حوار ماري لاورافيلبوت -
ترجمة - أحمد شافعي -
بصدور روايته الثامنة «كلارا والشمس» ينضم كتاب آخر من أكثر الكتب مبيعًا إلى أعمال كازو إيشيجورو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب والمعروف بروايتيه «بقايا النهار» «لا تدعني أرحل أبدا». روايته الحالية عن «صديقة اصطناعية» تعمل بالطاقة الشمسية اخترعت لكسر وحدة مراهق بشري يغوص في جوانب عميقة من التجربة البشرية: الغريزة التي تدفعنا إلى حماية من نحبهم، وحاجتنا إلى من يرانا ويفهمنا، ووعينا الحاد بالفناء. هو كتاب شبيه بالخرافي، قراءته مؤثرة، ومؤكد أنه سوف يضخ دما في مناقشات أندية القراءة.
من منزله في لندن، تحدث إيشيجورو عن الرواية، ونوبل، والأبوة، وكيفية احتماله للوباء وأمور أخرى.
***
- كان العديد من كتبك في ذهني وأنا أقرأ «كلارا والشمس». لفت نظري أن حاجتنا العميقة إلى إثبات حقنا في الوجود، وإثبات أننا جديرون بشغل الحيز الذي نشغله مهما يكن، وأن لوجودنا غرضًا وأنه لم يضع هباء - يبدو جزءا من صميم الكثير من كتابتك. فكرت في الخادم في «بقايا النهار». فكرت في «المستنسخين» في «لا تدعني أرحل أبدا». والصديقة الاصطناعية كلارا. في رأيك ما سر رجوعك كثيرًا إلى تلك الفكرة؟ أم ترى يجب أن أسألك أولا: هل تعتقد أنك ترجع مرارا إلى تلك الفكرة؟
- نعم، أعتقد أنك محقة تماما. لعلي أرجع إلى هذه الفكرة من زوايا مختلفة. وليس هذا فقط ما يثير اهتمامي بالبشر، بل ما يثير إعجابي بهم، حتى حينما يخطئون. هذا ما أحبه في البشر. نحن لسنا كالأبقار أو الغنم أو ما إلى ذلك. لا نرضى بأن نطعم أنفسنا ونتناسل ثم نموت. لكننا نظل نسأل أنفسنا: «هل أسهمت بشيء؟ هل أجدت في كذا..؟» حتى لو أنني مجرم فإنني أسأل نفسي «هل أجدت الإجرام؟ هل أخلصت لأفراد عصابتي؟» ذلك جزء من تركيبة البشر. نريد أن نقول إننا أحسنا الفعل، لا على المستوى الوظيفي وحده، وإنما على مستوى الأبوة والأخوة والصداقة والزواج.
- المجاورة بين التكنولوجيا والبشر، وجود هذه الآلة التي تحاول تأسيس فهم دقيق للعالم الطبيعي والمجتمعي الإنساني، لا بد أنه كان موقفًا ناضجًا للحكي. هل كانت تطورات الذكاء الاصطناعي في ذهنك خلال السنوات الأخيرة؟ وهل تخاف التكنولوجيا أم تحتفي بها، أم تتبنى كلا الموقفين؟
- كلاهما في ما أعتقد. لقد انغمست بعض الشيء في القراءة، وفي الحديث في واقع الأمر، عن أشياء مثل الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الجينات أيضا. اهتممت اهتماما شديدا بهذه المجالات لعدد من السنين دون أن أفكر فعليا أنني قد أؤلف كتابا عنها أو أنها قد تظهر بأي شكل من الأشكال في أي من رواياتي. عندي مخاوف منها لكن أعتقد أنها تفتح المجال أمام أمور مذهلة لنا، وبخاصة في ما يتعلق بالرعاية الصحية. بالطبع ثمة أخطار هائلة، فعلينا بوصفنا مجتمعا أن ندركها بأنفسنا لكي يتسنى لنا أن نستفيد من هذه الأمور ولا نتيح لها أن تدمر حضارتنا.
- الأبوة من العلاقات المركزية في «كلارا والشمس»، كيف شكّلتك الأبوة بوصفك كاتبا؟
- لا يمكن أن أتخيل الشخص الذي كنت لأصبح إياه، أو الكاتب، لو لم أمر بتجربة الأبوة. المنظور نفسه يتحول. عاطفيا، وفكريا، ينظر المرء إلى العالم نظرة مختلفة. أعتقد أن المنظور يصبح أبعد نطاقا أيضا. فلا ينظر المرء فقط إلى ما في عمره من أمور. إنما ينظر في ضوء عمر ابنه أيضا، وأعمار أحفاده، وأبناء أحفاده. تتغير في ما يبدو النظرة إلى الحياة، وإلى وجودنا، وإلى كل شيء. وتتغير على المستوى العاطفي، ومستوى القدرة على التماهي. أصادف بين الحين والآخر من الكتاب من يقولون إن إنجاب الأطفال يدمر المسيرة المهنية للكاتب. وفي رأيي أن هذا خطأ جسيم، ما لم يكن المرء يفكر في أن عمل الكتَّاب يقتصر على الجلوس وإنتاج كم معين من الكتابة.
