إيهاب الملاح -
- 1 -
لم يكن شاعر العربية الأكبر في القرن العشرين؛ صلاح عبد الصبور، شاعرا كبيرا وعالميا فقط من طرازٍ فريد، بل كان «مثقفًا» كبيرًا بكل معنى الكلمة، «مثقفا موسوعيا» ينطوي على رغبة متأصلة في المعرفة التي لا نهاية لها أو حد، وقد ساعدته إجادته التامة للغة الإنجليزية، وإمكان القراءة بالفرنسية على الاطلاع على أصول الفكر العالمي وفروعه. وقد ترجم عن الإنجليزية العديد من المسرحيات والقصص القصيرة، وترك من ضمن ما ترك من إرثٍ إبداعي وفكري لا نظير له مجلداتٍ رائعة ضمت ترجماته الرائعة لنصوص قصص ومسرحيات أشعار من عيون الإبداع المعاصر، فضلا عن مقالاته الثرية الممتازة في الأدب والنقد والشعر والشعراء والمسرح والسينما.
من أدوار عبد الصبور البارعة العظيمة التي لم يلتفت إليها كثيرون؛ مكتفين بقراءة وتحليل شعره الخالد وتراثه المسرحي الشعري الأهم في تراثنا الشعري في القرن العشرين، تقديمه الرائع وتعريفه الوافي بعددٍ كبير من أعلام الثقافة العالمية؛ شرقا وغربا، في الشعر والأدب والرواية والقصة والنقد..
- 2 -
كان صاحب «ليلى والمجنون» من أوائل من قدموا «طاغور» شاعر الهند الكبير إلى قراء العربية، وكذلك كان من أوائل من قدموا «لوركا» شاعر الأندلس الشهيد العظيم، وترجم متفرقات عديدة من شعره ومسرحه، فضلا كذلك عن تعريفه القارئ العربي بأبرز أعلام الحداثة الشعرية الأوروبية والأمريكية؛ وكتب مقالات ممتازة عن أبرز شعراء ونقاد هذا التيار الإبداعي والفكري؛ سنجده كتب عن ت. إس. إليوت على سبيل المثال، وبالمناسبة فإن ما كتبه عبد الصبور عن هذا الشاعر والناقد الكبير من أفضل ما كتب بالعربية عن إبداعه الشعري ونظريته الشهيرة حول التراث والتقاليد الفردية كما سجلها في كتابه ذائع الصيت «ملاحظات حول تعريف الثقافة».
وكذلك كان عبد الصبور أول من بسط أفكار الناقد الشهير والأكاديمي موريس بورا في كتابه المرجعي الرائع «الخيال الرومانسي» الذي كان الكتاب العمدة بل الأهم لجلِّ إن لم يكن لكلِّ الشعراء والنقاد العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، وبفضله وبدافع التأثر به ازدهرت دراسات «الصورة الفنية» و«الخيال الشعري» في طروحات الأكاديميين والجامعيين العرب طيلة ما يقرب من نصف القرن.
ويكاد يكون عبد الصبور هو الوحيد الذي عرَّف قراء العربية، في وقتٍ مبكر، بكازانتزاكيس اليوناني شاعرًا (كما سنعرف تفصيلًا بعد قليل)، قبل أن يعرِّف به روائيا أيضًا حينما وجَّه وهو أحد مسؤولي هيئة الكتاب النافذين (في ستينيات القرن الماضي) بترجمة أعماله ودرره الروائية العظيمة؛ وعلى رأسها روايتاه «المسيح يصلب من جديد»، و«الإخوة الأعداء»، وروايته الأقل منهما شهرة، وإن لم تقل عنهما براعة، «فقير الله أو سيرة القديس فرانسيس الأسيزي».
- 3 -
من يقرأ صلاح عبد الصبور جيدا، ويستوعب تراثه، سيجد بضعة أعلام في التراث الإنساني (العربي والعالمي) لعبوا دورا بارزا في تشكيل وجدانه ورؤيته الإنسانية والوجودية للعالم، وإرهاف حواسه الشعرية؛ على سبيل المثال، طاغور نابغة الهند في القرن العشرين، وأبي العلاء المعري الشاعر الفيلسوف صوت القرن الخامس الهجري في الحضارة العربية الإسلامية، وفي القرن العشرين أيضًا كان اليوناني العظيم نيقوس كازانتزاكيس؛ أحد الأصوات العظيمة التي قرأها عبد الصبور بوعي مرهف وتمثل دقيق واستيعاب عميق (كتبنا عنه في هذه المساحة؛ في مرفأ قراءة قبل مدة، مقالًا عنوانه «كازانتزاكيس كاتب بمذاق الإنسانية»؛ عرَّفنا به وبأدواره وقيمته العالية في الأدب العالمي المعاصر).
