بمناسبة عيد الأب الذي تحتفل به بعض الدول العربية وصادف 21 يونيو 2021م وصلتني تهنئة هذا نصها: "أيها الأخوة الكرام، يسعد صباحكم، اليوم عيد الأب، كل عام وأنتم بخير".
ومن لطائف الله وفضله التي لا تُحصى، ويصعب تفسيرها، أو معرفة الحكمة من ورائها، أن تكون الذكرى الثالثة عشرة لوفاة والدي رحمه الله، في الشهر الماضي تاريخ 24 مايو. وقد وددت كما خططتُ وأسررت ذلك بيني وبين نفسي أن أكتب عن أبي وتلك الذكرى المفصليّة في حياتي، أسوة كما أكتب عن الآخرين أو بعض منهم؛ الذين تركوا في نفسي ذكرى. لكني تأخرت، وفي كلّ تأخير خير كما تقول الثقافة والمعتقد.
نعم، تأخرت، ولأسباب التأخير أمور متداخلة، كان أهمها أن إصابة العالم كله بوباء كوفيد 19 يمنح من يرغب الاستفادة فرصة لتأمل ذاته، وجدّولة حساباته وفرز أولوياته. والحمد لله فقد أُصبت مع الذين أصيبوا بفيروس كورونا وتعافوا منه، وكان في تصاعد وتيرة الفقد ما جعلني أفتش في ذاكرتي عن الذين رحلوا، أو ابتعدوا على الصعيدين المادي والمعنوي..
إن الموت لا يعرف فقد الأحبة، كأس سنشربه ساعة رحيلنا، ومن حُسن المصادفات اللطيفة، أن العام الفائت لم أحتفل بعيد الأب، على الرغم من احتفالي مع الأهل بعيد الأم حفظها الله، لكن الدماغ يعمل بطرق عجيبة، ولخشيتي من تعرض ذاكرتي للنسيان أو للتلف والصعوبة التي بدأت أشعر بها كلما حاولت إزاحة ما يؤلم القلب أو يوجعه إلى الخلف وجدتني أتكلم مع أبي في الحلم.
عندما وصلتني تلك الرسالة القصيرة تذكرت ما وعدت نفسي به، وقلت لها: هيا يا بنت ربيع، أبوك يستحق أن تكتبي له رسالة في عيد الأب، لعلها رسالة شكر متأخرة، أو اعتذار، أو شوق، أو إقامة في الذكرى التي لا ينبغي أن تُنسى.
حسنا يا أبي.. عثرت ضمن تحديثات أجريتها في خزانة بغرفة مكتبي على زجاجة عطر كولونيا ريفدور أوreve d'or كانت أختي سامية قد أهدتني إياها منذ سنة. قالت حينها: هذه هديتي لك، عطر كان والدنا يستخدمه. أحببت قبل العودة إلى صلالة أن أهديك شيئا كان يُحبه".
غريبة هذه الذاكرة وهي تستعيد بصعوبة مواقف حدثت في أزمان بعيدة ولا تبرحها على الرغم من اختفاء بريقها. ما الذي سيضاف لي على وجه التحديد يا أبي وأنا أشّم رائحة عطر أنتَ كنت تحبها؟ هل سيكون الزمن أجمل؟ هل سأكون في حال أفضل؟ هل سأهنأ بأوقات هادئة في هذا القيض المُضجِّر؟ هل سأعود إلى القراءة المنتظمة أو الكتابة بيسر؟
ماذا يمكن أن تفعل رائحة عطر أنت كنتَ تحبه؟ السؤال الصحيح الذي يجب أن يُسأل هو: لماذا نظل نحتفظ بأشياء قد تثير داخلنا ما يؤلمنا؟
مرت ذكرى وفاتك الثالثة عشرة مرورا هادئا، أضحك مع أخوتي جميعهم كلما سردنا لأحفادك عن مغامراتك أو مقالبك فينا؟! كذلك أسلوبك في الكلام، ولزمات شخصيتك المتفرّدة التي توحي للمتلقي الغريب كأنها قادمة من عالم روائي متخيل زاخر بالميثولوجيا لدرجة صار يقلدك فيها بعض أخوتك. ولكن الذكرى الأقرب إلى نفسي وأحاول هنا استعادتها بسرعة هي تشجيعك لي على الدراسة والتعليم والسفر. نعم، كنتَ فريدا بين جميع أقرانك، وصارما وشديدا في قراراتك وقاسيا في تربيتك، ولإدراكك أن مهمتك هي أصعب أدوارك، كنت تخفي خلف مظهرك كله، نهرا من الحنان والحبّ والحزن الشفيف.
