الاقتصاد الأمريكي بين وجهتي نظر
الأربعاء / 26 / جمادى الأولى / 1441 هـ - 22:30 - الأربعاء 22 يناير 2020 22:30
مصباح قطب -
mesbahkotb@gmail.com -
رغم كل الانتقادات، فكل يوم يظهر، في أمريكا وخارجها، من يؤكد أن الرئيس ترامب سيربح الجولة الانتخابية المقبلة ويفوز بفترة رئاسة ثانية، وبسبب أساسي هو نجاحه الاقتصادي، فالأسهم في عنان السماء والفائدة تنخفض، والضرائب على الشركات الكبيرة - ذات النفوذ - اقل، والدولار قوي، والتضخم معقول، والبطالة في اقل المعدلات، والنمو في وضع جيد، وصادرات الأسلحة والخدمات الدفاعية عالية، وبقية المؤشرات الاقتصادية وبيانات الأسواق جيدة في العموم . لكن هذه الاعتبارات تخفي خلفها - عند محللين وخبراء أمريكيين كبار - عالما آخر من المشاكل العويصة الاقتصادية والاجتماعية التي قد لا يتوقف عندها الكثيرون وسنعرض لها لاحقا. وإذا كانت فرصة ترامب في الفوز ثانية، وفق اغلب التصورات، قائمة بالفعل في ظل المعطيات الراهنة، ما لم يحدث تغير دراماتيكي، فكل ما يرجوه الذين يرصدون مواطن الوجع في المجتمع والاقتصاد الأمريكيين ألا يقال انه تمت إعادة انتخاب ترامب لنجاحه الاقتصادي ؟! . مفارقة طبعا.
ولقد ترتب على التباين الحاد في وجهتي النظر بشأن تقييم ترامب اقتصاديا إن ظهرت في « نيويورك تايمز» وعلى لسان هيئة التحرير وجهة نظر تدعو إلى اختيار جسور من بين المرشحين للرئاسة إذا أراد الديمقراطيون أن يكسبوا المعركة فعلا، وتنصف الصحيفة اليمينية، وبشكل نادر، « يساريين» مرشحين مثل « بيرني ساندرز» و« اليزابيث وارين» إلى حد كبير، وان كانت توصي بعضوة شيوخ اخرى هي « كلوبيشار» كمرشح افضل واقوى . وتقول هيئة التحرير : « كل من النماذج الراديكالية والواقعية تستحق دراسة جادة. إذا كان هناك وقت للانفتاح على الأفكار الجديدة، فقد حان الوقت الآن. إذا كان هناك وقت للبحث عن الاستقرار، فقد حان الوقت الآن».
نعود إلى ملف الاقتصاد مع ترامب وهو واحدة من أوضح وجهات النظر عن فشل ترامب أو اخفاقاته تلك التي عبر عنها مؤخرا في مقال تقييمي « جوزيف ستيجلتز» - الاقتصادي المخضرم والحائز جائزة نوبل - إذ يقول منزعجا انه بات مستقرا أن دونالد ترامب من الصعب التغلب عليه في نوفمبر2020 ، لأنه مهما كانت التحفظات عليه، فقد كان في صالح الاقتصاد الأمريكي، وذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة. ويرى ستيجلتز في أسى أن النخبة التجارية في العالم وداخل أمريكا لديها افتتان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما في ذلك القليل من الشركات الكبيرة التي كانت تتحفظ على استهانته بالبيئة وتعصبه وميله للتمييز ضد النساء فكله يهون عندهم ما دام قام بتخفيضات ضريبية كبيرة على الكبار ويواصل جهوده لتحرير الاقتصاد .
ترامب عند المصادر التي عاد إليها «ستيجلتز» حمل المزيد من الأمريكيين على تناول المواد الأفيونية، وحفز المزيد من الأطفال على تناول الأطعمة التي تسبب مرض السكري، وشجع الانخراط في نوع من الخدع المالية مثل التي أدت إلى أزمة 2008.
ويرى الكاتب الأمريكي انه للحصول على قراءة جيدة للصحة الاقتصادية للبلد، ابدأ بالنظر في صحة مواطنيها. إذا كانوا سعداء وفى رخاء، فسيكونون بصحة جيدة ويعيشون لفترة أطول. واقعيا وكما يرى فمن بين الدول المتقدمة، تقع أمريكا في الأسفل في هذا الصدد. وقد انخفض متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة، والذي كان منخفضًا نسبيًا بالفعل، وبلغت وفيات منتصف العمر أعلى معدل لها منذ الحرب العالمية الثانية. وفقد الملايين تغطيتهم التأمينية، وارتفع معدل غير المؤمن عليهم، خلال عامين فقط ، من 10.9٪ إلى 13.7٪. ويشير إلى أن أحد أسباب انخفاض متوسط العمر المتوقع في أمريكا هو ما تسميه خبيرتان أمريكيتان، موت اليأس الناجم وفي عام 2017 (آخر سنة توفرت فيها بيانات جيدة) ، بلغت هذه الوفيات أربعة أضعاف مستواها في عام 1999.
