إشراقات

خطبة الجمعة: «الابتزاز الإلكتروني».. سببه ضعف الوازع الديني والثقة العمياء بالغرباء

1238107
 
1238107
المسلم عليه أن يتجنبه ويُحذّر أهله وأبناءه من الوقوع فيه - ترشد خطبة الجمعة اليوم إلى الاستخدامات الصحيحة لوسائل التواصل الاجتماعي وتحذر من مغبة استخدامها الاستخدام الخاطئ، مبينة أنها سلاح ذو حدين، وإنما تكون منافعها ومضارها بحسب مستخدمها، فمن استخدمها فيما يعزز تواصله مع الآخرين، ويرتقي بنفسه في علمه وعمله، وشتى ميادين حياته أضحى نافعا لمجتمعه ووطنه وأمته، ومن أساء استخدامها جعلها مطية لنشر الشر والرذائل، وهدم الخير والفضائل، وبث الإشاعات والأفكار الكاذبة، ونقل المعلومات الخاطئة، وقلب الحقائق، والوقيعة بين الناس.. وهنا نص الخطبة كاملا الذي جاء تحت عنوان: «ثقافة التعامل مع وسائل التواصل»: الحمد لله الذي كشف للإنسان صنوف المعلومات، وهيأ له ما يتواصل به مع الآخرين بأيسر التقنيات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع في الدين من القيم والضوابط، ما يحسن العلاقات بين الناس ويقوي الروابط، وأشهد أن سيدنا ونبيـنا محمدا عبد الله ورسوله، حث أمته على الاستفادة من كل تطور وتجديد، ومن كل علم نافع مفيد،  وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فأوصيكم ونفسي - عباد الله - بتقوى الله حق التقوى، فإنها الذخر الأبقى، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، واعلموا - رحمني الله وإياكم - أن آلاء الله على عباده وافرة، لا تعد ولا تحصى، فكم لله من نعم أنعم بها علينا في هذا العصر، الذي كثرت فيه وسائل الراحة والرفاهية، فتقدمت البشرية في ظلال الثورة العلمية. فلا تسل عن صنوف المخترعات بأرقى التقنيات، ولا تسل عن وسائل التواصل الاجتماعية بمختلف البرامج والتطبيقات، التي قربت البعيد، وسهلت الاطلاع على كل جديد ومفيد، ويسرت للناس تناقل العلوم والمعارف، وتبادل المصالح والمنافع، وغدت لهم وسيلة من وسائل صلة الرحم وتفقد الأصحاب، والتواصل بينهم بمكالمتهم ورسائلهم، والسؤال عن أحوالهم، وإسداء النصح وتقديم المعروف لهم، وتذكير بعضهم بعضا بسبل البر والخير، وتناقل ما يهمهم من أمور دينهم وآخرتهم، إنها تقنيات تحار فيها الألباب، تفضل الله بها على العباد بسطا لهم من علمه تعالى، (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). أيها المؤمنون: إن وسائل التواصل الاجتماعية سلاح ذو حدين، وإنما تكون منافعها ومضارها بحسب مستخدمها، فكم من إنسان أحسن استخدامها فيما يعزز تواصله مع الآخرين، وفيما يرتقي بنفسه في علمه وعمله، وشتى ميادين حياته، حتى أضحى نافعا لمجتمعه ووطنه وأمته، من خلال مشاركاته القيمة بالمقاطع والرسائل والمقالات والأخبار الصادقة، فكان داخلا في قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وقول رسول الله: «بلغوا عني ولو آية»، وفي مقابل ذلك أساء استخدامها آخرون، فجعلوها مطية لنشر الشر والرذائل، وهدم الخير والفضائل، ووسيلة لبث الإشاعات والأفكار الكاذبة، ونقل المعلومات الخاطئة، وقلب الحقائق، والوقيعة بين الناس، يكذب في خبر أو يزور صورا فينشرها، لتبلغ هذه الكذبة أو الصورة الآفاق في ثوان معدودة، فيتضرر بها أناس أبرياء، فكم هي المنشورات المضللة والرسائل البغيضة التي تحدث الفرقة والخلاف بين الرجل والمرأة، أو بين المعلم والطالب، أو بين مشجعي فريقين في أي مجال تنافسي، أو بين دولة وأخرى، لذلك وجب التنبُّه لهؤلاء والتثبت مما يبثون، والحذر من إعادة نشر ما ينشرون: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، ولقد غلبت على بعضهم أخلاق سيئة وتصرفات شائنة، فإذا حدث أمر نشروا المقاطع الساخرة، وكتبوا التعليقات البذيئة، فأين هؤلاء من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). أيها المسلمون: في ظل تقدم التقنية المذهلة لشبكة الاتصالات العالمية، وما فيها من وسائل اتصال وتواصل، وبث مباشر مفصل، ينقل الصوت والصورة معا، يقع أناس في أيدي ذئاب بشرية، تستدرجهم لإرسال صورهم، والاطلاع على أسرارهم، فيبتزون ضحاياهم، ليصلوا إلى مآربهم، إما بدفع المال مقابل الستر، وإما بالفضيحة وتشويه السمعة بالنشر؛ وهذا ما يسمى بـ(الابتزاز الإلكتروني)، وسببه ضعف الوازع الديني، والثقة العمياء بالغرباء، ودواعي التطفل والتسلية، والجهل