طبعة جديدة من كتاب التجديد في الفقه الإسلامي لمحمد سليم العوّا
الاثنين / 15 / جمادى الأولى / 1438 هـ - 21:40 - الاثنين 13 فبراير 2017 21:40
القاهرة، العمانية: يتميز الإسلام بملاءمته لكل العصور والأمكنة، كونه يزخر بفقه متجدد، يراعي ظروف الإنسان وتعدُّد بيئاته ومصالحه، ويحرص على درء المفاسد وجلب المصالح.
وقد انتبه علماء المسلمين إلى حقيقة أن الإسلام دين عالمي، اختاره الله للبشرية جمعاء، فنحوا إلى الاجتهاد لتحقيق مصالح البشر، دون أن يتعارض ذلك مع ما جاءت به الشريعة السمحاء، لذا عدّوا القياس أداة مهمة من أدوات الفقه.
وصدرت أخيرا عن دار السلام للطبع والنشر بالقاهرة طبعة جديدة لكتاب «التجديد في الفقه الإسلامي» للمفكر الدكتور محمد سليم العوّا، وهو كتاب يقدم رصدًا لعشرات المواضع التي جرى فيها تجديد للاجتهاد الفقهي في السنوات الخمسين الأخيرة.
ويرى المؤلف أن التجديد الفقهي أصلٌ أصيل في دين الإسلام فقد أخرج أبو داود وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لها دينها»، وقد قام العلماء وما يزالون يقومون بهذا الواجب فعلا فلا يخلو بلد من بلاد الإسلام من أئمةٍ هداة يستمر بهم العطاء الإسلامي متجددا في كل زمان ومكان.
وتتخلص رسالة الكتاب في الدعوة إلى الاجتهاد الواجب على العلماء القادرين على ذلك، الاجتهاد الذي يسير على مناهج الاستدلال والبحث التي قبِلها المسلمون على امتداد تاريخهم ويرفض الأقوال التي يتحلل أصحابها من كل قيد اتباعا للهوى، أو طلبًا لمصالح قريبة زائلة أو استرضاءً لمن يظن أن في أيديهم نفعًا أو ضرًّا.
وتحدث العوّا عن أهمية الاجتهاد في الفقه الإسلامي ومراحل تطوره، مؤكدًا أن المسلمين عانوا طويلاً من إحجام كثير من المؤهلين للاجتهاد عن القيام به، بسبب الدعوى الباطلة التي نادت بإغلاق باب الاجتهاد، ومستدركا بقوله إن اعتقاد استمرار الاجتهاد لا يعني أن يُترك لكل إنسان أن يقول في الدين ما شاء كيف شاء.
بل إن العلم الديني تخصُّص شديد الدقة والعمق، لا يحلّ لأحدٍ أن يقول فيه إلا إذا كان مؤهّلا لذلك تأهيلا يقبله المجتمع العلمي.
والفارق بين التأهيل للقول في العلم الديني وبين التأهيل للقول في التخصصات الأخرى، كما يرى العوّا، هو ضرورةُ شهادة العلماء لمن يتصدى للقول في الدين بأنه يصلح لذلك، «فلا تكفي هنا الشهادة الجامعية، مهما علت، ولا الدرجة الوظيفية، مهما تكن رفيعة؛ فكم من أصحاب هذين، أو أحدهما، لو عُرض على قاضٍ عادل لردّ شهادته وأسقط عدالته! وكم منهم من لا بصر له بالأدلة وترتيبها وكيفية فهمها، فضلا عن القدرة على الاستنباط منه». ويقول العوّا: إن الاجتهاد الذي يدعو إليه، هو اجتهاد العلماء القادرين على ذلك، الذين يؤخَذ من قولهم ويُرَدّ عليهم -شأن العلماء جميعًا على مدى التاريخ- ولكنهم لا يُتَّهمون في دينهم أو إخلاصهم أو ورعهم أو علمهم، ولا يبيعون دينهم بِدُنْيا غيرهم، ولا يبتغون بما يقولون ويفعلون رضاء الخلق، ولو جلبَ عليهم سُخط الرب سبحانه وتعالى.
