كتابات عُمانية مُبَكرة «28»

إعداد الدكتور : محسن بن حمود الكندي -

أثناء زيارتي إلى زنجبار في الثاني من شهر مارس من عام 1999م وبحثي في أرشيفها ومكتباتها الأهلية - وقعَ في يدي مجموع شعري مخطوط يضمُّ قصائد الشاعر والأديب صالح بن علي بن مسلم الخلاسي ( 188 - 1943) - وكم كانت فرحتي به؛ لأنه يُمَثلُّ إضافة علمية، ومبحثا جديدا في مدونة دراستي عن الشعر العٌماني في القرن العشرين.

ظلَّ صالح الخلاسي - مع نظرائه شعراء المرحلة الزنجبارية قاطبة: الشيخ عبدالله بن صالح الفارسي، والسيد أبو الحسن جمل الليل، وعبدالله بأفضل، وبرهان بن محمد مكلأ، والشيخ عبدالرحمن بن محمد الكندي، والشيخ عبدالله بن سليمان الحارثي، والشيخ سيف بن سالم المسكري، وسليمان بن عمير الفلاحي - يمثّل صوتَ زنجبار الشعري الحاضر في أغلب مناسباتها الوطنية والاجتماعية والثقافية، وهم يملؤون صحفها بمقالات وقصائد شعر وأنشطة ثقافية متنوعة.

والأستاذ صالح الخلاسي أصيلُ قرية «سدي « بولاية إزكي، وهو كما تترجم له مصادر الشعر العُماني من مواليد عام 1885م، وقد تربَّى وتعلم بها، ثم سافر إلى زنجبار، وأقام فيها مدة طويلة إلى أن توفى بها في أواخر شهـر ذي الحجة من عام 1362/ 1942.

وقد رثاه ابن المكلا في قصيدة تأبينية طويلة نشرتها صحيفة « الفلق » بتاريخ 5 / 2 / 1944, ص 3 وفيها يقول:

الناسُ مشتركون في

هذي الشراكةِ والقضيةْ

حاوي السَّجايا الغـــ

ـرّ من حبِّ التقى نعمت سَجيةْ

هو صالح ُبن علي من

قد عاش كجكودِ المزيةْ

كانتْ له النُّكت العجيــــ

بة والمَعاني الأصمعية

وجنَى لنا من لفظه ٍ

حِكَمًا منضَّدة الجنية

غوَّاصَ في بحر القريــــ

ض إلى المباني اللؤلؤية

حازَ البراعةَ في ارتجا

لٍ والحِجَا والعبقرية

*- مقالاته ومنثوراته: لم يتوفّر لنا كثير من منثورات الخلاسي، ولا مقالاته عدا مقدمات لقصائده توضح مناسبة كتابتها، وكذلك مقالات في صحيفة «الفلق» ذات حسّ ديني منها مقالٌ بعنوان «الدليل الواضح على حياة المسيح عيسى بن مريم»، منها ما نُشر يوم السبت 25 يناير 1941م، وقد تناول فيه تفسير الآية الكريمة «إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك»، وختمه بالإشارة إلى ميمية القطب صاحب كتاب «هميان الزاد» في لفتة دينية مقارنة تبدو ثقافته الدينية وقراءاته في مصادر الفكر الإباضي منها قوله:

سينزلُ عيسى بعدَ ميم تلاشت

وجيم مآة حين حان عتا

قصيدته في رثاء الملك فيصل ملك العراق:

والخلاسي شاعر كلاسيكي أصيل يمتلك زمام الشعر وأداته ومن نوادر شعره قصيدة تأبينية طويلة تاريخها 29 جمادى الأولى 1352هـ، وبلغت أبياتها تسعة وثلاثين بيتا في رثاء ملك العراق فيصل بن علي بن الحسين، وتهنئة ابنه الملك غازي الذي صار خليفة بعده، قال فيها:

