أجيال .. مختلفون في مدنياتهم مختلفون في حيواتهم
الاحد / 9 / ربيع الثاني / 1438 هـ - 18:53 - الاحد 8 يناير 2017 18:53
أحمد بن سالم الفلاحي -
shialoom@gmail.com -
تفرض المدنية مناخات كثيرة في حياة الناس، في أسلوبهم، في عاداتهم، في قيمهم، في تعاطيهم مع بعضهم البعض، في تقاربهم، وحتى في تباعدهم، وهذا من الأمور المسلم بها، لأن الكون برمته لا يخضع لثوابت لا تتبدل.
صحيح أن هناك ليلا ونهارا لا يتغيران في مواعيد بواكيرهما، وغروبهما، ولكن ما يحدث في خضم عمريهما الزمني الممتد طوال الـ (24) ساعة الشيء الكثير مما يستعدي طرح أسئلة ملحة، وهذا من الآيات التي تدعو الإنسان الى التفكر والتدبر، ولأجل ذلك ترك لهذا الإنسان مساحة الاشتغال خلال هذه الفترة الزمنية المتاحة، سواء في مفهوم الليل والنهار، أو في مفهوم عمر الإنسان نفسه، الذي يمتد عشرات السنين، وفق عمر كل واحد على حدة، وفق النسق الذي تسير عليه هذه المدنية في حياة الناس، وما تفرضه عليهم من نتائج التفاعل القائم بين مجموعات الناس الذين يمثلون هذه المدنية في سلوكياتهم ومظاهر حياتهم المختلفة.
ويأتي تكوين الأسرة وما يتبعه من وجود الأبناء- كنتيجة طبيعية لوجود الأسرة- هي الأخرى التي تحمل صورا متعددة لهذه المدنية، في السلوك، وفي المظهر، وفي زرع مفاهيم جديدة معبرة عن الحالة المدنية التي يكون عليها الناس في كل عصر على حدة، ومن المسلم به أيضا أنه لا توجد حالة غير مدنية، في أي عصر من العصور؛ حتى وإن استحوذت الشعوب التي عاشت على ضفاف الأنهار، وعلى مسارات الطرق الدولية عبر التاريخ بشيء من التحضر اكثر من غيرها، تظل هناك شعوب أخرى استعانت بشيء من المدنية في مختلف شؤون حياتها، سواء تواصلت عبر طرق التواصل المتاحة في ذلك الوقت مع الشعوب الأكثر تحضرا، أو لم تتواصل، فديناميكية الحياة التي عاشتها فرضت عليهم التطور والاختلاف، وظلت قيمة مضافة في حياتهم مقابل حيوات الآخرين بعدوا عنهم أو اقتربوا، لأن المسألة، كما هي معايشة «تراكمية» وكل مرحلة «دنيا» من مراحل المدنية في زمن ما، تصدر مكتسبها «المدني» الى المرحلة الزمنية المتقدمة، ولذلك فنحن اليوم، على سبيل المثال، نكون في مرحلة مدنية متقدمة للمستوى الذي وصلت اليه مقارنة عما كانت، وهذا نتيجة طبيعية لهذه الصيرورة المستمرة، منذ بدء الخليقة والى اليوم، وهذا بدوره ما يعبر عن قدرة الإنسان في توظيف مجموعة الوسائل المتاحة للترقي في حياته اليومية، ومن ثم الوصول الى هذا المستوى من التطور «المدني».
ومن هذا المنطلق يأتي الفهم الحديث في التربية، وفي الاقتصاد، وفي الثقافة، معبرة بصورة أو بأخرى عن أسلوب حياة الناس بشكل عام، ومواقفهم المختلفة من المسلمات ومن الأسس التي قامت عليها حياة من سبقهم، ومواقفهم أيضا من مجموعة الـ «التابوهات» والمحرمات، والمقدسات، ومن أشياء كثيرة تحفل بها الحياة اليومية، والتي تتوغل في حياتهم، وتشكل عناصر مهمة في تسيير هذه الحياة، والانعطاف بها نحو مسارات أخرى قد تكون غريبة بعض الشيء على من اعتاد على أسلوب معين، او ممارسة معينة عاش عليها دهرا أناس أصلت فيهم قناعاتهم أن يعيشوا بتلك الطرق والوسائل التي كانوا عليها، وأخذت جزءا من مساحة الإيمان والاعتقاد، والتسليم المطلق كذلك، حتى جاءت أجيال أخرى لتتبنى آفاقا أخرى لحياة هم يصيغون صورها وقيمها ومبادئها وفق ما هو متاح، ومترسخ من قناعات.
