أعمدة

دوران حول «حرير الغزالة»

أمل السعيدية
 
أمل السعيدية
أمل السعيدي أستطيع أن أقول: إن لغة جوخة الحارثي ربما تكون من أجمل ما قرأت للكُتاب العرب المعاصرين كما يلفتُ انتباهي اهتمامها بالهامش، والهامشيين، فظهور شخصيات لمقيمين في عُمان تستطيع الإحساس بهم حتى وإن حضروا في مساحات صغيرة، إلا أنها تضيء على قصص مهمة للغاية في حياتنا. وتعد روايات جوخة الحارثي بمثابة وثائق اجتماعية تبطن الكثير من التحولات في تفكير وتفاعلات الإنسان في هذا المكان، حتى وإن شيدت جوخة قرى من العدم، وأسمتها مرة 'العوافي' في سيدات القمر أو 'شعرات باط' في روايتها الحديثة 'حرير الغزالة'. لست أدعي أنني ناقدة، بل أنا قارئة بسيطة لديها هذه الفسحة الصغيرة للتفكير بصوت عالٍ. قرأت الأسبوع الماضي الرواية الجديدة لجوخة الحارثية 'حرير الغزالة' الصادرة عن دار الآدب، وشعرت بخيبة أمل، إذ إنني وقبل جائزة المان بوكر التي حصلت عليها الكاتبة عن روايتها 'سيدات القمر' وهي واحدة من أهم وأرفع الجوائز الأدبية في العالم، كنت قد اختبرت اللحظة التي قلت فيها 'هذه أجمل رواية عمانية قرأتها'، فجئت للقراءة بالروح نفسها، لأفاجأ بمعالجة فنية، تنحو في معظمها إلى غنائية غير مضبوطة، كأنما انفلتت من عقال كاتب متعجل، فمع ترديد 'هل يمكن أن يغفر الله ذنبًا قديمًا؟' صوت آسية التي تغيب ظاهريًا عن القصة، تحسُ بأن الكاتبة تطمرك في جوقة موسيقى صاخبة، ولا تستطيع أن تميز فيها شيئا أصيلا. إن إيقاع السرد بالنسبة لي، يجب أن يكون جزءا من القصة نفسها، فكرتُ بهذا طويلا، حتى أنني قلت وما ضير ذلك؟، إنها رواية أشبه بنشيد! وهذه سمة الأعمال التي تظهر في مساحات تلعب فيها الأساطير والسحر دورا مهما في خلق لغة الإنسان ورؤيته. لفت انتباهي أيضا الأدوار المدنية المتطرفة التي تلعبها الشخصيات في الرواية من عازف الكمان مرورا برسام الكاركاتير الذي يعيش في السويد، شيء أثار فيّ نفوراً، وقد يكون هذا نقدا ثقافيا أكثر منه أدبيا، لكنني لاحظت هذا في أكثر من عمل عماني، فمع الاستغراق الساحر في قلب القرية، تظهر الحياة المدنية بصورة حادة ومتطرفة، كأن ثمة ارتباك في التواصل مع المدينة، وفي الانخراط الحقيقي فيها، فالمدينة هي أحلام الكاتب، أكثر منها قطعة جغرافية تحدث فيها تفاعلات مبررة! وفي لحظة ما تفكر أن الكاتبة تريد التوكيد على خيارات الشخصية غير المعقولة في البحث عن الحب، الشعور الذي اختبرته وهي صغيرة برفقة أمها وأختها بالرضاعة قبل أن يغيب الموت الأولى وتختفي الثانية تماما دون تبرير، لكن في هذا الشكل من التوكيد شيء من الرعونة، التي تفاجئك كثيرا عندما تعرف أن محطة الحب القادمة لحرير مع 'الفيل' الموظف معها في ذات الشركة، يحول بينهما أنه متزوج لكن هذا لا يكفي فتظهر الحدة مجددا عندما نقرأ أن ابنته مصابة بمتلازمة داون وهو مع أسرته يعانيان من ذلك. وعلى الرغم من أن الكاتبة في هذا العمل تذكرنا فورا بكونديرا الذي لا يتجاهل مرور شخصية في العمل دون أن يكون لها صوتها وحكايتها، إلا أننا هنا نشعر كما لو أننا لا نقترب بما يكفي، لسرعة الزمن الذي يمر، والشخصيات التي ينبغي أن تحضر، حتى أنني فكرت في لحظة ما، ماذا لو أنها كانت مجموعة قصصية مثلا؟ ولست من النوع الذي يفضل الحديث عن الأجناس الأدبية كثيرا، لم أستطع تحديد الخيط السردي الذي يسير فيه النص، لا أقصد أن يكون مستقيما، أحب الالتواء والإلهاء، لكن هل هي حكاية عن 'شعرات باط' القرية التي وإن أصبحت الواحة، ما زالت قادرة على مد أصابعها السحرية إلى المستقبل، أم هي عن التقاطع بين القرية والمدينة؟ أم عن الأحلام الطائرة في الهواء، والتي تعلقنا من أعناقنا، وتعدمنا ببطء؟ شعرت وأنا أقرأ بأنني ألهث فيما كنت أتوق للتروي، للتمهل في النظر، أدرك أن الدكتورة جوخة، تمتاز بصنعة التكثيف، والتعاقب الزمني الخاطف، لكنني هنا شعرت بأنني مثل غزالة لا أستطيع أن أمد جذورا وأنتمي. ومع هذا كله فإن تجربة القراءة لجوخة الحارثي، هي تجربة غنية بلا شك، ومُعلمة بالنسبة لي ككاتبة أيضا، إذ إن التقاطع مع الصنعة في الفن داخل عوالمها، سهلٌ وحتمي، أتمنى أن أقرأ لها أعمالا أكثر، سيدة قمر الأدب العماني، البليغة، والساحرة، والواقفة على معرفة الأدب العربي القديم كما تظهر لغتها.