هل قلت لك يا أبي أنك كنت مستقلا في حياتك، وحرّا في عواطفك، ونبيلا في كرمك، ومتفهما لاختلاف الآخرين. أولئك الآخرون الذين كانوا يشكلون الجحيم بالنسبة لي؟ ألم أقل لك ذلك؟ حسنا، ربما إذا التقينا سنتحدث. لكن في هذه اللحظة سأبذل جَهدي لأرّكز حول نقطة تشجيعك لي لمواصلة تعليمي والحفاظ على الاختلاف.
يا أبي.. لم تكن تعلم ما تعني الديمقراطية، ولا تعرف شيئا عن قضايا النسوية، ولم تسمع عن فاطمة المرنيسي، ولا كتابها الموسوم (نساء على أجنحة الحلم) لكنني وجدت فيك نموذجا تطبيقيا واقعيا لذلك كله.
وكما حرّك حادث الراديو الكاتبة المرنيسية وأتاح لها التفكير في مضغ كلماتها التي ستنطقها، ففي السنة ذاتها من سنوات تحصيلي الدراسي-وفي الصف العاشر على وجه التحديد- جرى أنك كنت تأخذني في سيارتك "الدايو" البيضاء إلى مدرسة النور آنذاك، ثم تأتي لتعيدني إلى البيت.
لم أكن على وعي كامل بأسباب رغبتك أن أضع "الغشوة"؛ أسوة بتقليد النساء في ظفار لستر وجوههن، ولم أفهم لماذا في ذلك الوقت طلبت مني ذلك، وقد كُنت في السنوات السابقة لا أضعها! لكنني قررت أن أتمرد على تلك القواعد بأسلوب هادئ وأن أجعلك تتراجع عن رغبتك في إرغامي على وضع ستارة وهمية خادعة تُخفي عكس ما تُبطن. كان يوما مختلفا، خرجتُ منتظرة وصولك إلى أمام المدرسة لتنتظرني كعادتك وكنت واقفة مع الطالبات اللواتي ينتظرن الحافلات التي ستقلهن إلى بيوتهن البعيدة. طال انتظارك كما طال وقوفي. مرّ الوقت ثقيلا وأنت تقف تارة أمام سيارتك لتصلي الظهر، وتارة تنظفها، أو تجلس في داخلها لتتجنب حرارة الشمس، وكم مرة شاهدتك تجرّ قدميك إلى حارس المدرسة تسأله إذا كانت جميع الطالبات قد خرجن وغادرن، فيعطيك إجابة تزيد من انتظارك. بعد مضي ساعة، اقتربت من سيارتك وركبتها، قلت لك: هذا أنا يا أبي، كنت أراك من هناك واقفة، ولكنك لم تتعرف عليَّ. لم تستطع أن تعرفني لأنني كنت أرتدي الغشوة! ضحك والدي، وألحق ضحكته المجهدة بفعل الحرارة لازمته المعروفة. في أثناء الطريق ظل يُردد: "دار رأسي، فزعت عليش". وقبل أن نصل إلى بيتنا، قال: أنتِ لا تريدين وضع الغشوة، سامحيني يا ابنتي، لن أطلب منك شيئا لا تريدينه" وقد كنتَ عند كلمتك يا أبي..
حسنا يا أبي. سأعود قبل أن أنسى إلى رائحة عطرك كولونيا ريفدور. أشمّها الآن كمحاولة يائسة لاستعادة حاسّة الشم التي تأخرت عندي بفعل كورونا. هناك خليط من الذكريات، يدك على مقود السيارة في طريق عودتنا إلى البيت، رغبتك بعد ساعات من الراحة أن تكشف لي السبب الذي دفعك لتطلب منيِ ذلك الطلب العجيب، وغضبك الخفي الذي اختلط بمزيج من الاحترام لقواعد المحافظة، وشعورك للحظة بهالة الزيف التي يعيش فيها هؤلاء الناس، ثم هناك صورة أخيرة مشرقة لا يجب أن تفوتني؛ وأنا في المطار متجهة للدراسة ودعواتك الخالصة وكلماتك التشجيعية التي لن أنساها أبدا ما حييت. لهذا العطر مفعول السحر، أو هكذا سأعتقد، وكما يقول المثْل السائر: "كلّ فتاة بأبيها معجبة" فإنّ كلّ عيد سيأتي سيحمل ذكرى محددة، وفي هذه اللحظة المشحونة بمشاعر مختلطة، أجدني "أحنُّ إلى كفِّ أبي كي أقبّلها، انحناءة خفيفة ووحيدة أرتضيها فتغزوني الطمأنينة.." .
