روضة الصائم

لقاء متجدد :حضيض الجاهلية «1- 3 »

1337840
 
1337840
أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة - إن الإنسان ليمتلكه العجب عندما يقارن بين ما أتى هذه الأمة من عند الله تعالى من الآيات البينات؛ التي تفتح منهم المدارك، وتنور منهم البصائر، وتشرح منهم الصدور للحق، وما ربَّاها عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من التربية الإيمانية، التي ارتقت بها عن حضيض الجاهلية، وعرجت بها إلى ملكوت الله الأعلى، وبين ما آلت إليه الأمة من ضلال العقول وانطماس البصائر، والارتكاس في هوة الجاهلية الأولى، والانغماس في أوحالها، فكم يرى الناظر من بون سحيق بين ما أوتيت هذه الأمة من الهدى والنور، وبين ما تعيش فيه من الضلال والظلام، فإذا كان الله تعالى يُقَرِّع بني إسرائيل على إهمالهم التوراة، ويضرب فيهم أسوأ الأمثال عندما يقول: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ): ٥، فإن الأمة التي أوتيت القرآن ثم أهملته وضيعته هي أولى بهذا المثل، وما يشاكله من أمثال، ناهيك أن الله سبحانه حفظ لهذه الأمة قرآنها، فهو في كل زمان تبزغ شمسه، ويسطع ضياؤه، وينتشر هداه، فكيف تعمى أمة القرآن عن هذا كله وهي تتلوه ويتلى عليها غضا طريا كما أنزله الله على قلب عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، مصونا محفوظا من أن تعدو عليه عوادي الدهر، أو تغير شيئا من رسمه حوادث الزمن، فكيف لا تتدبره فتميز به بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والإيمان والإلحاد، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد: ٢٤. وكثير من أولئك تستبد بهم الأوهام، حتى يتسارعوا عند كل ملمة أو رجاء إلى دعاء الجن، والتقرب إليهم بالقرابين، مع أن الله تعالى حكى عن الجن أنفسهم أنهم قالوا عندما أدركتهم عناية الله فآمنوا، واتبعوا الحق الذي أنزل: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) الجن: ٦، وكم تفنن الجهال في ابتكار أنواع الضلال في هذا، فقد أدركنا من الذين غرقوا في الجهل والعمى إلى أذقانهم من يذهب ببخوره إلى الخرابات أو غيرها ليشكو إلى الجن ما أصابه، ويعرض عليهم أن يمنحوه الخير ويكشفوا عنه الضر، استجابة لدعائه، وتقديرا لوسيلته، وأنه إن كان السخط من قبل غير هؤلاء المدعوين، فهم يطالبونهم أن ينقلوا هذه الوسيلة إلى أولئك الساخطين ليرفعوا عنهم الضر؟!.