روضة الصائم

حرف وصناعات : حرفة الكتابة

1228316
 
1228316
إعـــــــــداد: حمادة السعيد - هذه الحلقات المكتوبة إنما هي إشارات سريعة وعاجلة، للفت الأنظار إلى قضية مهمة في زمنِ البطالة لتوجيه أنظار الباحثين عن العمل إلى المهن والحرف وعدم احتقارها أو التهوين من شأنها؛ فلقد حثّ الإسلام على العمل أيّما كان نوعه، شريطة أن يكون بهذا العمل نافعًا لنفسه والآخرين غير ضار لأحد، ويكفي هؤلاء الذين يعملون بالحرف والصناعات شرفا وفخرا وعزة وكرامة أن أشرف خلق الله وأفضلهم وهم الأنبياء والرسل قد عملوا بحرفة أو امتهنوا مهنة. ولقد أشار القرآن الكريم في آياته إشارات واضحة ومباشرة أو ضمنية تفهم في مجمل الآية إلى بعض الحرف والصناعات كذلك حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك وحين يشير القرآن تصريحا أو تلميحا إلى أمر ما فهو أمر مهم وعظيم فالقرآن لا يتحدث إلا عما فيه سعادة وصلاح حال البشرية ومن الحرف التي أشار إليها القرآن الكريم في آياته الكتابة حيث قال تعالى في سورة العلق «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)». بل إن هناك سورة في القرآن الكريم تسمى سورة القلم الذي هو أداة الكتابة بدأها بقوله «ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)» وحرفة الكتابة من الحرف القديمة جدا والتي بها حفظت ونقلت علوم الدنيا والدين. يقول محمد الأمين في تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن» ـ بتصرف ـ (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4))؛ أي: علم الخط والكتابة التي بها تُعرف الأمور الغائبة، وفيه تنبيه على فضل الكتابة؛ لما فيها من المنافع العظيمة؛ لأنه بالكتابة ضُبطت العلوم، ودونت الحكم، وبها عُرفت أخبار الماضين وأحوالهم وسيرهم ومقالاتهم، ولولا الكتابة ما استقام أمر الدين والدنيا، قال قتادة: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا القلم لم يقم دين ولم يصلح عيش، وسئل بعضهم عن الكلام، فقال: ريح لا يبقى، قيل له: فما قيده؟ قال: الكتابة؛ لأن القلم ينوب عن اللسان، ولا ينوب اللسان عنه. وفيه امتنان على الإنسان بتعليم علم الخط والكتابة بالقلم، وسمي قلمًا؛ لأنه يُقَلَّم ويقص ويقطع. وعن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله: أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: «نعم، فاكتب فإن الله تعالى علم بالقلم». قال كعب الأحبار: أول من وضع الكتاب العربي والسرياني، والكتب كلها آدم عليه السلام قبل موته ثلاث مائة سنة كتبها في الطين ثم طبخه، فاستخرج إدريس ما كتب آدم وهذا هو الأصح. وأما أول من كتب خط الرمل فإدريس عليه السلام، وأول من كتب بالفارسية: طهمورت ثالث ملوك الفرس، وأول من اتخذ القراطيس: يوسف عليه السلام، قال السيوطي -رحمه الله تعالى-: أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وأول ما كتب القلم: أنا التواب أتوب على من تاب. وحاصل معنى قوله: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ...) أي: الذي جعل القلم واسطة التفاهم بين الناس على بعد الشقة، كما أفهمهم بوساطة اللسان. والقلم آلة جامدة لا حياة فيها, وليس من شأنها الإفهام، فمن جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان، أفيصعب عليه أن يجعل منك قارئًا مبينًا وتاليًا معلمًا، وأنت إنسان كامل، وقد وصف سبحانه نفسه بأنه خلق الإنسان من علق، وأنه علمه بالقلم، ليبين أحوال هذا الإنسان، وأنه خلق من أحقر الأشياء، وبلغ في كماله الإنساني أن صار عالمًا بحقائق الأشياء، فكأنه قيل: تدبر أيها الإنسان تجد أنك قد انتقلت من أدنى المراتب إلى أعلى الدرجات وأرفعها, ولا بد لذلك من مدبر قادر حكيم أحسن كل شيء خلقه، ثم زاد الأمر بيانًا