ويضيف: إن الاجتهاد الذي يدعو إليه هو الاجتهاد الذي يسير على مناهج الاستدلال والبحث التي قبلها المسلمون على امتداد تاريخهم، لا الاجتهاد الذي يتحلل صاحبه من كل قيد، ويرفض كل قديم، ويتبع هوى نفسه وأغراض فؤاده، أو مصالح قريبة زائلة له أو لمن يسترضيهم بما يقول.
ويعرّف المؤلف الفقهَ الإسلامي بأنه العمل البشري لمحاولة فهم النصوص الإلهية التي يتضمنها القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية.
وفي ضوء هذا الفهم وحدوده يتم تطبيق تلك النصوص على الواقع العملي.
ويعرض العوّا لشروط أهلية الفقيه، وأدوار الفقه الإسلامي، والحاجة إلى استمرار الاجتهاد (الفقه الجديد)، وواجب الفقيه في هداية الناس.
ويشدد على أن تجديد الدين وإحياءه ينهض بوظيفة حضارية أوسع من العملية الاجتهادية نفسها.
ولعلها الحقيقة التي جعلته لا ينظر إلى العلاقة بينهما كمجرد علاقة بين غاية ووسيلة، بقدر ما أراد لها أن تكون علاقة تفاعل إيجابي خلاق.
ويحدد المؤلف مجموعة من الآليات والضوابط للتعامل سواء مع المسائل الفقهية أو مع الاجتهادات المتولدة عنها، منها التفرقة بين واجب الاجتهاد الذي يقع على العلماء المؤهلين له، وبين الجرأة على الدين التي يقع فيها كثير من «المتنطعين». ومعنى القدرة على الاجتهاد، أن يكون العلماء مؤهلين لذلك، ومتوفرين على العلم الشرعي والعلم بالتخصصات الأساسية الأخرى، مع ضرورة الانطلاق من الكتاب وصحيح السنة النبوية.
ويوضح أن من هذه الضوابط أيضًا العناية والاستئناس بالثروة الفقهية التي أنتجها الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة المعتبرين، دون التقيد باجتهاداتهم، وتجاوز تبرير الواقع الفاسد أو تسويغ العادات المستوردة، وطلب الحق حيثما وجد، واتّباعه أيا كان مصدره، وأن ينزل الناس منازلهم في القيادة الفكرية والدينية بقدر قربهم من الحق أو بعدهم عنه، وهذه الآلية التي يطرحها المؤلف من شأنها معالجة العصبية المذهبية، على أن تَحَقُّقَ ذلك يرتبط، إلى حد بعيد، بطبيعة المناخ الثقافي والسياسي والديني الذي يعايشه المجتهد والمتبع.
ويشدد العوّا على ضرورة اعتماد مناهج الاستدلال والبحث التي أرساها واعتمدها المسلمون على امتداد تاريخهم، لكن هذا لا يمنع من الاستفادة من مناهج البحث الحديثة (على المستوى الاجتماعي والأنثروبولوجي والقانوني والسياسي) لتطوير الاجتهادات المعاصرة، وهذا يوافق احتفاء الكاتب بدعوة جمال البنا إلى ضرورة تأسيس مجامع فقهية تضم علماء الشريعة والمتخصصين والفنيين.
ويدعو الباحث إلى اعتماد التمحيص والتبيُّن، بشأن الخلط بين قواعد الإسلام المتعلقة بسياسة الدولة وتنظيماتها وسلطاتها، وبين التجارب التي مرت بالدولة الإسلامية على امتداد تاريخها؛ إذ «لا يجوز الحكم على الإسلام بسلوك أتباعه حكاما كانوا أو محكومين، والواجب الحكمُ على الناس بمدى قرب سلوكهم أو بعدهم عن شريعة الإسلام ومبادئه وقيمه».