التفت عبد الصبور إلى كازانتزاكيس الروائي، دون أن يغفل عن كازانتزاكيس الشاعر؛ وتراثه الشعري في هذه الدائرة تراث باذخ ومثير للدهشة والإعجاب معًا! بل إن اكتشاف عبد الصبور لكازانتزاكيس شاعرا سبق عنده اكتشافه روائيا كما سنوضح تاليا.
ترك كازنتزاكيس تراثا روائيا ما زال يحظى بالمقروئية والمتابعة حتى وقتنا هذا، فمن ينسى روائعة الخوالد «الموت والحرية»، «الإخوة الأعداء»، «المسيح يصلب من جديد».. وهي كلها روايات لا تقل عظمة وشموخا وجمالًا عن أعمال أبو الرواية الحديثة كلها ديستويفسكي؛ الذي برع في تحليل النفس البشرية والغوص في دهاليزها ومتاهاتها وتتبعها في لحظات اضطرابها وتشوشها والبحث عن دوافعها المرتبكة المتضاربة المتداخلة لسلوك ما أو غيره.. إلخ ما عرف عن دويستويفسكي العظيم.
- 4 -
في المجلد العاشر من أعماله الكاملة؛ المعنون «أقول لكم عن الشعراء»؛ كتب عبد الصبور ثلاث مقالاتٍ ممتازة عن اليوناني المنشق روائي القرن العشرين بامتياز، وأحد شعرائه الكبار بامتياز أيضًا، نيقوس كازانتزاكيس.
كتب عنه من زوايتين؛ الأولى الأديب والروائي العالمي الذي نال شهرة واسعة بعد نشره لرائعته «زوربا» التي تحولت إلى فيلم بالاسم ذاته قام ببطولته النجم العالمي أنتوني كوين، ورقص في الفيلم الرقصة الشهيرة أيضا «زوربا».
أما الزاوية الثانية؛ فهي الأديب والشاعر والمترجم الذي نقل إلى لغته اليونانية روائع الآداب العالمية المعاصرة له، بالتوازي مع إبداعه لأضخم ديوان شعري في اليونانية الحديثة «الأوديسا» التي حاكى فيها ملحمة سلفه اليوناني الكبير هوميروس. قليلون هم الذي يعرفون أن لكازانتزاكيس ملحمة شعرية كبرى تقع في 33 ألف بيت (لم تترجم بالطبع إلى العربية حتى الآن!)
وقد انعقدت الصلة بين أدب كازانتزاكس وعبد الصبور في مرحلة مبكرة من حياته؛ يقول عبد الصبور:
«عرفته شاعرا قبل أن أعرفه روائيا، ولقد قادني إلى قراءة ما استطعت قراءته من الأدب اليوناني الحديث، ففاجأتني سيرة معجزة تجدد هذا الأدب بعد مئاتٍ من سنوات الركود، منذ انهارت دولة بيزنطة، وقد عرفت شعر كازانتزاكيس حين قرأت في الكتب المختصرة عن ملحمته «الأوديسا» التي يصل عدد أبياتها إلى ثلاثة وثلاثين ألف بيت. فهي ثلاثة أمثال «أوديسا» هوميروس. وقد ألقت بها الصدف السعيدة بين يدي مترجمة إلى الإنجليزية. وقدمتها للقارئ العربي في مقالين نشرتهما بالأهرام في عام 1964، على ما أذكر».
ولحسن الحظ، فقد حفظ لنا المجلد العاشر ذاته من أعمال عبد الصبور الكاملة نص هذين المقالين النادرين، الوافيين، عن كازانتزاكس شاعرا وملحمته الفريدة «الأوديسا» المعاصرة، ولمحات عنه مترجمًا أيضًا؛ إذ سنعرف أنه نقل إلى اللغة والثقافة اليونانية، وللمرة الأولى، روايات وأعمال دويستويفسكي الكاملة، وأعمال الفيلسوف الألماني ذائع الصيت «هيجل»، فضلًا عن مجموعة ترجمات أخرى لعيون التراث الفلسفي الغربي نقلها بمفرده إلى اللغة اليونانية.