يؤكد « ستيجلتز» انه لم ير مثيلا لتلك الحالة الاقتصادية الكئيبة إلا في الاقتصاد السوفيتي . يضيف : قد يكون ترامب رئيسًا جيدًا لأعلى نسبة 1٪ - وخاصة بالنسبة لـ 0.1٪ من الواحد بالمائة - لكنه لم يكن جيدًا للجميع. مشيرا إلى انه في حالة التنفيذ الكامل للتخفيضات الضريبية الترامبية، سينتج عن التخفيض الضريبي لعام 2017 زيادة في الضرائب على معظم الأسر في خُمس الدخل: الثاني والثالث والرابع.، ولا يزال متوسط الأجر للعامل الذكر المتفرغ (والذين يشغلون وظائف بدوام كامل هم محظوظون في النهاية ) أقل من 3٪ عما كان عليه قبل 40 عامًا. ولم يحدث تقدم كبير في الحد من الفوارق العرقية، في الربع الثالث من عام 2019 ، كان متوسط الدخل الأسبوعي للرجال السود الذين يعملون بدوام كامل أقل من ثلاثة أرباع المستوى بالنسبة للرجال البيض.
وبالمثل، فإن الحروب التجارية التي قام بها ترامب، على الرغم من الزمجرة والغضب، لم تخفض العجز التجاري للولايات المتحدة ، الذي كان أعلى بمقدار الربع في عام 2018 عما كان عليه في عام 2016. وكان العجز السلعي في 2018 هو الأكبر على الإطلاق. حتى العجز في التجارة مع الصين ارتفع بمقدار الربع تقريبًا عن عام 2016.
وعلى الرغم من وعود ترامب الواعدة بإعادة وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة ، إلا أن الزيادة في فرص العمل في التصنيع لا تزال أقل مما كانت عليه في عهد سلفه، باراك أوباما ، بمجرد بدء الانتعاش بعد عام 2008 ، وما زالت أقل بشكل ملحوظ من الأزمة السابقة. حتى معدل البطالة، الذي هو عند أدنى مستوى خلال 50 عامًا ، يخفي الهشاشة الاقتصادية، فمثلا وتيرة خلق فرص العمل أبطأ بكثير مما كانت عليه في عهد أوباما . علاوة على ذلك، ارتفع معدل السجن في الولايات المتحدة بأكثر من ستة أضعاف منذ عام 1970 ، مع وجود حوالي مليوني شخص حاليًا خلف القضبان كما أنه ليس من المفاجئ أن تكون الدولة التي لا توفر رعاية ميسورة التكلفة للأطفال أو التي تضمن إجازة عائلية تتمتع بوظائف أقل من الإناث مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى.
حتى إذا حكمنا من خلال الناتج المحلي الإجمالي ، فإن اقتصاد ترامب لا يزال محدودا. كان نمو الربع الأخير 2.1٪ فقط ، أي أقل بكثير من 4٪ أو 5٪ أو حتى 6٪ التي وعد بها ترامب ، وحتى أقل من متوسط 2.4٪ لفترة ولاية أوباما الثانية. هذا أداء ضعيف بشكل ملحوظ بالنظر إلى الحوافز التي يوفرها العجز البالغ تريليون دولار وأسعار الفائدة المنخفضة للغاية. العلامة التجارية لـ ترامب هي عدم اليقين والتقلب والمراوغة ، في حين أن الثقة والاستقرار والمصداقية ضرورية للنمو، وكذلك المساواة .
انتهت وجهة النظر وهي ليست جديدة ويمكن القول إن «جيفري ساكس» وكروجر » - وغيرهما - يريان ترامب بهذه العين أيضا تقريبا. لكن السؤال العملي يغيب عن مثل هؤلاء الخبراء بالفعل ألا وهو كيف ينعكس التشخيص السابق تصويتيا؟. ما هو موقف أصحاب الأجور الضعيفة او من فقدوا وظائفهم او صحتهم او موقف النساء اللواتي تم التمييز ضدهن أو السود أو الملونين الخ من الصندوق الانتخابي والى أي حد تؤثر الحيل السياسية والعسكرية والإعلامية والمالية على الناخبين بعامة في نهاية المطاف ؟ .
قصة ترامب والفترة الثانية شديدة التعقيد والغموض ، صحيح انه قد يزيد من فرصته ضعف المنافسين اكثر من قوته هو بيد أن الموقف قد يتغير في أي لحظة ، فأمريكا لا تستقر على حال كما تخبرنا التجارب السابقة .