- ولكنهم يعترضون طريق ساعات عملك في بعض الأحيان.
- [ضاحكا] المسعى الفني يقوم على محاولة اختبار الحياة وتأمل الحياة. ولست أقول إن الكتاب الذين لم ينجبوا لا يكتبون كتبا عميقة. فلدينا أمثلة كثيرة، كثيرة جدا، لهؤلاء. ولكنني لا أعتقد أن الإنجاب أمر يجب أن يجتنبه الكتاب لظنهم أن له أثرا سلبيا على مسيرتهم المهنية.
- في محاضرة قبولك جائزة نوبل سنة 2017 قلت إن الجائزة مؤشر إلى أن المرء «قدّم إسهاما مهما في مسعانا البشري المشترك». ما هذا المسعى؟
- منذ حصولي على هذا التكريم الهائل - الذي يظن البعض أنه التكريم الأعظم في جميع مجالات المساعي الإنسانية - وأنا أحاول أن أعرف لا إن كنت أنا وحدي - وإنما إن كان الأدب كله جديرا بهذا التكريم شأن الطب والفيزياء والكيمياء والسلام بطبيعة الحال. كما أن للاقتصاد الآن جائزة أضيفت أخيرا.
أريد أن أقول إن الأدب بالطبع في مثلها أهمية، ولكن هذا أمر يقلقني في جنح الليل. لماذا؟ استبعدي الطب، تجدين أن لدينا مشكلات حقيقية. استبعدي العلوم، استبعدي السلام. لكن الأدب، أهو جدير بوجودها في هذا المقام؟ هل أستحق أنا أن أمثله؟ إنني أقول منذ سنين إننا إن استبعدنا القراءة، وإن استبعدنا الأدب، فقد استبعدنا شيئا مهما جدا جدا في الطريقة التي نتواصل بها نحن البشر مع بعضنا بعضا. ليس كافيًا أن تكون لدينا معرفة بالمعلومات. علينا أن نستطيع بطريقة ما أن نوصل مشاعرنا وعواطفنا. علينا أن نستطيع أن نخبر بعضنا بعضا بمعنى وإحساس المرور بشتى أشكال المواقف. وإلا فإننا لن نعرف ما الذي يمكن أن نفعله بمشاعرنا.
نحن حينما نؤلف قصصا للأفلام، أو قصصا نحكيها وحسب لبعضنا بعضا حينما نلتقي، فإن هذا شيء أساسي للغاية. استبعدي هذا، تقع أمور سيئة. ننتهي إلى وحدة عميقة وتنتهي حضارتنا إلى الشلل.
- حينما تستيقظ في الصباح وأنت تشعر بأول شرارة دافع إلى بدء يومك، فأي شيء ذلك الذي يدفعك ويحفزك؟
- شأن الجميع، أفتقد الرفقة بسبب الوباء وما إلى ذلك. كنت كثيرا ما أستيقظ متطلعًا إلى حدث ما، أو إلى مقابلة شخص أريد أن أراه. أحب الحوارات مع الأغراب، مع الأصدقاء القدامى، ومع الأقارب. الحوار شيء يثيرني دائما لأنه يفتح المجال دائما إلى شيء جديد. لقد كنا نفكر في الكثير خلال الفترة القريبة الماضية، لا في الوباء وحده، بل إلى مآل المجتمع لدينا في العالم الغربي. لدينا الكثير والكثير من التحديات، وبعضها ليس مثيرًا للغم كما قد تتصورين لكن، ويؤسفني أن أقول هذا، فهو يبدو من الذوق السقيم، ولكن هذا ما يجعلني أنهض كل صباح. أقول لنفسي «سوف أكتشف المزيد عن هذا. أقرأ ذاك، وهذا الكتاب فاتن، وهذه الأفكار مذهلة». لقد وقعت خلال السنة الماضية أو نحوها أمور رهيبة، وفقد الناس كثيرا من الأحباب، ولكن لا توجد أوقات يمكن أن توصف بغير المثيرة.
