أفكار وآراء

اتفاق السنة الكبيسة.. والسلام الصعب في أفغانستان

رشا عبدالوهاب - أفغانستان دولة قديمة قدم التاريخ، فالبعض يقارنها بمصر من حيث قدم الحضارة حيث يعود تاريخها إلى حوالي 50 ألف عام، كما اصطلح على تسميتها بمقبرة الإمبراطوريات، لقدرتها على مقاومة الاحتلال الأجنبي، وخصوصا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ووسط تاريخ طويل من مقاومة الاستعمار البريطاني في ثلاث حروب، والانقلابات والثورات الداخلية، تحولت أفغانستان من ملكية إلى جمهورية. لكن بداية التحولات الحقيقة التي شهدتها كان في عام 1978، عندما قامت ثورة «ثور» أو «ساور» ضد الرئيس محمد داود خان الذي أعلن نهاية الملكية وانقلب على ابن عمه الملك محمد ظاهر شاه، آخر ملوك أفغانستان. ثورة «ثور» كانت بداية لاكتشاف اللاعبين الرئيسيين على الأرض في الداخل الأفغاني، حيث تسببت في غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في عام 1979، وذلك بعد استيلاء حزب الشعب الديمقراطي على السلطة، وإعلان أفغانستان كجمهورية ديمقراطية، وتولي نور محمد تراقي الرئاسة. وتسببت المعارضة لإصلاحات حزب تراقي في اندلاع حرب أهلية بين المجاهدين، المدعومين من باكستان والولايات المتحدة، وقوات النظام المدعومة من الاتحاد السوفييتي. الحزب الديمقراطي في هذا الوقت انقسم إلى فصيلين، «خلق» الذي كان يهيمن على الساحة السياسة، و«بارشام»، وتناحر الجانبان على السلطة. وفي سبتمبر 1979، تم اغتيال الرئيس تراقي في مؤامرة خطط لها حفيظ الله أمين، إلا أن حكمه لم يستمر أكثر من ثلاثة أشهر حيث قرر الاتحاد السوفييتي التخلص منه باعتباره عميلا لوكالة المخابرات الأمريكية «سي. آي. إيه»، وقام باغتياله في عملية سميت «العاصفة 333». وتم تعيين بابراك كمال رئيسا لأفغانستان، وشكل حكومة من فصيلي خلق وبارشام. ونتيجة لتمويل الولايات المتحدة للمقاتلين بمليارات الدولارات وأسلحة متطورة، شهدت أفغانستان حربا طويلة طوال عقد الثمانينات. وخلال هذا الصراع الوحشي، قتل ما لا يقل عن مليون مدني و90 ألفا من المسلحين و18 ألفا من القوات الأفغانية و14500 من القوات السوفييتية، كما أنه مهد الطريق أمام صعود حركة طالبان واستيلائها على السلطة في عام 1996. وظهرت طالبان، ومعناها الطلاب بلغة الباشتو، في بداية التسعينات من القرن الماضي في شمال باكستان، وظهر عناصرها للمرة الأولى في حلقات الدروس الدينية. وكان الوعدان اللذان قطعتهما طالبان، في مناطق البشتون المتاخمة لباكستان وأفغانستان، استعادة الأمن والسلام وتطبيق الشريعة، ويعتبر البشتون أكبر عرقية في أفغانستان حيث يمثلون أكثر من 40% من السكان. ومن جنوب غرب أفغانستان، تمكنت طالبان من توسيع نفوذها. وفي سبتمبر 1995، استولت الحركة على مقاطعة هيرات المحاذية لإيران، وبعد عام بالضبط، استولت على العاصمة كابول، بعد أن أطاحت عناصرها بحكومة برهان الدين رباني. وبحلول عام 1998، سيطرت طالبان على 90% من أفغانستان. وحظيت الحركة في بداية ظهورها بشعبية، فالأفغان الذين شعروا بالإنهاك من تجاوزات المسلحين والاقتتال الداخلي بعد خروج السوفييت، رحبوا بطالبان خصوصا في ظل نجاح الحركة في القضاء على الفساد وكبح الفوضى وجعل الطرق والمناطق المختلفة آمنة تحت سيطرتهم، وهو ما مهد الطريق لازدهار التجارة. وفي التوقيت نفسه، وجهت انتقادات دولية لطالبان بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم ثقافية، وكان أحد الأمثلة الصارخة على ذلك، هدم تماثيل بوذا باميان وسط أفغانستان، في مشهد أثار حالة من الغضب العالمي. وأثارت طالبان أفغانستان انتباه العالم بعد الهجمات التي خطط لها تنظيم القاعدة على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001. ووجهت اتهامات لطالبان بتوفير ملاذ آمن لأسامة بن لادن زعيم القاعدة. وفي 7 أكتوبر 2001، غزا التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أفغانستان، وسقطت طالبان خلال أسبوع. وتمكن زعيم طالبان الملا محمد عمر وكبار قادة الحركة من الفرار على الرغم من شن أكبر عملية مطاردة في العالم لاعتقالهم. بينما لاذ بعض زعماء طالبان بمدينة كويتا الباكستانية حيث تمكنوا من قيادة طالبان من هناك. وفي هذه الأثناء، تم تشكيل حكومة مؤقتة في أفغانستان، بينما تم تصنيف عناصر طالبان على أنهم مقاتلون أعداء. وفي 2004، عادت طالبان وشنت هجمات مسلحة ضد حكومة