على أهل العلم في بلدته سمائل، فيأخذ منهم علوم النحو والصرف ولاسيّما من لدن المشايخ اليوسفي وعيسى بن ثاني البكري، والشيخ سالم بن حمود السيابي والشيخ خلفان بن جميّل والأخيرين أخذ عنهما علوم الفقه والشريعة، فنبغ في فنون العلم، وتسنَّم رتبة القضاء في عهد الإمام الخليلي، و" له في النظم والنثر القصبةُ العليا والباعُ الطويل ".
17-الشيخ سليمان بن خلف الخروصي، يُعْجَبُ الشيخ الخليلي في ترجمته بالشيخ سليمان الخروصي، ويثني عليه ويطريه، ويصفه بأنه" رجل الموهبة الذي طار بها إلى أفق الحياة الخصبة فرعى في مراعيها النظرة، وساح في مسارحها الخضرة يقبل الجمال، ويستهدف الحسن، ويناجي الطبيعة في رقة أحاسيسها، ولطف مشاعرها فذوّب سواد مقل النحل، وعصر سويداء قلوب الأبطال، فكتب واستكتب وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل، فكان مبعث الخيل ومطمح الشاعرية، فوقف على العبقرية يقرأ الدنيا وعباقرتها ...".
18- الأديب حبراس بن شبيط الشعملي، يُسجِّل الشيخ عبدالله الخليلي في ترجمته لحبراس (ص 29) مواقف إنسانية تتصلُ بحياته الشظفة الكادحة شأنه شأن كثير من أبناء وطنه، الذين عاشوا في تلك الحقبة من الزمن، ويعتني بوصف مفردات شقائه ونضاله وكدحه ومواهبه وقدراته الفذة منذ نشأته الأولى حتى نبوغه شاعراً وقارئا.
كما تتصلُ رؤيته أيضا بعنايته بأبيه الضرير- الذي عالجه بدواء اخترعه فبصر- وتحمله أعباء الحياة، عاملا كادحا منذ نعومة أظفاره، ثم تلقيه العلم على يد الشيخ القاضي الضرير سعيد بن هاشل الناعبي في ولاية إزكي الذي أخذ يترددُ عليه راجلاً يقطعُ المسافات الطوال بين بلدة " إمطي" إلى بلدة " النزار"، ثم على يد سالم بن سعيد بن حمود الذي كان أحد تلامذة الشيخ اليوسفي، وبعدها رغب إلى سمائل لإكمال ما بدأه من تلقي علم".
19-الشيخ خلفان بن جميّل السيابي لم يطلْ الخليلي ترجمة الشيخ خلفان بن جميّل لذيوع صيته ومعرفة الناس بمساقات حياته وسيرته التي وثقها أكثر من مؤلف قبله، وكلُّ ما ذكره عنه شخصيته وتاريخَ ولادته بسنة 1308ـ وتلقيه التدريس على يدِ العلّامة عامر بن خميس المالكي وأخذه العلم كذلك عن عدة أقطاب حتى تهيأ للتدريس والفتيا.
وعن شعره، قال: ص (31) أنه " لم يعتن كثيرا به، وكان سهلا عليه " وكان يرتجله ارتجالا ويكتبه كتابة، كما يكتب الكاتب رسالته النثرية، ومن أشعاره قصيده " البهجة التي تحتوي على أحكام وأمثال وقد صاغها بحسن أسلوب وغزارة".
20- الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي، شاعر الشرق وهو في نظره شاعرٌ عبقريٌّ ينحدرُ من سلالة مجدِ وعزٍّ ويترع الدائرة العليا من مرابع الشرف، ويحتل المكانة السامية من بحبوحة العز طارفه وتليده ".
يتضحُ من مجمل التراجم السابقة أن الشيخ عبدالله الخليلي لا يحيط شخصياته بكامل مساراتها الحياتية، ولا يقدّم عنها ما يتصلُ بحراكها بل يصفها وصفا موجزا من واقع المعايشة والمعاصرة، فهو يبدأها بذكر اسم الشاعر متتبعا إياه حتى الاسم الثالث وأحيانا يصلُ به إلى العاشر ردءًا للبس، ثم يصفُ شخصيته، ولا يتطرق كثيرا إلى معلومات الخاصة بالشاعر كتاريخ الميلاد ومكانه وبيئته الأسرية وأعماله؛ لهذا جاءت تراجمه بمثابة بيان لمكانة الشعراء ووصف أشعارهم وتشخيص تجاربهم وتقديم قراءة انطباعية لها دون أن يلج إلى الاستشهاد أو اختيار نماذج شعرية، وهي خصيصة تجعل كتابه يبتعد عن منهج النقد ويقترب من القراءة الوصفية لما يعتمل نفسه من مشاعر أثناء قراءته لشعر كلّ شاعرٍ، كما يغلبُ على خطابه اللغة الطنانة الجزلة والخطاب التبجيلي الباذخ، وفي كثيرٍ من الأحايين يُقدّم قراءات انطباعية أقربُ إلى اقتناصِ روح الشعر ومكمن التجربة ومركز بؤرتها ، كأن يقول إن هذا الشاعر " أقربُ إلى المديح ، أو الشعر الديني، أو الشعر الوصفي"...وفي العموم فقد نهج الشيخ الخليلي منهج الاختصار والتركيز على شخصيات الشعراء الذين عرفهم واقترب منهم، ولم يقدّم تراجم موسّعة كافية إبراز سيرهم الذاتية. كما لا تخلو تراجمه من بعض نظرات النقد الانطباعي، وهو يقدّمها اعتماداً على الذوق والسليقة الشعرية.
هذا وقد نشر بعض مباحث هذه التراجم في الصحافة المحلية شأن ترجمة أبي سرور التي نشرها في صحيفة عمان بتاريخ 18/8/1973، فيما بقيت بعضها في مذكرة مخطوطة سمّاها التراجم، ونأمل أن ترى النور مع بقية أعماله النثرية ولاسيّما مقاماته وكتابه" الحقيقة" ورسائله ودفاتره وغير ذلك؛ لتكون مواكبة لأعماله الشعرية التي صدرت قبل فترة وجيزة.