أفكار وآراء

الوباء ونظرة إلى آثار جانبية غائبة

مصباح قطب - mesbahkotb@gmail.com - اتفق كثيرون واختلفوا حول كورونا : الفيروس ، وسر ظهوره «في هذا التوقيت» ، والوقاية والعلاج ، والآثار الاقتصادية على الدول وقطاعات خاصة من النشاط الاقتصادي كالسياحة والطيران وصناعة السيارات والهواتف... ، وظهرت تفسيرات من ألوان شتى للوباء ولانتشاره؛ تبدأ من غضب الله على الصين بسبب موقفها من مسلمي الايجور، إلى التفسير التآمري لظهوره فجأة وفي الصين بخاصة حيث جاء إثر مفاوضات شاقة في إطار حرب تجارية كبرى بين الصين وأمريكا ، كما تزامن مع انطلاقه تركيز إعلامي ضخم وكأن الميديا كانت قد رتبت نفسها للحدث أو قال لها قائل هو صانع المؤامرة استعدوا ، وكل ذلك طبعا طبقا للتفسير التآمري ، وقال من قال إن أمريكا هي التي أطلقت الفيروس لتحجيم الصعود الصيني أو تمكينا لشركات دواء أمريكية من أن تحقق مكاسب كبرى بعد أن تقوم بإنتاج لقاح مضاد للمصل وبيعه ، بينما قال فريق آخر إن الصين نفسها هي التي أطلقت الفيروس للتخلص من بعض أو كل الاستثمارات الغربية الكبيرة أو القيام بشراء تلك الأصول بأبخس الأسعار بعد أن يفر أصحاب الشركات إلى بلادهم ، او أنها فعلت ذلك ليعرف الجميع قيمتها وانها هي التي إذا عطست أصيب الاقتصاد العالمي بالحمى! وهكذا . التفسيرات التآمرية في النهاية لا حدود لها ، فهي وليدة الخيال والخيال حر وحر وحر كما نعلم ، ولا قيد عليه من منطق أو عقل او مشروطية ، ولذا قد نتوقع ألوانا أخرى على هذا النهج ، لكن المؤكد ان موجة التفسيرات التآمرية او البهلوانية قد هدأت بعد استمرار انتشار الفيروس، وتنوع الدول التي ترك بصمته المؤذية فيها . لقد طال أصدقاء لأمريكا ككوريا الجنوبية واليابان إضافة إلى أمريكا ذاتها ، كما طال أصدقاء للصين مثل إيران والسعودية فضلا عما لحق بالصين ذاتها بالقطع ، فكيف يمكن تفسير ذلك إذا كانت إحدى الدولتين هي التي رعت الفيروس أو أطلقته تدشينا لحرب بيولوجية جديدة كما قيل ؟ . بدأ التحليل العقلاني الموضوعي للفيروس وتحوره وحالة الوباء وآثاره الاقتصادية العميقة ، يأخذ مكانه كما هو واضح ، وظهرت مصفوفات دقيقة إلى حد بعيد من الحسابات تبين الأثر على المستوى العالمي وعلى مستوى كل دول بل وكل قطاع . من جانب بعيد لم يأت الوقت بعد للتقييم الشامل الذي يتناول الجوانب التي يمكن ان تكون إيجابية أحيانا وسلبية أحيانا أخرى ، لانتشار الفيروس ، والتي لها بالتبعية أبعاد اقتصادية قد تعوض ولو نسبيا ما نجم من خسائر مباشرة او تعمقه . أول مكسب عام بطبيعته وهو ان البشرية وهي تمر بمرحلة الانكفاء على الذات ، أي كل وطن أولا - أمريكا اولا وبريطانيا أولا - ، ومرحلة العداء الواضح لكل ما ينتمي إلى التعددية العالمية التي انبثقت من جحيم الحرب العالمية الثانية والمؤسسات التي ترافقت معها ، هذه البشرية وجدت انه لا مفر من التعاون حتى بين الفرقاء. فالكل وحده ضعيف أمام الفيروس الشرس والمقتحم . وبكل تأكيد سيتعلم قادة الدول- وغيرهم - التواضع حتى ولو عنادا مع طبيعتهم الأنانية ، فالذي يتصور انه يمكنه أن يصول ويجول ويهدد ويلوح ويبتز بما لديه من أسلحة متقدمة وأداوت ضغط وتكنولوجيا واحتياطيات الخ قد يجد نفسه شأنه شأن اقل دولة في مواجهة الوباء مع فروق طبعا في القدرة على التنظيم الصحي وتأمين نوع من التتبع والوقاية أفضل من دول أخرى. الوباء أيضا غير وسيغير السلوك الاستهلاكي للأفراد والشعوب والدول ومجموعات الدول. لقد