صيّرْ مديحك في الحبيب جميلا

واجعله أيضا في بنيه جزيلا

يا حادي العين التهامي أن لي

قلبا يحنُّ إلى الشفيع وصولا

اقطعْ بنا الدَّهنا حثيثاَ إنما

نرجو إذا سار المطي ذميلا

وجّهْ إلى سُوحِ المدينةِ إنها

بلدٌ تُضئ إذا رأتْ جبريلا

هي طيبة الغرَّاء أعلى قريةٍ

دارَ النبي الهاشمي أصيلا

فإذا رأيتَ المسجد النبوي قف

حتى أرتل وصفه ترتيلا

صلوا على المُختار يا أهلَ الهُدى

في كلِّ حينٍ بكرةً وأصيلا

رسالة الرد من الملك غازي:

وقد رَدَّ عليه ملك العراق برسالة رسمية صادرة من البلاط الملكي رقمها (ط/ 742) منقولة إليه بتوقيع سكرتيره الخاص، وقد أشار ناسخها إلى أنه وجدها في خزانته ونقلها كما هي دون حذف أو تصرف وأكد عليها بعبارة: «هذا جوابه لنا حرف بحرف»

البلاط الملكي الديوان/ بغداد

حضرة الفاضل: صالح بن علي بن مسلم الخلاسي المحترم زنجبار

أمِرتُ أن أعربَ لكمْ عن شكر مولاي حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم على قصيدتكم الرقيقة المؤرخة في 29 جمادى الأولى 1352 هـ المتضمنة تعزيتكم بوفاة سيد البلاد العربية وعاهلها الأعظم جلالة المغفور له الملك فيصل المعظم، وشعوركم الطيب نحو جلالته بمناسبة تبوئه العرش متمنيا لكم دوام العزِّ وطولِ البقاء والسلام.

سكرتير صاحب الجلالة الخاص

شعره:

يبدو من مدونة شعر الخلاسي التي جمعناها أنه مكثر النظم، وله مصادر عديدة، بعضها دفاتر وبعضها مجاميع وبعضها صحف سيَّارة وأغلب ما حصلنا عليه من شعره يندرج في أغراض المديح غير السياسي والمطارحات الإخوانية والقوميات والرثاء، وقد جمعنا له في معجمنا ستا وثلاثين قصيدة ومقطوعة، منها ما هو مخطوط، ومنها ما هو منشور، وهي في نظرنا تشكّل ديوانا لو جمعت وحققت.

ومن نوادره قصيدة سياسية نظمها تأييدا للألمان قبيل الحرب العالمية الثانية وليرسم بذلك خطا سياسيا يشي بموقف مع هتلر في حربه مع المعسكر الغربي، نكاية بالإنجليز والغرب الذين كانوا يمسكون بقبضتهم الاستعمارية على بعض دول الساحل الإفريقي ومنها زنجبار، ولهذا جاءت قصيدة الخلاسي مؤكدة لذلك، وفيها يقول:

قُوى الألمان إحدى المعجزات

لها شأنٌ عظيمُ البيّنات

فلا أحدٌ يقاومها اقتدارًا

لها خضعت جميع الكائنات

تريكمْ دولةُ الألمان عِزًّا

فقد بهر العقول من الرُّعات

وتحكم بالعدالة في الرعايا

وتنفى عن حماها الترهات

وتعطي كلَّ ذي حقٍ مُناه

بوجه الشَّرع من أمرِ القضاة

ومن روائع قصائده في غرض وصف الرحلة قصيدة رائية ذات قافية مطلقة وبحر(كامل مجزوء) وقد نظمها بتاريخ 15 صفر 1353 / 1933 بزنجبار، وقد نشرت بعدد 46 بيتا، بينما هي في أصلها المخطوط والمروي 64 بيتا، فآثرنا الإشارة إلى ذلك، وإيراد نصَّها لطرافته في طالع هذا المقال ومن أراد الزيادة فليعد إليها في مصدرها أو في كتابنا مدونة شعراء عُمان، وهو يبدي فيها تأسفه على ما حل بزنجبار بعدما زحفت على واحاتها الخضراء الحضارة والعمران وغيرت بعض ملامحها، فحول بعضها إلى مشهد آخر، وفيها يصبُّ جام غضبه على ما حلّ بها، وفيها يقول مخاطبا رفيقا له يسميه عبيدا:

