أحمد بن سالم الفلاحي -

shialoom@gmail.com -

توطئة:

«إن لم تكف هرجك فإن العبيثة، ستأتيك هذه الليلة، وسترى ما ترى».

د. منصف المرزوقي

من المواقف العسيرة التي تمتحن بها الذاكرة الطفولية في أغلب ثقافتنا المحلية هي تلك الصور النمطية المكثفة لمجموعة من الوحوش، والدواب، والرمزيات، وقد تصل إلى البشر كالعاملين في الجهات الضبطية، حيث تشحن هذه الذاكرة بصور غرائبية غير حقيقية ولا واقعية، ويحدث كل ذلك للوصول إلى نتيجة مفادها هدوء الطفل، وتسكينه وتطويعه «جبرا» وتقييده بهذه القيود الرمزية، فيكبر؛ وهو لا يزال يتحسس هذه القيود في كل لحظة وحين، عن يمينه وعن شماله، حتى تصبح عقدة نفسية ليس يسيرا الخروج منها، حتى وإن تماهت هذه الصور مع الأيام، وانسلت لمزاحمتها بصورة أخرى أكثر واقعية، وأكثر مأمونية منها، فشعاع النور الذي تستضيفه الذاكرة في كل لحظة وحين، من مصادر كثيرة ومتعددة، لن يفعل فعل السحر، للخروج بهذه الذاكرة من هذا الصراع النفسي القاسي، والقاتل في آن واحد، ألم يقل: «العلم في الصغر كالنقش على الحجر» والعلم هنا لن يكون مقصودا لذاته «المعرفة» فقط، بل كل ما يتلقاه الطفل من معارف وتوجيهات، وتصويبات، وأوامر، ونواه، بغية تهجينه وتدجينه بما يتوافق سلوكه مع ما يريده الأبوان، أو أحدهما، حتى يخرج إلى المجتمع فرد مشوه.

يعي أكثرنا أن حيوات البشر الأولى، كانت مسلوبة الإرادة في كثير من أنشطتها اليومية، وتكون مرهونة لكثير مما يجبرها على الخروج من الممكن إلى اللا ممكن، وهذا اللا ممكن يستلزم الوصول بالمرء إلى الجبر، وإلى الخروج عما هو مألوف، ولأن الوسيلة الأقرب إلى هذا الجبر، هو حقن النفس بمجموعة من الصور المخيفة، وخاصة للأعمار الصغيرة «الأطفال» وقد تسلمت الجدات؛ في أغلب الأحيان؛ هذا الدور، من خلال قصص خيالية بحتة، فوظفت الطيور كـ «العنقاء» والغراب، والبومة» والمغارات، والكهوف، وقطاع الطرق - في ذلك الزمان - وبنات آوى «مجموعة السنوريات» والجان، والـ «خايسة» والظلام الدامس، والأطلال «البيوت الخربة القديمة» وكل ما من شأنه أن يرسم في مخيلة الطفل ذلك الوحش المخيف الذي ينقض على كل صغير فيقطعه إربا دون رحمة، وكان يمكن لهؤلاء الجدات أن يحدثن نوعا من التوازن السلوكي من خلال استجلاب أنوار القمر والنجوم ببريقها الباعث على الأمل والهدوء، ومن خلال الحديث عن الإنسان الصالح ومحاربته للأشرار، وعن أهمية الإيمان في تشييد الشخصية القوية للإنسان في مواجهة الظلم؛ الذي تزخر به جوانب الحياة؛ كأحد تكويناتها، وذلك للتقليل من رهبة الخوف التي سكنت في نفوس هؤلاء الأطفال.

في سياقات جلد الذات نقع كثيرا في مأزق ذواتنا المهزومة بفعل التربية التي مررنا بها، ولذلك تظهر اليوم في كثير من مواقفنا، تجاه الآخر، قرب هذا الآخر أو بعد، حيث تنسل روح المبادرة بعيدا، انعكاسا لتموضع مجموعة من المحبطات التي رافقتنا كثيرا طوال سنوات طفولتنا المهزومة، عن غير قصد، فما كان في موضع التربية في ذلك الزمان، كان يذهب من ترويض هذه الأنفس الثائرة بطفولتها إلى تأسيس الكثير من الآداب، ومن الاحترام، ومن الطاعة، ولكن يبدو أن الأدوات التي وظفت لهذا الغرض لم توظف بالصورة المعقولة، حيث تداخلت معها شوائب كثيرة، أخلت بنتائج التربية فيما بعد، وهذا ما حدث بالفعل.

ختاما؛ تفسير التوطئة أعلاه؛ هو: «العبيثة؛ اسم الغولة في هذه الربوع، يا ما هددته عمات وخالات بهذا الكائن المرعب الذي يخرج من غابة الزيتون ليفعل أفعالا رهيبة بالأطفال الشرسين سليطي اللسان. العبيثة؛ الكائن الذي تتجمع فيه كل شرور البشر وكل تهديدات الآدمي للآدمي الآخر».

الرحلة - مذكرات آدمي - للمرزوقي.