الرئيس حامد كرازي وقوات التحالف الدولي، وتمكنت من استعادة نفوذها وتوسيعه في وقت لاحق، والسيطرة على مساحات واسعة من أفغانستان ونشر العنف بشكل غير مسبوق. بدأت الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام بمحاولة حقيقية للتصالح مع طالبان في 2010 عبر تشكيل المجلس الأعلى للسلام، الذي يضم مجموعة من السياسيين ونشطاء المجتمع المدني ومجاهدين سابقين، كما ضم أيضا نساء وعناصر معتدلة في طالبان. وكانت فكرة المجلس تقوم على فتح قنوات اتصال مع المسلحين لإجراء محادثات سلام. وفي 2013، مع إعلان طالبان خططا لفتح مكتب في قطر، إلا أن انعدام الثقة بين الأطراف كافة ظل مرتفعا مع استمرار العنف، وأثارت الاتصالات الأمريكية مع طالبان غضب الرئيس كرازي الذي احتج على ذلك بطلب إغلاق المكتب، وظل أعضاء طالبان في قطر. وفي أغسطس 2015، اعترفت طالبان بأنها أخفت خبر وفاة الملا عمر لمدة عامين، وفي الشهر اللاحق، توقفت عن أعمال العنف، والتفت حول زعيمها الجديد الملا منصور الذي كان نائبا للملا عمر. وفي توقيت متزامن، تمكنت طالبان من السيطرة على مدينة قندور الاستراتيجية. وبعد مقتل الملا منصور في غارة أمريكية بطائرة مسيرة في مايو 2016، تولي نائبه هبة الله أخوندزادة زعامة الحركة. وكان التطور الأكبر في المحاولات الأمريكية لفتح الحوار الأفغاني الأفغاني، في إشارة إلى جلب طالبان والحكومة الأفغانية على مائدة المفاوضات، في تعيين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزلماي خليل زادة كمبعوث أمريكي خاص للمصالحة في 2018، وذلك في ظل رغبة ترامب في سحب القوات الأمريكية من أفغانستان. وتم اختيار خليل زادة لعدة أسباب منها أنه أفغاني الأصل كما أنه كان سفيرا أمريكيا لدى أفغانستان بعد 2001، كما أنه يمتلك اتصالات تمكنه من مواصلة عمله الدبلوماسي وأثبت أنه متوافق عليه من قبل كافة الأطراف على الرغم من التنوع العرقي المعقد في أفغانستان. وخلال 2019، أجرت الولايات المتحدة سلسلة من المفاوضات مع طالبان في العاصمة القطرية الدوحة. ومع إعلان الولايات المتحدة عن التوصل إلى اتفاق تاريخي مع طالبان التي ترفض حتى اللحظة الجلوس مع الحكومة الأفغانية التي تعتبرها «دمية» في يد أمريكا، تعيش أفغانستان في حالة من الفوضى السياسية بعد انتخابات الرئاسة التي جرت في 28 سبتمبر الماضي، وللمرة الثانية يتكرر هذا السيناريو، حيث أعلنت لجنة الانتخابات الأفغانية فوز الرئيس أشرف غني بولاية ثانية، بينما هدد عبدالله عبدالله الرئيس التنفيذي بتشكيل حكومة موازية على اعتبار أنه الفائز بالانتخابات. في 2014، حدث السيناريو ذاته، وهو ما اضطر إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إلى التدخل من أجل حقن الدماء حيث دعت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية يلعب فيه عبدالله دورا واسعا، وذلك بعد أن تم إعادة فرز الأصوات تحت إشراف الأمم المتحدة، التي أكدت فوز غني بالرئاسة. وفي ظل هذا الصراع الداخلي، فإن اتفاق السلام بين واشنطن وطالبان الموقع في 29 فبراير الماضي لم يأت بجديد، فالمصالحة الأفغانية سواء بين الأطراف السياسية الداخلية المتصارعة أو بين الحكومة وطالبان غير موجودة. كما أن باكستان تلعب دورا كبيرا في استقرار أفغانستان، فغني يشترط أن تقطع طالبان علاقاتها بإسلام أباد، التي تحملها كابول مسؤولية العديد من الهجمات الإرهابية وعدم الاستقرار والفوضى. كما أن الرئيس الأفغاني يرى أن أمريكا ليست سوى مجرد وسيط، وليس من حقها فرض شرط مثل إطلاق سراح سجناء طالبان لأنه ليس من صلاحياتها، كما أنه يرى أن اتفاق السلام مجرد حصان طروادة لعودة الحركة. وفي ظل تهميش دور غني وحكومته في اتفاق السلام، فإنه لجأ إلى «اللويا جيرجا» أو مجلس حكماء أفغانستان الذي يشكل مقاطعات أفغانستان الـ 34، من أجل الشعور بالقوة في وجه طالبان، خصوصا في ظل مخاوفه من أن تتحالف المعارضة مع الحركة من أجل إضعافه سياسيا أو ربما الإطاحة به، وكذلك في ظل سعي القوى الكبرى مثل أمريكا وروسيا إلى الحديث مع حركة طالبان بدلا من كابول التي يتدهور دورها السياسي يوما بعد يوم. وكما يتكرر يوم 29 فبراير مرة كل 4 سنوات فيما يعرف بالسنة الكبيسة، فإن اتفاق السلام لن يتمخض عنه شيء سوى استمرار عنف طالبان في ظل الوضع الحالي، وعلى الرغم من الشكوك حول اقتراب مرحلة جلوس طالبان والحكومة الأفغانية على طاولة واحدة.