المنوعات

إثر إدراجه ضمن الشخصيات المؤثرة عالمياً في «اليونسكو» أبو مسلم من الوجدان العماني إلى الوجدان العالمي

Untitled-144
 
Untitled-144
كتب: ماجد الندابي:- عندما تعلن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» إدراج الشاعر العماني «أبو مسلم البهلاني» ناصر بن سالم بن عديم الرواحي ضمن الشخصيات المؤثرة عالمياً بمناسبة الذكرى المئوية الأولى على وفاته، فهذا يعني أن هذه الشخصية المؤثرة والحاضرة في الوجدان العماني تجاوزت الحدود لتصل إلى العالمية في اعتراف دولي يضاف إلى المنجز الإنساني لأبناء هذا الوطن. استطاع أبو مسلم من خلال أشعاره أن يتشكل في الذاكرة الجمعية عند أبناء هذا الوطن وذلك من خلال أشهر قصائده وهي قصيدة «الفتح والرضوان في السيف والإيمان» والمشهورة بنونية أبي مسلم، التي لقيت قبولا عند كل فئات المجتمع، فالصغير والكبير، والمتعلم ورجل الشارع البسيط يحفظ أبياتا من هذه القصيدة، فلا يزال ذلك الموقف الذي حصل لي صيف 2005م عندما كنت راجعا من جامعة السلطان قابوس إلى منزلي في ولاية سمائل، وقد ركبت مع صاحب سيارة أجرة، الذي ما أن رآني حتى أخرج شريطا من «سدة» سيارته وأدار المسجل، لنستمع إلى نونية أبي مسلم البهلاني في طريق العودة، بقراءة مسعود المقبالي، وعندما وصلت القصيدة إلى البيت القائل: وأين همدان من صفين تعرفهم إذ عك عك وإذ همدان همدانُ قال سائق سيارة الأجرة مرددا وراء البيت بنبرة يعلوها الفخر والحماسة «همدانُ»، فاستوقفتني هذه الكلمة وبادرته بالسؤال عن قبيلته، «هل أنته رحبي؟» فأجابني «نعم رحبي، من بني همدان» هذا الموقف ينضح بدلالات حضور هذا الشاعر في الوجدان العماني، فقد استطاع أبو مسلم من خلال هذه القصيدة الحماسية أن يخاطب الذهنية العربية التي لا تزال ترتبط ارتباطا وثيقا بقبائلها وانتماءاتها المكانية، فأخذ باستنهاض القبائل لمساندة الإمام، كما قام بذكر الأماكن التي اشتاقها وهو في بلاد المهجر في زنجبار. وكان لتحويل هذه القصائد إلى مواد مسموعة أثر كبير في انتشارها، فتجد بعضها تم قراءتها من خلال الطريقة العمانية المشهورة في القراءة والتي يستعذبها الأجداد وكبار السن، وهنالك القراءات المختلفة الأخرى، بالإضافة إلى إنشاد هذه القصائد. وبعض أبيات هذه القصائد أخذت تجري مجرى الأمثال التي يستشهد بها الناس في مواقف حياتهم. لما يكتنفها من حكم عميقة في المعنى رشيقة على اللسان يستعذبها الناس لما لها من براعة في النسج وعذوبة في اللفظ، وحكم تدل على طول التجربة والتأمل في الذات والحياة، فمن حكمه التي يغص بها ديوانه يقول: فالعين تدرك إلا ذاتها بصرا والكف تمسك إلا معصما فيها ونستطيع القول إن أبا مسلم نال من الحظوة والشهرة والقبول عند العمانيين ما لم ينله سواه فلذلك استحق لقب «رائد الشعر العماني الحديث» ولقب «شاعر العلماء وعالم الشعراء»، فهو شاعر، وعالم، وفقيه، وسلوكي عارف بالله، وصحفي قام برئاسة تحرير صحيفة «النجاح» التي صدر عددها الأول عام 1911 في المهجر الأفريقي، كما شغل منصب قاضي القضاة في زنجبار، فهو شخصية فاعلة في مجتمعها، جادة في مشروعها التنويري. وديوان أبي مسلم ناضح بالقصائد الإلهية التي اعتنى بها اعتناء خاصا وأفرد لها ديوانا أسماه «النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني» وهي قصائد مطولة ناضحة بالأثر السلوكي، والقصائد العرفانية، كما أن ديوانه يحتوي على الكثير من قصائد المديح النبوي، يقول في أحدها: وجهت نحو رسول الله نازلتي وقلتُ يا نفس حُمّ النصر فانتظري أمنيَّة الفوز منه غير خائبةٍ ومطمع النجح منه غير منحسرِ وقد نالت قصائده في المديح النبوي شهرة واسعة وطارت أصداؤها في أفاق المشرق العربي ومغربه، وأصبحت مائدة تدار في مجالس الحضرات الصوفية، وجلسات المديح النبوي، وغناها المغني التونسي المشهور لطفي بوشناق. يبقى الحديث عن أبي مسلم متنفسا للروح لا يمكن أن تحويه كتب أو صفحات فضلا عن أسطر أقوم بكتابتها.. في يوم احتفاء دولي بهذا الشاعر الإنسان.