______
نشر الحوار في واشنطن بوست في 22 يونيو 2021
ترجمة - أحمد شافعي -
بصدور روايته الثامنة «كلارا والشمس» ينضم كتاب آخر من أكثر الكتب مبيعًا إلى أعمال كازو إيشيجورو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب والمعروف بروايتيه «بقايا النهار» «لا تدعني أرحل أبدا». روايته الحالية عن «صديقة اصطناعية» تعمل بالطاقة الشمسية اخترعت لكسر وحدة مراهق بشري يغوص في جوانب عميقة من التجربة البشرية: الغريزة التي تدفعنا إلى حماية من نحبهم، وحاجتنا إلى من يرانا ويفهمنا، ووعينا الحاد بالفناء. هو كتاب شبيه بالخرافي، قراءته مؤثرة، ومؤكد أنه سوف يضخ دما في مناقشات أندية القراءة.
من منزله في لندن، تحدث إيشيجورو عن الرواية، ونوبل، والأبوة، وكيفية احتماله للوباء وأمور أخرى.
***
- كان العديد من كتبك في ذهني وأنا أقرأ «كلارا والشمس». لفت نظري أن حاجتنا العميقة إلى إثبات حقنا في الوجود، وإثبات أننا جديرون بشغل الحيز الذي نشغله مهما يكن، وأن لوجودنا غرضًا وأنه لم يضع هباء - يبدو جزءا من صميم الكثير من كتابتك. فكرت في الخادم في «بقايا النهار». فكرت في «المستنسخين» في «لا تدعني أرحل أبدا». والصديقة الاصطناعية كلارا. في رأيك ما سر رجوعك كثيرًا إلى تلك الفكرة؟ أم ترى يجب أن أسألك أولا: هل تعتقد أنك ترجع مرارا إلى تلك الفكرة؟
- نعم، أعتقد أنك محقة تماما. لعلي أرجع إلى هذه الفكرة من زوايا مختلفة. وليس هذا فقط ما يثير اهتمامي بالبشر، بل ما يثير إعجابي بهم، حتى حينما يخطئون. هذا ما أحبه في البشر. نحن لسنا كالأبقار أو الغنم أو ما إلى ذلك. لا نرضى بأن نطعم أنفسنا ونتناسل ثم نموت. لكننا نظل نسأل أنفسنا: «هل أسهمت بشيء؟ هل أجدت في كذا..؟» حتى لو أنني مجرم فإنني أسأل نفسي «هل أجدت الإجرام؟ هل أخلصت لأفراد عصابتي؟» ذلك جزء من تركيبة البشر. نريد أن نقول إننا أحسنا الفعل، لا على المستوى الوظيفي وحده، وإنما على مستوى الأبوة والأخوة والصداقة والزواج.
- المجاورة بين التكنولوجيا والبشر، وجود هذه الآلة التي تحاول تأسيس فهم دقيق للعالم الطبيعي والمجتمعي الإنساني، لا بد أنه كان موقفًا ناضجًا للحكي. هل كانت تطورات الذكاء الاصطناعي في ذهنك خلال السنوات الأخيرة؟ وهل تخاف التكنولوجيا أم تحتفي بها، أم تتبنى كلا الموقفين؟
- كلاهما في ما أعتقد. لقد انغمست بعض الشيء في القراءة، وفي الحديث في واقع الأمر، عن أشياء مثل الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الجينات أيضا. اهتممت اهتماما شديدا بهذه المجالات لعدد من السنين دون أن أفكر فعليا أنني قد أؤلف كتابا عنها أو أنها قد تظهر بأي شكل من الأشكال في أي من رواياتي. عندي مخاوف منها لكن أعتقد أنها تفتح المجال أمام أمور مذهلة لنا، وبخاصة في ما يتعلق بالرعاية الصحية. بالطبع ثمة أخطار هائلة، فعلينا بوصفنا مجتمعا أن ندركها بأنفسنا لكي يتسنى لنا أن نستفيد من هذه الأمور ولا نتيح لها أن تدمر حضارتنا.
- الأبوة من العلاقات المركزية في «كلارا والشمس»، كيف شكّلتك الأبوة بوصفك كاتبا؟
- لا يمكن أن أتخيل الشخص الذي كنت لأصبح إياه، أو الكاتب، لو لم أمر بتجربة الأبوة. المنظور نفسه يتحول. عاطفيا، وفكريا، ينظر المرء إلى العالم نظرة مختلفة. أعتقد أن المنظور يصبح أبعد نطاقا أيضا. فلا ينظر المرء فقط إلى ما في عمره من أمور. إنما ينظر في ضوء عمر ابنه أيضا، وأعمار أحفاده، وأبناء أحفاده. تتغير في ما يبدو النظرة إلى الحياة، وإلى وجودنا، وإلى كل شيء. وتتغير على المستوى العاطفي، ومستوى القدرة على التماهي. أصادف بين الحين والآخر من الكتاب من يقولون إن إنجاب الأطفال يدمر المسيرة المهنية للكاتب. وفي رأيي أن هذا خطأ جسيم، ما لم يكن المرء يفكر في أن عمل الكتَّاب يقتصر على الجلوس وإنتاج كم معين من الكتابة.