- 5 -
أما كازانتزاكس الروائي الشامخ العملاق فقد تعرف عليه من «زوربا» أولًا التي كانت تعرض فيلمًا في تلك الأثناء (ستينيات القرن الماضي)، ثم ما لبثت أن نُشرت ترجمتها الأولى إلى العربية (على الأغلب هي الترجمة التي أنجزها جورج طرابيشي)، وبعدها ترجم الأستاذ شوقي جلال رائعته «المسيح يصلب من جديد» بتكليف من عبد الصبور شخصيًا الذي كان أحد المسؤولين الكبار عن النشر آنذاك بهيئة الكتاب المصرية، في النصف الثاني من الستينيات.
وهو الذي كلف المترجم إسماعيل المهدوي أيضًا في الفترة ذاتها بترجمة «الإخوة الأعداء»، وقد وجه عبد الصبور أيضًا بترجمة روايته الأقل شهرة «فقير الله» عن سيرة القديس فرانسيس الأسيزي، ولظروفٍ لم يعلنها، ولم يشر إليها عبد الصبور، قال: إن ظروفا طارئة حالت دون أن يمضي الأستاذ شوقي جلال في هذه الترجمة (ترجم هذه الرواية إلى العربية سهيل نجم وصدرت عن منشورات التكوين قبل سنواتٍ قليلة).
كان عبد الصبور شديد الإعجاب بكازانتزاكيس وشديد التقدير له، وكان يضعه في مصاف الشعراء والروائيين العظام في تاريخ البشرية. كان يرى أن كازانتزاكيس واحد من العباقرة على مر التاريخ الإنساني الذين استطاعوا صياغة المعضلة الوجودية والأخلاقية في حياة البشر (والمثقفين بالأخص)؛ هل خلقنا لنرتعد على قمم الفكر الباردة أم لنرتعش في أعماق النشوة الملتهبة؟!.. رحم الله الكبار.
- 1 -
لم يكن شاعر العربية الأكبر في القرن العشرين؛ صلاح عبد الصبور، شاعرا كبيرا وعالميا فقط من طرازٍ فريد، بل كان «مثقفًا» كبيرًا بكل معنى الكلمة، «مثقفا موسوعيا» ينطوي على رغبة متأصلة في المعرفة التي لا نهاية لها أو حد، وقد ساعدته إجادته التامة للغة الإنجليزية، وإمكان القراءة بالفرنسية على الاطلاع على أصول الفكر العالمي وفروعه. وقد ترجم عن الإنجليزية العديد من المسرحيات والقصص القصيرة، وترك من ضمن ما ترك من إرثٍ إبداعي وفكري لا نظير له مجلداتٍ رائعة ضمت ترجماته الرائعة لنصوص قصص ومسرحيات أشعار من عيون الإبداع المعاصر، فضلا عن مقالاته الثرية الممتازة في الأدب والنقد والشعر والشعراء والمسرح والسينما.
من أدوار عبد الصبور البارعة العظيمة التي لم يلتفت إليها كثيرون؛ مكتفين بقراءة وتحليل شعره الخالد وتراثه المسرحي الشعري الأهم في تراثنا الشعري في القرن العشرين، تقديمه الرائع وتعريفه الوافي بعددٍ كبير من أعلام الثقافة العالمية؛ شرقا وغربا، في الشعر والأدب والرواية والقصة والنقد..
- 2 -
كان صاحب «ليلى والمجنون» من أوائل من قدموا «طاغور» شاعر الهند الكبير إلى قراء العربية، وكذلك كان من أوائل من قدموا «لوركا» شاعر الأندلس الشهيد العظيم، وترجم متفرقات عديدة من شعره ومسرحه، فضلا كذلك عن تعريفه القارئ العربي بأبرز أعلام الحداثة الشعرية الأوروبية والأمريكية؛ وكتب مقالات ممتازة عن أبرز شعراء ونقاد هذا التيار الإبداعي والفكري؛ سنجده كتب عن ت. إس. إليوت على سبيل المثال، وبالمناسبة فإن ما كتبه عبد الصبور عن هذا الشاعر والناقد الكبير من أفضل ما كتب بالعربية عن إبداعه الشعري ونظريته الشهيرة حول التراث والتقاليد الفردية كما سجلها في كتابه ذائع الصيت «ملاحظات حول تعريف الثقافة».