سر يا عبيد فإنني موفقًا

لا ترجعنَّ إلى وراء

يا دهر قد أورثتنا

بعد النعيم تحسّرا

شمّر ولا تسمع مقا

ل العاذلين إذا جرى

خلِّ البلاد لأهلها

واقلع سريعا أنجرا

فإذا ركبت سفينة

فاحمدْ لمن قدْ يّسرا

ومن غرر قصائده قصيدة نظمها في وداع عملة النقد (الربيّة) البيضاء التي كانت متداولة في عصره واستبدل بها الشلنج العملة الورقية، وقد جارى فيها شعراء عصره :

مالي أرى الدّرهم المضرُوب مكتئبا

والدمعُ أضحى على خدّيه منسكبا

أقدْ دهاهُ مصابٌ حيث حيَّره

حتى أقام عزاءً منه محتسبا

وقامت الناس طرًَّا في مأتمه

فهو الأميرُ الذي قد عزّ وانتصبا

بل خانه الدهر إن الدهرَ ليس له

عهد فيُحمدَ ما يولي ويصطحبا

وأخيرًا نختم استعراضنا لشعر الخلاسي بقصيدته النادرة في فلسطين بعد أن زحفت عليها فلول الهجرات اليهودية بغية الاستيطان في أرضها في بدايات القرن العشرين، وكانت صرخته مبكرة واكبتها صرخات مدوية أخرى من لدن أبناء زنجبار فقد امتلأت صحفهم بمقالات احتجاج وتنديد وتنبيه ووعيد على النحو الذي تناولناه في حلقاتنا السابقة، يقول الخلاسي واصفًا ما حلّ بفلسطين:

فلسطين أحاط بها الأعادي

بجهر أو بكيد الخافياتِ

يمزق شعبها ظلما وجهرًا

بعدوان الجيوش الظالماتِ

ليغتصبوا الديار ومن عليها

بسفكٍ للدِّماء الطاهِراتِ

هذا هو الخلاسي كان شاعرا مبدعا وصوتا صادحا بالشعر ما فتئت قصائده تروي عطش الظمى الطامحين لمعرفة شعر المهجر الأفريقي، وقد كشفت عنه المصادر الأدبية وقدمته شاعرا ضمن سلسلة شعراء عُمان المجيدين، بعد أن ظل شعره غائبا عن أعين الباحثين رغم اسمه المتحقق، وقد اتسم بخواص المدرسة الكلاسيكية المفعمة بجزالة الكلمة وقوتها وشفافية العبارة وانسيابيها، وقد عني بمواضيع الشعر وأغراضه المنتمية في حقول المواقف الفكرية والعلاقات الإنسانية والنزعات الفنية، فهو لا يختلف كثيرًا عن طبيعة شعر أقرانه إلا في تجسيده لأحداث الواقع وارتباطه بالشعر العربي وأحداث الأمة.

أثناء زيارتي إلى زنجبار في الثاني من شهر مارس من عام 1999م وبحثي في أرشيفها ومكتباتها الأهلية - وقعَ في يدي مجموع شعري مخطوط يضمُّ قصائد الشاعر والأديب صالح بن علي بن مسلم الخلاسي ( 188 - 1943) - وكم كانت فرحتي به؛ لأنه يُمَثلُّ إضافة علمية، ومبحثا جديدا في مدونة دراستي عن الشعر العٌماني في القرن العشرين.

ظلَّ صالح الخلاسي - مع نظرائه شعراء المرحلة الزنجبارية قاطبة: الشيخ عبدالله بن صالح الفارسي، والسيد أبو الحسن جمل الليل، وعبدالله بأفضل، وبرهان بن محمد مكلأ، والشيخ عبدالرحمن بن محمد الكندي، والشيخ عبدالله بن سليمان الحارثي، والشيخ سيف بن سالم المسكري، وسليمان بن عمير الفلاحي - يمثّل صوتَ زنجبار الشعري الحاضر في أغلب مناسباتها الوطنية والاجتماعية والثقافية، وهم يملؤون صحفها بمقالات وقصائد شعر وأنشطة ثقافية متنوعة.

والأستاذ صالح الخلاسي أصيلُ قرية «سدي « بولاية إزكي، وهو كما تترجم له مصادر الشعر العُماني من مواليد عام 1885م، وقد تربَّى وتعلم بها، ثم سافر إلى زنجبار، وأقام فيها مدة طويلة إلى أن توفى بها في أواخر شهـر ذي الحجة من عام 1362/ 1942.