ومن لطائف الله وفضله التي لا تُحصى، ويصعب تفسيرها، أو معرفة الحكمة من ورائها، أن تكون الذكرى الثالثة عشرة لوفاة والدي رحمه الله، في الشهر الماضي تاريخ 24 مايو. وقد وددت كما خططتُ وأسررت ذلك بيني وبين نفسي أن أكتب عن أبي وتلك الذكرى المفصليّة في حياتي، أسوة كما أكتب عن الآخرين أو بعض منهم؛ الذين تركوا في نفسي ذكرى. لكني تأخرت، وفي كلّ تأخير خير كما تقول الثقافة والمعتقد.
نعم، تأخرت، ولأسباب التأخير أمور متداخلة، كان أهمها أن إصابة العالم كله بوباء كوفيد 19 يمنح من يرغب الاستفادة فرصة لتأمل ذاته، وجدّولة حساباته وفرز أولوياته. والحمد لله فقد أُصبت مع الذين أصيبوا بفيروس كورونا وتعافوا منه، وكان في تصاعد وتيرة الفقد ما جعلني أفتش في ذاكرتي عن الذين رحلوا، أو ابتعدوا على الصعيدين المادي والمعنوي..
إن الموت لا يعرف فقد الأحبة، كأس سنشربه ساعة رحيلنا، ومن حُسن المصادفات اللطيفة، أن العام الفائت لم أحتفل بعيد الأب، على الرغم من احتفالي مع الأهل بعيد الأم حفظها الله، لكن الدماغ يعمل بطرق عجيبة، ولخشيتي من تعرض ذاكرتي للنسيان أو للتلف والصعوبة التي بدأت أشعر بها كلما حاولت إزاحة ما يؤلم القلب أو يوجعه إلى الخلف وجدتني أتكلم مع أبي في الحلم.
عندما وصلتني تلك الرسالة القصيرة تذكرت ما وعدت نفسي به، وقلت لها: هيا يا بنت ربيع، أبوك يستحق أن تكتبي له رسالة في عيد الأب، لعلها رسالة شكر متأخرة، أو اعتذار، أو شوق، أو إقامة في الذكرى التي لا ينبغي أن تُنسى.
حسنا يا أبي.. عثرت ضمن تحديثات أجريتها في خزانة بغرفة مكتبي على زجاجة عطر كولونيا ريفدور أوreve d'or كانت أختي سامية قد أهدتني إياها منذ سنة. قالت حينها: هذه هديتي لك، عطر كان والدنا يستخدمه. أحببت قبل العودة إلى صلالة أن أهديك شيئا كان يُحبه".
غريبة هذه الذاكرة وهي تستعيد بصعوبة مواقف حدثت في أزمان بعيدة ولا تبرحها على الرغم من اختفاء بريقها. ما الذي سيضاف لي على وجه التحديد يا أبي وأنا أشّم رائحة عطر أنتَ كنت تحبها؟ هل سيكون الزمن أجمل؟ هل سأكون في حال أفضل؟ هل سأهنأ بأوقات هادئة في هذا القيض المُضجِّر؟ هل سأعود إلى القراءة المنتظمة أو الكتابة بيسر؟
ماذا يمكن أن تفعل رائحة عطر أنت كنتَ تحبه؟ السؤال الصحيح الذي يجب أن يُسأل هو: لماذا نظل نحتفظ بأشياء قد تثير داخلنا ما يؤلمنا؟
مرت ذكرى وفاتك الثالثة عشرة مرورا هادئا، أضحك مع أخوتي جميعهم كلما سردنا لأحفادك عن مغامراتك أو مقالبك فينا؟! كذلك أسلوبك في الكلام، ولزمات شخصيتك المتفرّدة التي توحي للمتلقي الغريب كأنها قادمة من عالم روائي متخيل زاخر بالميثولوجيا لدرجة صار يقلدك فيها بعض أخوتك. ولكن الذكرى الأقرب إلى نفسي وأحاول هنا استعادتها بسرعة هي تشجيعك لي على الدراسة والتعليم والسفر. نعم، كنتَ فريدا بين جميع أقرانك، وصارما وشديدا في قراراتك وقاسيا في تربيتك، ولإدراكك أن مهمتك هي أصعب أدوارك، كنت تخفي خلف مظهرك كله، نهرا من الحنان والحبّ والحزن الشفيف.