بالتعامل مع الأجهزة الحديثة، وهذه الظاهرة الخطيرة كم هدمت من بيوت، وهتكت أعراضا، وسلبت أمـوالا. إن المبتز - يا عباد الله - ضعيف الإيمان، معدوم الضمير، عديم الحياء من الله والناس، متدثر بالوقاحة، فالهوى إمامه، والجهل سائقه، والغفلة مركبه، يسعى إلى تحصيل أغراضه الدنيوية بكل ما أوتي من حيل، فعلى المسلم أن يحذر ويحذر أهله وأبناءه من الوقوع في مثل هذه الممارسات التي تجره إلى ما لا تحمد عقباه، ولا يرضي المولى جل في علاه، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ)، وعلى المرء ألا يستجيب لما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء، ولا يتبع خطوات الشيطان التي تجر إلى التهلكة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، وعلى من وقع ضحية ابتزاز ألا يستجيب لطلبات المبتز، بل عليه المسارعة فورا إلى إبلاغ جهات الاختصاص لتقوم بدورها في حمايته من هذا المبتز. فاتقوا الله - عباد الله -، واجعلوا من وسائل التواصل وسيلة نفع في دينكم ودنياكم وآخرتكم، واحذروا من كل ما يوقعكم في الإثم ويجلب الشر لكم ولمجتمعاتكم، تنالوا التوفيق والسداد من ربكم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم. *** *** *** الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وأمره بالشكر لحفظ النعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع الأحكام وأحكمها، وحد حدودا ونهانا عن تجاوزها، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، حث أمته على توجيه أفرادها بما يعود بالخير على مجتمعاتها، وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فيا عباد الله: إن تعدد وسائل التواصل الاجتماعية، وانشغال فئات من المجتمع بها، أدى إلى أخطاء سلوكية وتربوية، كقطع التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، تراهم في مجلس واحد، وكل بهاتفه لاه، وربما إذا حدث بحديث لا ينتبه لمحدثه، وهذا مخالف للخلق الحسـن، يقـول أبـو هـريرة - رضي الله عنه -: «لم يكن أحد يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أقبل عليه بوجهه، ثم لم يصرفه حتى يفرغ من كلامه». إن من الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء أن يسلم الابن هاتفا مع صغر سنه، فيترك له الحبل على الغارب، ولا يكلف نفسه بتوجيهه وإرشاده أو مراقبته، بل إن منهم من يفرح إذا كان ذلك الجهاز يخلصه من الانشغال بابنه أو ابنته، متناسيا أن للولد حقا في تربيته على الدين وحسن الأدب وجميل السلوك، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ ذلك أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته»، وقد يسر الأب لأن ابنه الشاب المراهق أصبح لا يسهر خارج البيت، ولا يمشي مع أصدقاء السوء، وتطمئن الأم على أن ابنتها لا تخرج من البيت ولا تخالط أحدا، بل هما مستتران في البيت بعيدان عن الأذى، وما علما أنهما في عالم آخر، قد تبنى فيه شخصياتهما، بناء مغايرا لما عليه قيم أسرتهما ومجتمعهما، وتعاليم دينهما، ويشبان على أفكار خاطئة، ويتربيان على عادات مقيتة، لذلك وصانا ديننا القويم، بوقاية الأهل والأبناء، من كل ما يجلب لهم الإثم والشر والإيذاء، قال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، ولا تعني المراقبة هنا - إخوة الإيمان- أن يتخون الأب ابنه أو ابنته، أو يقف لهما بالمرصاد عند كل حركة، بل عليه أن يحاورهم حوارا يخاطب عقولهم ويحرك وجدانهم، ويحصنهم بجرعات قليلة دائمة من النصح والتوجيه، ويترك لهم مساحة من العفوية والحرية للنقاش والحوار، والأخذ والعطاء، ليبين لهم كيف ينتفعون من الأجهزة الحديثة، ويبتعدون عن كل سيئ فيها، ويحذرهم من كل ما يفسد الأخلاق والسلوك والقيم، وما ينافي العادات ويحرمه الدين. فاتقوا الله - عباد الله - في ثمرات قلوبكم، وأفلاذ أكبادكم، حصنوهم من كل ما يضرهم، وأرشدوهم إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم، فإنهم أمانة في أعناقكم. هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين. اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك. اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين. اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء. عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).