الرجل الذي لم يحرق باريس
الأربعاء / 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ - 23:00 - الأربعاء 12 ديسمبر 2018 23:00
عادل محمود -
فتاة فرنسية فتحت صدرها وجلست قي الشارع، المليء بالمتظاهرين، وصرخت:«اقتلوني، ولا تدمروا باريس». كانت هذه صرخة صادرة من أعمق منطقة في لحظة الوطنية العاطفية المرتبطة بالمكان. ومثل هذه العاطفة، أحياناً، تحمي باريس ما، وتفتك بباريس ما.. أخرى! وأنا أرى المدن السورية، بعد جلاء الغبار، وهي محطمة كأضلاع بشرية بعد مجزرة.. كنت أقول لنفسي: لو أننا جميعاً صرخنا، علناً وسراً، تلك الصرخة «لا تدمروا دمشق. حماه. حلب. إدلب. حوران وأماكن أخرى تضمها الذاكرة الانفعالية للسوريين. لا أحد يدري تماماً ما الدافع الذي جعلني أفتش في بعض أوراق الثورة الفرنسية ، كخلفية بعيدة للاحتجاجات ،حيث تنبعث من التاريخ الرائحة الكريهة لاحتقار ماري انطوانيت للشعب : «ما دمتم لا تجدون خبزا..عليكم بالبسكويت » . وجدت هذه المعلومات ضرورية: - طلب لويس السادس عشر، آخر ملوك فرنسا، من الحدّاد أن يعدّل شفرة المقصلة، أن تكون شفرة المقصلة بزاوية مائلة، وأكثر حدّة حتى تفصل الرأس عن الجسد بضربة واحدة. وبالطبع لم يكن هذا الملك ليعلم أن هذه المقصلة المعدّلة سوف تقطع رأسه ورأس الملكة ماري أنطوانيت، وعدداً من أفراد عائلته. ثم تنصب المقصلة ، كبطل للعدالة، في ساحة الكونكورد. -عدد ضحايا الثورة الفرنسية مليونان من أصل عدد سكان فرنسا تلك الأيام 27 مليون، أي ما يزيد عن ضحايا فرنسا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. - مصطلح الثورة تأكل أبناءها هو من قاموس الثورة الفرنسية: فقد أطاحت المقصلة برؤوس عديدة من عائلتها مثل «دانتون» خطيب الثورة ووزير العدل فيها. وكذلك أطاحــــت برأس «روبسبير» رئيس الجمعية الوطنية للثورة. ولم توفر المقصلة رأساً كرأس العالم الفيزيائي «لافوازييه»، وقد صرّح القاضي، وهو يرسله إلى المقصلة» فرنسا لا تحتاج إلى عباقرة وعلماء .بل تحتاج إلى العدالة» فيكتور هيجو وردت في روايته «اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام» هذه الصرخة: «ألا يوجد في فرنسا هواء يكفي للجميع؟» ألبير كامو كتب كتاباً بعنوان «تأملات في المقصلة». المقصلة ليست أداة قتل وقطع رؤوس… بل كانت جزءاً من ثقافة عصر، وقد ارتبطت تاريخياً بالثورة الفرنسية، لقد اخترعها لويس السادس عشر وحداّد قصره الخاص، ولكن الذي أشبعها دماء هي محكمة الثورة. أظن أن فرنسا، الآن، تستشعر ضرورة أن تنظر إلى الانتفاضات والثورات، ليس بطريقة البدائيين في الإدارة… (مع أو ضد) وأن تنتبه إلى نوع الاحتجاج ونوع مواجهته. لكي تكون العدالة والعلماء معاً ضرورة حياة. سوف أتذكر الجنرال الألماني «فون شولتز» آخر حاكم لباريس عام 1944 حيت تلقى أمراً من الفوهرر هتلر بإحراق باريس قبل مغادرتها. وفيما يرجوه رئيس بلدية باريس ألا يفعل ذلك، أصابت الجنرال نوبة ربو، فخرج إلى الشرفة، وقال له رئيس البلدية، وهو يريه «أبراج نوتردام» و«متحف اللوفر» وكنيسة «سانت شابيل»: «… تصور أن تقول ، ذات يوم : كنت قادراً على إزالة هذه الروائع من الوجود، ولكني لم أفعل إكراماً للإنسانية… أليس هذا انتصاراً أكبر من إحراقها؟ وهكذا… دخل الجنرال «فون شولتز» التاريخ من باب.. «الرجل الذي لم يحرق باريس».