إشراقات

سلوك طفل مسلم (23)

القاهرة: أماني أحمد - الإسلام يدعو إلى العمل والنشاط، قال صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده». وكان صلى الله عليه وسلم يحث على كل عمل شريف، يعلي منزلة الإنسان ويجلب له الرزق. قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» .. وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الكسل ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينصح الناس: «لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة». والكسل في الشرع هو التغافل والتثاقل عن كل واجب فرضه الله تبارك وتعالى على الإنسان، كالكسل عن أداء الفرائض، مثل الصلوات الخمس أو الصوم أو الجهاد، وكالكسل عن كل عمل نافع يضمن للإنسان حياة كريمة، ويعفه ويصونه عن المسألة ..والكسل آفة تميت الحياة، وتثقل الحركة، ومرض يورث الحاجة والفقر، ويقتل النشاط والعمران. فالكسول عالة على مجتمعه، يأخذ ولا يعطى، يستهلك ولا ينتج. كما يقول الأستاذ حامد أحمد الطاهر في كتابه «الأخلاق»: أنزل الله تعالى آدم على الأرض، وكلفه بالكدح والعمل، ووفر له الرزق على الأرض . قال تعالى : { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} سورة الملك الآية15. فإذا تكاسل الإنسان عن العمل، فسوف يعيش في فقر وذل، ويضطر لسؤال الناس، والإسلام يريد من المسلم أن يكون قويا عزيزا لا يرضى ذل السؤال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم». من هنا نهى الإسلام عن البطالة والتسول، وأمر بالعمل لأنه وسيلة للبقاء والعيش قال تعالى :{ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون} سورة الأعراف الآية 10 . ومن صور الكسل التواكل أي أن الكسالى يتخذون من التوكل ستارا يخفون به كسلهم، فيتكاسلون عن واجباتهم بدعوى التوكل، والله تعالى لم يأمرنا بذلك، ولكنه أمرنا أن نأخذ بالأسباب ونسعى ونجتهد ثم نتوكل، فالسعي للرزق لا يتنافى مع التوكل على الله. وقد يتكاسل البعض عن العمل، بحجة التفرغ للعبادة، والزهد في الدنيا، وليس ذلك من الإسلام، لأن الإسلام دين إيجابية، يطلب من المسلم أن يقدم الخير لنفسه وجماعته بالعمل والاجتهاد. ولذلك قرن الله بين العاملين والمجاهدين، فقال تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله } سورة المزمل الآية 20. والتكاسل عن الصلاة إثم كبير، لأن الله أمرنا بالمحافظة عليها، فقال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى} سورة البقرة الآية238 . وذم المتكاسلين عنها، فقال تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} سورة التوبة الآية 54. وجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من دلائل الإيمان وعلامته، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان». وأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليمها الصغار حتى يتعودوا أداءها ولا يتكاسلوا عنها كبارا، فقال صلى الله عليه وسلم: «علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا». وكان صلى الله عليه وسلم قدوة في المحافظة على الصلاة وعدم التكاسل عنها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه. فلو علم المسلم فضل الصلاة ما تكاسل عنها أبدا، فهي تكفر الذنوب، وتنقى النفوس، وتقرب العبد من ربه، قال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر». إذا تقرب العبد من ربه ذراعا، تقرب الله منه باعا، والنوافل طريق التقرب إلى الله، فمن تكاسل عن أدائها يحرم نفسه فضلا عظيما. قال صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير الفريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة». أما التكاسل عن طلب العلم يقول سبحانه وتعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} سورة النحل الآية 78. يولد الإنسان طفلا ضعيفا غير قادر على التفكير، ثم يكبر هذا الطفل شيئا فشيئا، ويحتاج إلى التعلم ليتمكن من التواصل بالعالم من حوله، والإسلام يحرص دائما على رفعة أبنائه وتقدمهم ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعلم. لذلك كانت أول آيات القرآن الكريم دعوة للعلم، قال تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} سورة العلق الآية1. وقال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فمن تكاسل عن تحصيل العلم فسوف يحرم نفسه فضلا كبيرا، وطريقا ميسرا إلى الجنة. قال صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة». وإذا تكاسل الإنسان عن واجب فرضه الله تعالى عليه وألزمه بفعله كأداء الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت عند الاستطاعة فحكم هذا الكسل شرعا التحريم، ويأثم الكسلان، ويستحق من الله تعالى العذاب الشديد يوم القيامة إذا أصر على كسله. أما إذا تكاسل الإنسان عن عمل من الأعمال الصالحة التي رغب فيها الإسلام كزيارة مريض أو إماطة أذى عن طريق، فحكم هذا الكسل الكراهة لأنه يحرم صاحبه من ثواب عظيم كان سيناله لولا تكاسله. والإسلام يعلي قدر المسلمين، ويبتغي لهم العزة والكرامة والحياة الفاضلة، ولا يتحقق ذلك إلا مع العمل. لذلك أمرنا الله تعالى به فقال: }وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون{ سورة التوبة الآية 105. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكسل، وبين لأصحابه أن العمل هو مقياس رفعة الرجل في قومه، وقد روى أن أقواما قدموا عليه صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إن فلانا يقوم الليلة ويكثر الذكر. فقال: «أيكم يكفيه طعامه».. فقالوا: كلنا -أي: نتعاون على سد حاجته-. فقال صلى الله عليه وسلم: «كلكم خير منه». وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم العمل فريضة على كل مسلم ومسلمة، فقال صلى الله عليه وسلم: «كسب الحلال فريضة بعد الفريضة» والله تعالى لا يحب الكسول العاجز، بل يحب العبد النشيط العامل، وليس أدل على هذا الحب من أن يغفر له ذنبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب الدنيا حلالا وتعففا عن المسألة وسعيا على عياله، وعطفا على جاره، لقى الله ووجهه كالقمر ليلة البدر». أخيرا، عود نفسك الاستيقاظ مبكرا حتى تستفيد بالوقت وتنال بركة اليوم. قال صلى الله عليه وسلم: «باركوا الغدو في طلب الرزق، فإنه بركة ونجاح». واسع على رزقك، فهو لا يأتيك وأنت جالس واعلم أن الكسل عن السعي مفتاح الفقر. قال الإمام علي رضي الله عنه: «التواني مفتاح البؤس، وبالعجز والكسل تولدت الفاقة، ونتجت الهلكة، ومن لم يطلب لم يجد». لا تتخذ الكسول صديقا ترافقه، لأنه سيؤثر عليك بكسله، فالمرء على دين خليله، وقد قال حكيم: «احذر مجالسة العاجز(الكسول) فإنه من سكن إلى عاجز أعداه من عجزه، وأمده من جزعه، وعوده قلة الصبر، ونسّاه ما في العواقب». عود نفسك الحركة والنشاط، فقد قال أحد الحكماء: «الحركة بركة، والتواني هلكة، والكسل شؤم». احرص على أن يكون لك عمل شريف يضمن لك الرفعة، ويعفك عن مسألة الناس، ويجعلك سيدا. فقد سأل معاوية -رضي الله عنه - سعيد بن العاص - رضي الله عنه - عن المروءة فقال: «العفة والحرفة». لا تنشغل بالعمل عن الفرائض، فقد قال حكيم: «لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض من العمل فتضيع أمر آخرتك، ولا تنال من الدنيا إلا ما كتب الله لك». واعلم أن الكسل آفة تبعد الإنسان عن كل خير، وقد قال لقمان يوصي ابنه:«يا بني إياك والكسل والعجز والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإذا ضجرت لم تصبر مع الحق».