شرفات

السماء الثامنة .. لن تحمينا الكتابة من الانتحار

893102
 
893102
عاصم الشيدي - سامح الله هلال البادي فقد ورطني في الكتابة منذ كنا في مقاعد الإعدادية. كان يأتي كل يوم بفكرة ويكتبها ويحرضني على الكتابة مثله، وكنت أعتقد أن أحلامي المستقبلية لا تبتعد، أو لا يجوز لها أن تبتعد، عن مساحة أن أكون مذيعا أقدم نشرات الأخبار في تلفزيون سلطنة عمان بعد أن أتخرج من الجامعة، وأن أبقى قارئا في مكتبة مدرسة يعرب بن بلعرب الثانوية بصحم التي كانت تضم أعدادا كبيرة جدا من الكتب التي لا تتوفر في مكتبات مدارس اليوم، وبعد ذلك في المؤسسة الجامعية التي أذهب لها، وكفى. كان هلال يأتي صباحا يحمل قصة جديدة كتبها بخط يده الجميل، وكنا مع بعض ضمن جماعة الإذاعة المدرسية، واقرأ القصة خلال الطابور. أصرّ عليّ هلال البادي من أجل أن أكتب قصة، وكتبت ما يشبه ذلك وأنا في الثانوية العامة، كانت قصة «حكمت التقاليد بالموت» ويومها كتبت التاء في حكمتْ تاء مربوطة!! المفاجأة أن تلك القصة قُبلت للمشاركة في فعاليات الملتقى الأدبي الثالث بصحار عام 1997. هلال البادي استمر قاصا ومسرحيا وله الكثير من الكتب المنشورة وفاز بمراكز كثيرة في مشواره الكتابي. أما أنا فلم أصبح قاصا رغم أن الصديق سليمان المعمري رد عليّ بعد أن بعثت له قصة «وتناثر البياض دون ترتيب» بالقول على الإيميل «يا إلهي لقد نجحت المحاولة أخيرا!». وبقيت محاولة ولم تستمر. لكن عليّ القول أنني كتبت قبل ذلك مقالات نشرت في الصحف وبشكل خاص صحيفتي الشبيبة والوطن التي كتبتُ فيهما مقالات أيام الثانوية العامة أذكر واحدا منها على الأقل حتى اليوم وحمل عنوان: «مهلا صعاليك الفن!». أقول سامح الله هلال البادي لو تركني مع القراءة وحلم العمل مذيعا لنشرات الأخبار لكنت أفضل حالا مما أنا فيه اليوم ومن مشقة الكتابة وعنائها الذهني الذي يبدو في بعض الأحيان لا يقدم ولا يؤخر شيئا.. وربما فكرة الكتابة هي التي دفعتني لوأد حلم المذيع ومحاولة احياء «الصحفي». صحيح أنني أحاول أن أكون متصالحا مع فكرة العمل الصحفي رغم ما به من جهد ورغم ما ينقله من مآس ورغم أن الصحفي هنا لا يكاد يجد فيه ما يكتب أو ما يغامر بكتابته ولكن يبقى الحلم قائما ومشروعا رغم السديم الذي يغطي طرقاته. لكن لا بد أن أعترف أنني حلمت كثيرا أن أكون قاصا أيضا ضمن قُصاص المشهد السردي في عُمان، حاولت ذلك كثيرا ولم أفلح ولم أستمر في خدمة حلمي، ولا أستطيع أن أخفي أنني ما زلت أحلم في كتابة رواية تاريخية عن مرحلة من مراحل عمان.. وأكاد أقول أن أحداثها تدور في ذهني منذ أكثر من سنة، وجمعت كتبا عن تلك المرحلة التاريخية. لكن لم أجد الجرأة حتى الآن لكتابة الجملة الأولى فيما يمكن أن يكون لاحقا رواية ولو على سبيل المجاز، أو يمكن القول أيضا أنني لم أخدم هذا الحلم أو الرغبة وتركته يبقى حلما فقط.. ونحن نستمتع أحيانا بأن نبقي أحلامنا في مساحات الحلم فقط. ربما لأن الكتابة الصحفية ليست الطريقة الأفضل للانتحار كما يقول نزار قباني فطرق الانتحار اليوم كثيرة جدا ومتاحة أيضا، وإذا