أدرك الكافة أن ما كان يبدو كأنه من طبائع الأمور مثل ان تستورد كذا من الصين لتضيف إليه في بلدك أو تستهلكه كما هو ، ويتدفق إليك بيسر مضاعف بسبب شطارة الصينيين، أدرك وفجأة أن كل شيء يمكن أن يتوقف في لحظة ، وعليه لابد من طريقة جديدة للعيش الفردي أو الأسري أو المؤسسي والعمل في مثل تلك الظروف. وظني أيضا أن جانب الادخار والعناية به تحوطا ضد تقلبات الزمن خاصة في دول ذات ثقافة ادخارية ضعيفة مثلنا ، سيبرز ويعاد تسليط الضوء عليه . ستتغير أيضا قواعد لعبة الاستثمار العالمية بما يمنح أبعادا مغايرة لخطط الإنتاج ونشر خطوط الإنتاج خارج الحدود وداخلها ، وقد تعاد هيكلة أنماط الاستثمارات بشكل جذري انطلاقا من هذه اللحظة . وسينشط يقينا او قد حدث بالفعل ان نشط ، الاستهلاك المحلي ، دون حاجة إلى محفزات من السياسة المالية أو النقدية. لقد كتب المحللون الاقتصاديون العالميون كثيرا في الأشهر الأخيرة عن انه لا مفر أمام الصين من زيادة الاستهلاك الداخلي تعويضا عن تراجع الصادرات ، لتحقيق نمو مرتفع ، وها هو القدر يفرض كلمته من حيث لم يحتسب احد. كما كتب المحللون يتوقعون عجز البنوك المركزية ووزارات المالية في العالم عن مواجهة الركود العالمي المقبل ، لان أدواتهم أصبحت محدودة ، فضلا عن أن المناخ اختلف عن 2008 ، ولم يعد هناك مجال لحركة منسقة لمواجهة ذلك الركود كما جرى في الأزمة المالية العالمية ، لكن الفيروس أيضا قال كلمته بحيث انه عمق في جانب توقعات الركود ، وخلق في جانب آخر مساحة للحركة في الاستهلاك الداخلي واستهلاك سلع محلية الصنع دون حاجة إلى محفزات ، بل وربما يكون قد خلق أو سيخلق مساحة للحركة الاقتصادية التلقائية في أعقاب أن تنجح الأطراف في محاصرة الوباء وذلك لبناء ما تهدم خلال الأزمة ذاتها من أصول أو إعادة شحن المخازن أو تلبية طلبيات مؤجلة إلى آخره . سيعاد في المجمل تمويج طبيعة حركة الخسائر والأرباح والعجز والفائض. ربما يكون من الممكن ان نشبه ما يجري او سيجري بعملية يتم فيها خلط الاثنين في خلاط واحد وتشغيله وانتظار أن يتم التقسيم من خلال ما يسمى بـ «الانتروبيا» في علم الفيزياء ، أي من خلال حركة عشوائية للغاية لكنها تفضى إلى مسار منتظم في النهاية . لا يمكن تحديد رابح أو خاسر بسهولة خلال الأزمة الحالية ، أو حتى بعد أن تهدأ العاصفة، بسبب التداخلات الكبيرة في كل شيء . وهناك جوانب غريبة فعلى سبيل المثال فإن ما قد يخسره بلد ما بسبب تراجع السياحة والطيران قد يعوضه من توفير تكاليف العمرة التي تم إيقافها بقرار من المملكة العربية السعودية . وما تخسره صناعة مثل لعب الأطفال قد تعوضه رشادة في التعامل معها وابتكار ألعاب بيتية للأطفال ولو مرحليا، وما يخسره قطاع قد يعوضه قطاع آخر ، وصورة ذلك أوضح ما تكون في مجال التعليم الذي يخسر بينما الرعاية الصحية تحقق مكاسب كبيرة نتيجة الطلب المرتفع على منتجات وقائية أو السعي إلى المشافي للتحقق من تخوفات أو تشككات أو احتياج إلى إجراء فحوصات وتحاليل ، أو حتى إنتاج وبيع لقاح ، أو أدوية أخرى مثل فيتامين «سي» الذي ينادي الكل بأهمية استخدام جرعات منه لتعزيز الوقاية أو زيادة استخدام منتجات النظافة الشخصية. على هذا المنوال يمكن أن ننسج الكثير في نطاق الآثار والتفاعلات التي لها انعكاسات على الاقتصاد فقط ، حيث لا داع للخوض فيما هو سياسي ، فمحللون يقولون إن فيروس كورونا المحور هذا سيجعل الصين تتغير سياسيا لكن لا يمكن بسهولة التعليق على تلك النبوءة .