- ولكنهم يعترضون طريق ساعات عملك في بعض الأحيان.
- [ضاحكا] المسعى الفني يقوم على محاولة اختبار الحياة وتأمل الحياة. ولست أقول إن الكتاب الذين لم ينجبوا لا يكتبون كتبا عميقة. فلدينا أمثلة كثيرة، كثيرة جدا، لهؤلاء. ولكنني لا أعتقد أن الإنجاب أمر يجب أن يجتنبه الكتاب لظنهم أن له أثرا سلبيا على مسيرتهم المهنية.
- في محاضرة قبولك جائزة نوبل سنة 2017 قلت إن الجائزة مؤشر إلى أن المرء «قدّم إسهاما مهما في مسعانا البشري المشترك». ما هذا المسعى؟
- منذ حصولي على هذا التكريم الهائل - الذي يظن البعض أنه التكريم الأعظم في جميع مجالات المساعي الإنسانية - وأنا أحاول أن أعرف لا إن كنت أنا وحدي - وإنما إن كان الأدب كله جديرا بهذا التكريم شأن الطب والفيزياء والكيمياء والسلام بطبيعة الحال. كما أن للاقتصاد الآن جائزة أضيفت أخيرا.
أريد أن أقول إن الأدب بالطبع في مثلها أهمية، ولكن هذا أمر يقلقني في جنح الليل. لماذا؟ استبعدي الطب، تجدين أن لدينا مشكلات حقيقية. استبعدي العلوم، استبعدي السلام. لكن الأدب، أهو جدير بوجودها في هذا المقام؟ هل أستحق أنا أن أمثله؟ إنني أقول منذ سنين إننا إن استبعدنا القراءة، وإن استبعدنا الأدب، فقد استبعدنا شيئا مهما جدا جدا في الطريقة التي نتواصل بها نحن البشر مع بعضنا بعضا. ليس كافيًا أن تكون لدينا معرفة بالمعلومات. علينا أن نستطيع بطريقة ما أن نوصل مشاعرنا وعواطفنا. علينا أن نستطيع أن نخبر بعضنا بعضا بمعنى وإحساس المرور بشتى أشكال المواقف. وإلا فإننا لن نعرف ما الذي يمكن أن نفعله بمشاعرنا.
نحن حينما نؤلف قصصا للأفلام، أو قصصا نحكيها وحسب لبعضنا بعضا حينما نلتقي، فإن هذا شيء أساسي للغاية. استبعدي هذا، تقع أمور سيئة. ننتهي إلى وحدة عميقة وتنتهي حضارتنا إلى الشلل.
- حينما تستيقظ في الصباح وأنت تشعر بأول شرارة دافع إلى بدء يومك، فأي شيء ذلك الذي يدفعك ويحفزك؟
- شأن الجميع، أفتقد الرفقة بسبب الوباء وما إلى ذلك. كنت كثيرا ما أستيقظ متطلعًا إلى حدث ما، أو إلى مقابلة شخص أريد أن أراه. أحب الحوارات مع الأغراب، مع الأصدقاء القدامى، ومع الأقارب. الحوار شيء يثيرني دائما لأنه يفتح المجال دائما إلى شيء جديد. لقد كنا نفكر في الكثير خلال الفترة القريبة الماضية، لا في الوباء وحده، بل إلى مآل المجتمع لدينا في العالم الغربي. لدينا الكثير والكثير من التحديات، وبعضها ليس مثيرًا للغم كما قد تتصورين لكن، ويؤسفني أن أقول هذا، فهو يبدو من الذوق السقيم، ولكن هذا ما يجعلني أنهض كل صباح. أقول لنفسي «سوف أكتشف المزيد عن هذا. أقرأ ذاك، وهذا الكتاب فاتن، وهذه الأفكار مذهلة». لقد وقعت خلال السنة الماضية أو نحوها أمور رهيبة، وفقد الناس كثيرا من الأحباب، ولكن لا توجد أوقات يمكن أن توصف بغير المثيرة.
______
نشر الحوار في واشنطن بوست في 22 يونيو 2021