بتعداد نعمه، فقال: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5))؛ وفي الآية دليل على فضل القراءة والكتابة والعلم، ولعمرك لولا القلم ما حُفظت العلوم، ولا أحصيت الجيوش، ولضاعت الديانات، ولا عرف الأواخر معارف الأوائل وعلومهم ومخترعاتهم وفنونهم، ولما سجل تاريخ السابقين المسيئين منهم والمحسنين، ولا كان علمهم نبراسًا يهتدي به الخلف، ويُبنى عليه ما به ترقى الأمم وتتقدم المخترعات. كما أن فيها دليلًا على أن الله سبحانه خلق الإنسان الحي الناطق فيما لا حياة فيه ولا نطق ولا شكل ولا صورة، وعلمه أفضل العلوم وهي الكتابة، ووهبه العلم ولم يكن يعلم شيئًا، فما أعجب غفلتك أيها الإنسان. وجاء في «التفسير الوسيط للقرآن الكريم» لمجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قوله تعالى (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) أَي: علَّم -سبحانه- وحده بواسطة الكتابة بالقلم وليس ذلك لغيره، علَّمه، وكما عَلَّم -سبحانه- القارئ بواسطة الكتابة بالقلم يُعلِّمك القراءَة بدونها وإِن كنت أُميًّا، قال القرطبي: نبه - سبحانه- على فضل علم الكتابة لما فيه من الفوائد العظيمة التي لا يحيط بها إِنسان، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أَخبار الأَولين ومقالتهم، ولا كتب الله المنزلة إِلاَّ بالكتابة، ولولاها ما استقامت أُمور الدين والدنيا وهذه الآيات الخمس أَول ما تنزل من القرآن كما ثبت في الصحاح، وقد فصل ذلك أَول سورة العلق. وقال الدكتور شوقي ضيف في «تاريخ الأدب العربي» عن فضل حرفة الكتابة وتعلمها: نوّه الإسلام بالكتابة وفضلها منذ أول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال جلّ شأنه: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ). ومن تمام هذا التنويه القسم بالقلم في قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) وبالكتاب في قوله سبحانه: (وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ). وتتردّد في القرآن كلمات اللوح والقرطاس والصحف في مثل قوله تبارك وتعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ)، وقوله: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ) وقوله: (رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً). وعمل الرسول عليه السلام جاهدا على نشر الكتابة بين أصحابه، حتى لنراه يجعل فداء بعض أسرى قريش ممن حذقوا ـ أتقنوا ـ الكتابة عشرة من صبيان المدينة، وقد حثّ القرآن على استخدامها في المعاملات، يقول عزّ سلطانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ)». ومن غير شك كانت هي الوسيلة إلى نشر القرآن وتعلمه، فقد كان الصحابة يكتبونه، حتى يتحفّظوه. وكان هناك جماعة من الكتّاب يكتبون آياته بين يدي الرسول من مثل عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وزيد بن ثابت. وكان يكتب له في حوائجه خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان. وكان يكتب ما بين الناس المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير، كما كان يكتب بينهم في قبائلهم ومياههم عبد الله بن الأرقم والعلاء بن عقبة الحضرمي. وكان حنظلة بن الربيع يخلف كل كاتب من كتّاب الرسول إذا غاب، فغلب عليه لقب الكاتب. ومعنى ذلك كله أن الكتابة أخذت منذ هذا العصر تستخدم على نطاق واسع لا في كتابة القرآن فحسب، بل في كتابة كل ما يهمّ المسلمين في معاملاتهم وعقودهم. وكان الرسول عليه السلام يستخدمها في جميع مواثيقه وعهوده، كذلك كان الخلفاء الراشدون من بعده، وتكتب كتب الحديث والتاريخ والأدب بهذه العهود والمواثيق، سواء منها ما كان على لسان الرسول وما كان على لسان خلفائه. فهذا هو هدي نبينا فمن اتبع هذا الهدي عاش كريما.