وكذلك كان عبد الصبور أول من بسط أفكار الناقد الشهير والأكاديمي موريس بورا في كتابه المرجعي الرائع «الخيال الرومانسي» الذي كان الكتاب العمدة بل الأهم لجلِّ إن لم يكن لكلِّ الشعراء والنقاد العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، وبفضله وبدافع التأثر به ازدهرت دراسات «الصورة الفنية» و«الخيال الشعري» في طروحات الأكاديميين والجامعيين العرب طيلة ما يقرب من نصف القرن.
ويكاد يكون عبد الصبور هو الوحيد الذي عرَّف قراء العربية، في وقتٍ مبكر، بكازانتزاكيس اليوناني شاعرًا (كما سنعرف تفصيلًا بعد قليل)، قبل أن يعرِّف به روائيا أيضًا حينما وجَّه وهو أحد مسؤولي هيئة الكتاب النافذين (في ستينيات القرن الماضي) بترجمة أعماله ودرره الروائية العظيمة؛ وعلى رأسها روايتاه «المسيح يصلب من جديد»، و«الإخوة الأعداء»، وروايته الأقل منهما شهرة، وإن لم تقل عنهما براعة، «فقير الله أو سيرة القديس فرانسيس الأسيزي».
- 3 -
من يقرأ صلاح عبد الصبور جيدا، ويستوعب تراثه، سيجد بضعة أعلام في التراث الإنساني (العربي والعالمي) لعبوا دورا بارزا في تشكيل وجدانه ورؤيته الإنسانية والوجودية للعالم، وإرهاف حواسه الشعرية؛ على سبيل المثال، طاغور نابغة الهند في القرن العشرين، وأبي العلاء المعري الشاعر الفيلسوف صوت القرن الخامس الهجري في الحضارة العربية الإسلامية، وفي القرن العشرين أيضًا كان اليوناني العظيم نيقوس كازانتزاكيس؛ أحد الأصوات العظيمة التي قرأها عبد الصبور بوعي مرهف وتمثل دقيق واستيعاب عميق (كتبنا عنه في هذه المساحة؛ في مرفأ قراءة قبل مدة، مقالًا عنوانه «كازانتزاكيس كاتب بمذاق الإنسانية»؛ عرَّفنا به وبأدواره وقيمته العالية في الأدب العالمي المعاصر).
التفت عبد الصبور إلى كازانتزاكيس الروائي، دون أن يغفل عن كازانتزاكيس الشاعر؛ وتراثه الشعري في هذه الدائرة تراث باذخ ومثير للدهشة والإعجاب معًا! بل إن اكتشاف عبد الصبور لكازانتزاكيس شاعرا سبق عنده اكتشافه روائيا كما سنوضح تاليا.
ترك كازنتزاكيس تراثا روائيا ما زال يحظى بالمقروئية والمتابعة حتى وقتنا هذا، فمن ينسى روائعة الخوالد «الموت والحرية»، «الإخوة الأعداء»، «المسيح يصلب من جديد».. وهي كلها روايات لا تقل عظمة وشموخا وجمالًا عن أعمال أبو الرواية الحديثة كلها ديستويفسكي؛ الذي برع في تحليل النفس البشرية والغوص في دهاليزها ومتاهاتها وتتبعها في لحظات اضطرابها وتشوشها والبحث عن دوافعها المرتبكة المتضاربة المتداخلة لسلوك ما أو غيره.. إلخ ما عرف عن دويستويفسكي العظيم.
- 4 -
في المجلد العاشر من أعماله الكاملة؛ المعنون «أقول لكم عن الشعراء»؛ كتب عبد الصبور ثلاث مقالاتٍ ممتازة عن اليوناني المنشق روائي القرن العشرين بامتياز، وأحد شعرائه الكبار بامتياز أيضًا، نيقوس كازانتزاكيس.
كتب عنه من زوايتين؛ الأولى الأديب والروائي العالمي الذي نال شهرة واسعة بعد نشره لرائعته «زوربا» التي تحولت إلى فيلم بالاسم ذاته قام ببطولته النجم العالمي أنتوني كوين، ورقص في الفيلم الرقصة الشهيرة أيضا «زوربا».