تحل تربية الأبناء في هذه السياقات كلها كأحد المسلمات، او الأسس أو الركائز التي تقوم عليها الحياة اليومية، وهي مسألة عامة، وشاملة، ولها وضعها الخاص والمهم، في حياة الناس كلهم بلا استثناء، حيث لا يوجد شعب من شعوب الأرض إلا وله مساحة واسعة لكي يلعب فيها دورا مؤثرا فيما يخص «تربية الأبناء» على وجه الخصوص، ونظرا لهذا البعد الأفقي لهذه الممارسة لدى كافة شعوب الأرض تأتي مجموعة النتائج لهذه التربية هنا، أو هناك، في الشرق، أو في الغرب، وليس هناك من مفارقة موضوعية في هذا الجانب عندما ينظر الى اختلاف الأساليب والطرق في مجالات هذه التربية بين شعب وآخر، حيث يأتي ذلك نتيجة طبيعية لهذا الاختلاف، لاختلاف الناس في نظرتهم الى الحياة، والى مجموعة القيم المتوارثة عند كل شعب وآخر، والى مجموعة من القناعات الموجودة كذلك، والى ظروف البيئة التي يعيش فيها كل شعب على حدة، فلا يتوقع، على سبيل المثال، أن من يعيش في البيئة الريفية «الصعبة» الى حد ما، أن تتشابه أساليب التربية مع من يعيش في المدينة «المرفهة» ولا حتى النتائج ستكون متشابهة كذلك، وهذه مسألة يعيها الكثيرون، ويقدرون نتائجها على الواقع المعاش،عندما تلتقي مجموعة هذه «التربويات» في بيئة عمل واحدة، أو بيئة تجمع له مبرر ما، حيث تلاحظ مجموعة التشابه والاختلاف، ومنها تقدر على الجزم بالنتيجة النهائية لمجموع هذا التوافق والاختلاف في هذه البيئات، ونتائج اتجاه المجتمع، وهذا كله لا يمكن فصله عن مستوى التحضر الذي يعيشه الأفراد في أي مجتمع، لذلك يأتي هذا «التلبس» بما تجود به الحضارة في لحظة زمنية ما، ليشكل منطلقا مهما في حياة الأجيال اللاحقة فيما بعد، ومنها تأتي الصورة التراكمية للمكتسبات في حياة الناس، ومن هنا يأتي التوافق والاختلاف بين الأجيال المتعاقبة، ومن هنا يأتي التوافق والاختلاف حتى بين البيئات المختلفة في المجتمع الواحد.
الذي يهم في هذا الموضوع اكثر - في تقديري الشخصي - هو مدى التأسيس التشريعي الذي يجب أن تتربى عليه الأجيال في تعاملها مع كل ما يحيط بها، وأن لا تتربى على التسليم المطلق لكل ما هو متاح، او حسب ما هو متعارف عليه دون مرجعية «معرفية» ودون أن تكون هناك رؤى واضحة في كل شيء يسير حياتهم اليومية، وتستوقفني هناك عبارة جميلة - لست أدري من قائلها -: «الرصيد المعنوي الذي تودعونه في أبنائكم صباحًا، أنفع بكثير من الرصيد المادي الذي تتركونه في أيديهم؛ لتلبية احتياجاتهم» – انتهى النص؛ وهو معنى يحمل دلالة عميقة، وقد تحدثت في الأسبوع الماضي عن مجتمع الرفاه، وخطورة التشكل التربوي فيه، لأن الأسس الضابطة او الحاكمة يجب أن تكون واضحة للأبناء اكثر، ومتى تربى الابن على أسس ضابطة، يقينا سوف تؤدي به الى طرق سليمة في حياته، وهو بدوره سوف يصدرها الى أبنائه من بعده، أما اذا تأسس على السهل المتاح في كل شيء، فإن في ذلك خطورة أيضا على مستقبل حياته، وحيوات الآخرين من حوله، ولذا نستغرب تصرفا يحدث في ظل ممارسة مدنية بها أولياء أمور واعين، مثل: « إن طالبا كثر تغيبه عن المدرسة، فما كان من مدير المدرسة الا أن أعطاه فصلا مؤقتا على أن يحضر ولي أمره بعد نهاية مدة الفصل المؤقتة، فإذا بمدير المدرسة يتلقى اتصالا من مسؤول ما يدعوه الى إعادة الطالب الى صفه في اليوم التالي»، فما هو شعور هذا الطالب أمام مدير المدرسة عند مباشرته الدراسة في اليوم التالي، وتجاوزا عن النظرة الدونية تجاه مدير المدرسة، فما هي الحمولة التربوية التي سوف تتربى في نفسية هذا الطالب ليس فقط تجاه قوانين المدرسة وانظمتها، وإنما تجاه كل القوانين الضابطة لمسارات الحياة المختلفة في حياته العامة.
لذلك عندما نتحدث عن مدنية ما، يجب ان تسود الصورة برمتها مباهج هذه المدنية، وسلوكيات أفرادها المعبرة عن هذا التحقق الذي يسمى «مدنية»، فالسيارة الفارهة عندما ينظر الى سائقها هو يخالف قوانين السير، فإن لا قيمة لسائق هذه السيارة المعبرة عن رفاهية، وعندما نرى فردا يلبس أحسن الثياب، وهو يتعامل مع البيئة من حوله تعاملا «همجيا» فلا قيمة لهذه الملابس ومرتديها، لأن الجوف «فقير»، وعندما يتم التلاسن في محيط عام بمفردات نابية، وكلا الطرفين على قدر كبير من الوعي، كما تعكسه المظاهر والمناصب، فإنه لا قيمة لهذا كله لأن ذلك لم يهذب هذه النفوس ويرفعها الى مرتقى خلقي وإنساني معبر عن حقيقة ما يظهرون عليه، وقس على ذلك أمثلة كثيرة، فـ «المدنية» ممارسة «مهذبة» لكثير من القيم كما يفترض.