هل قلت لك يا أبي أنك كنت مستقلا في حياتك، وحرّا في عواطفك، ونبيلا في كرمك، ومتفهما لاختلاف الآخرين. أولئك الآخرون الذين كانوا يشكلون الجحيم بالنسبة لي؟ ألم أقل لك ذلك؟ حسنا، ربما إذا التقينا سنتحدث. لكن في هذه اللحظة سأبذل جَهدي لأرّكز حول نقطة تشجيعك لي لمواصلة تعليمي والحفاظ على الاختلاف.
يا أبي.. لم تكن تعلم ما تعني الديمقراطية، ولا تعرف شيئا عن قضايا النسوية، ولم تسمع عن فاطمة المرنيسي، ولا كتابها الموسوم (نساء على أجنحة الحلم) لكنني وجدت فيك نموذجا تطبيقيا واقعيا لذلك كله.
وكما حرّك حادث الراديو الكاتبة المرنيسية وأتاح لها التفكير في مضغ كلماتها التي ستنطقها، ففي السنة ذاتها من سنوات تحصيلي الدراسي-وفي الصف العاشر على وجه التحديد- جرى أنك كنت تأخذني في سيارتك "الدايو" البيضاء إلى مدرسة النور آنذاك، ثم تأتي لتعيدني إلى البيت.
لم أكن على وعي كامل بأسباب رغبتك أن أضع "الغشوة"؛ أسوة بتقليد النساء في ظفار لستر وجوههن، ولم أفهم لماذا في ذلك الوقت طلبت مني ذلك، وقد كُنت في السنوات السابقة لا أضعها! لكنني قررت أن أتمرد على تلك القواعد بأسلوب هادئ وأن أجعلك تتراجع عن رغبتك في إرغامي على وضع ستارة وهمية خادعة تُخفي عكس ما تُبطن. كان يوما مختلفا، خرجتُ منتظرة وصولك إلى أمام المدرسة لتنتظرني كعادتك وكنت واقفة مع الطالبات اللواتي ينتظرن الحافلات التي ستقلهن إلى بيوتهن البعيدة. طال انتظارك كما طال وقوفي. مرّ الوقت ثقيلا وأنت تقف تارة أمام سيارتك لتصلي الظهر، وتارة تنظفها، أو تجلس في داخلها لتتجنب حرارة الشمس، وكم مرة شاهدتك تجرّ قدميك إلى حارس المدرسة تسأله إذا كانت جميع الطالبات قد خرجن وغادرن، فيعطيك إجابة تزيد من انتظارك. بعد مضي ساعة، اقتربت من سيارتك وركبتها، قلت لك: هذا أنا يا أبي، كنت أراك من هناك واقفة، ولكنك لم تتعرف عليَّ. لم تستطع أن تعرفني لأنني كنت أرتدي الغشوة! ضحك والدي، وألحق ضحكته المجهدة بفعل الحرارة لازمته المعروفة. في أثناء الطريق ظل يُردد: "دار رأسي، فزعت عليش". وقبل أن نصل إلى بيتنا، قال: أنتِ لا تريدين وضع الغشوة، سامحيني يا ابنتي، لن أطلب منك شيئا لا تريدينه" وقد كنتَ عند كلمتك يا أبي..
حسنا يا أبي. سأعود قبل أن أنسى إلى رائحة عطرك كولونيا ريفدور. أشمّها الآن كمحاولة يائسة لاستعادة حاسّة الشم التي تأخرت عندي بفعل كورونا. هناك خليط من الذكريات، يدك على مقود السيارة في طريق عودتنا إلى البيت، رغبتك بعد ساعات من الراحة أن تكشف لي السبب الذي دفعك لتطلب منيِ ذلك الطلب العجيب، وغضبك الخفي الذي اختلط بمزيج من الاحترام لقواعد المحافظة، وشعورك للحظة بهالة الزيف التي يعيش فيها هؤلاء الناس، ثم هناك صورة أخيرة مشرقة لا يجب أن تفوتني؛ وأنا في المطار متجهة للدراسة ودعواتك الخالصة وكلماتك التشجيعية التي لن أنساها أبدا ما حييت. لهذا العطر مفعول السحر، أو هكذا سأعتقد، وكما يقول المثْل السائر: "كلّ فتاة بأبيها معجبة" فإنّ كلّ عيد سيأتي سيحمل ذكرى محددة، وفي هذه اللحظة المشحونة بمشاعر مختلطة، أجدني "أحنُّ إلى كفِّ أبي كي أقبّلها، انحناءة خفيفة ووحيدة أرتضيها فتغزوني الطمأنينة.." .