كان الشعر قد حمى نزال قباني من الانتحار فإن الكتابة الصحفية وقراءتها أيضا بما فيها من رصد للمآسي والانتكاسات مدعاة للانتحار، وليست الكتابة الصحفية التي نعمل بها الوسيلة الوحيدة لجعل مساحة الفرح في العالم أكبر، كما يقول نزار نفسه فالصحافة، مع الأسف الشديد، هي التي تنقل تفاصيل المأساة والحزن وتزرعه في نفوس الجميع، والعالم اليوم لا يعرف من الفرح إلا اسمه وربما نفرح بشكل مجازي وإلا لا معنى للفرح ودماء العالم العربي تسيل في كل مكان، لا مجال للفرح وأطفال العالم العربي يموتون جوعا ويموتون بردا في الشتاء وحرا في الصيف.. ولست على أية حال كما يقول ادواردو غاليانو إنه يكتب ليتعلم الطيران في الظلام فهنا لا مجال للطيران أبدا، وإلا فإن المصير الحتمي لن يكون أفضل من مصير عباس بن فرناس، كما أن الكتابة في العالم العربي لا تأتي بالنقود لتكون بالنسبة لنا عونا لبناء منزل على أقل تقدير أو بناء عائلة كما يقول جيمس فردي: «بصراحة: لديّ عائلة وأحتاجُ إلى النقود ولذلك أكتب». وعليّ القول أن كتابة المقالات أو كتابة الأخبار والتقارير تختلف جذريا عن كتابة الإبداع، ربما ترمم الكتابة الإبداعية نفوسنا من الداخل كما يقول أصحابها، ولكن الكتابة الصحفية لا تفعل ذلك بل تقتلنا من الداخل والخارج، الكتابة الإبداعية في سياق الزمن كتابة تبقى أما الكتابة الصحفية فعمرها قصير جدا جدا، ربما ليس أطول من وصول القارئ للحرف الأخير من المقال أو الخبر. ولذلك لن يستطيع هذا المقال أو ما شابهه من محاولات أن يزرع شيئا من الفرح لا في كاتبه ولا في قارئه، ناهيك في أن يمنع حزنا استوطن طفلا في مخيم من مخيمات اللاجئين العرب في أي مكان من هذا العالم المشرع على المأساة، ولن يستطيع أن يمنع صاحبه من مجرد التفكير في أن الانتحار فكرة ليس سيئة إذا ما أخرجناها من سياقه الديني. ولذلك أجد أن سؤال لماذا نكتب؟ سؤال جوهري علينا أن نعرفه قبل خوض مأساة الكتابة، خاصة الكتابة الصحفية، فالصحفيون لا ينقلون للعالم اليوم إلا صورة مأساته، يحولون المأساة التي تسير على الأرض كلمات يمكن أن يقرأها القارئ فتصفعه على الوجه، يحولون بؤس العالم إلا مادة مقروءة يمكنها أن تحفر مقابر فردية وجماعية. هذه أسوأ مهنة في العالم، العالم الذي لم تعد فيه إلا صور معتمة تحمل من العذابات ما لا يمكن لهذا الكون تحمله، صور الجريمة، والإرهاب، والقتل وعلى الصحفي في العالم أن ينقل كل ذلك للقارئ ويعجل في موته أو انتحاره ولو بالمعنى المجازي. لو بقينا نقرأ دون أن نمسك بقلم الكتابة لكان خيرا لنا.. وتبقى كتابة المأساة أصعب من قراءتها، الكاتب يقرؤها مرتين وربما عاش مشاهدها قبل أن تتحول إلى طرق على لوحة المفاتيح.. أما القارئ فيمكن أن يركل الجريدة منذ سطر المأساة الأول، أو أن يقرر أن الصحافة بما تكتبه وأحيانا بما لا تكتبه مصدرا لأمراض القلق والتوتر والضغط وكل هذا يقود إلى فكرة الانتحار، فليتنا كنا شعراء مثلك يا نزار قباني لنحمي أنفسنا من ذلك الانتحار البشع الذي نرى صورته أينما يممنا وجوهنا في هذا العالم القبيح.