أما الزاوية الثانية؛ فهي الأديب والشاعر والمترجم الذي نقل إلى لغته اليونانية روائع الآداب العالمية المعاصرة له، بالتوازي مع إبداعه لأضخم ديوان شعري في اليونانية الحديثة «الأوديسا» التي حاكى فيها ملحمة سلفه اليوناني الكبير هوميروس. قليلون هم الذي يعرفون أن لكازانتزاكيس ملحمة شعرية كبرى تقع في 33 ألف بيت (لم تترجم بالطبع إلى العربية حتى الآن!)
وقد انعقدت الصلة بين أدب كازانتزاكس وعبد الصبور في مرحلة مبكرة من حياته؛ يقول عبد الصبور:
«عرفته شاعرا قبل أن أعرفه روائيا، ولقد قادني إلى قراءة ما استطعت قراءته من الأدب اليوناني الحديث، ففاجأتني سيرة معجزة تجدد هذا الأدب بعد مئاتٍ من سنوات الركود، منذ انهارت دولة بيزنطة، وقد عرفت شعر كازانتزاكيس حين قرأت في الكتب المختصرة عن ملحمته «الأوديسا» التي يصل عدد أبياتها إلى ثلاثة وثلاثين ألف بيت. فهي ثلاثة أمثال «أوديسا» هوميروس. وقد ألقت بها الصدف السعيدة بين يدي مترجمة إلى الإنجليزية. وقدمتها للقارئ العربي في مقالين نشرتهما بالأهرام في عام 1964، على ما أذكر».
ولحسن الحظ، فقد حفظ لنا المجلد العاشر ذاته من أعمال عبد الصبور الكاملة نص هذين المقالين النادرين، الوافيين، عن كازانتزاكس شاعرا وملحمته الفريدة «الأوديسا» المعاصرة، ولمحات عنه مترجمًا أيضًا؛ إذ سنعرف أنه نقل إلى اللغة والثقافة اليونانية، وللمرة الأولى، روايات وأعمال دويستويفسكي الكاملة، وأعمال الفيلسوف الألماني ذائع الصيت «هيجل»، فضلًا عن مجموعة ترجمات أخرى لعيون التراث الفلسفي الغربي نقلها بمفرده إلى اللغة اليونانية.
- 5 -
أما كازانتزاكس الروائي الشامخ العملاق فقد تعرف عليه من «زوربا» أولًا التي كانت تعرض فيلمًا في تلك الأثناء (ستينيات القرن الماضي)، ثم ما لبثت أن نُشرت ترجمتها الأولى إلى العربية (على الأغلب هي الترجمة التي أنجزها جورج طرابيشي)، وبعدها ترجم الأستاذ شوقي جلال رائعته «المسيح يصلب من جديد» بتكليف من عبد الصبور شخصيًا الذي كان أحد المسؤولين الكبار عن النشر آنذاك بهيئة الكتاب المصرية، في النصف الثاني من الستينيات.
وهو الذي كلف المترجم إسماعيل المهدوي أيضًا في الفترة ذاتها بترجمة «الإخوة الأعداء»، وقد وجه عبد الصبور أيضًا بترجمة روايته الأقل شهرة «فقير الله» عن سيرة القديس فرانسيس الأسيزي، ولظروفٍ لم يعلنها، ولم يشر إليها عبد الصبور، قال: إن ظروفا طارئة حالت دون أن يمضي الأستاذ شوقي جلال في هذه الترجمة (ترجم هذه الرواية إلى العربية سهيل نجم وصدرت عن منشورات التكوين قبل سنواتٍ قليلة).
كان عبد الصبور شديد الإعجاب بكازانتزاكيس وشديد التقدير له، وكان يضعه في مصاف الشعراء والروائيين العظام في تاريخ البشرية. كان يرى أن كازانتزاكيس واحد من العباقرة على مر التاريخ الإنساني الذين استطاعوا صياغة المعضلة الوجودية والأخلاقية في حياة البشر (والمثقفين بالأخص)؛ هل خلقنا لنرتعد على قمم الفكر الباردة أم لنرتعش في أعماق النشوة الملتهبة؟!.. رحم الله الكبار.