شرفات

فهمي هويدي: الكاتب الذي اهتم بقضايا الأمة وتحولاتها«1»

عبد الله العليان - عرفت الكاتب القدير الأستاذ فهمي هويدي، من خلال كتاباته في مجلة العربي الكويتية، التي تولى تحريرها، وكان رئيس التحرير في تلك الفترة الأستاذ أحمد بهاء الدين، وهي الفترة التي أبعد فيها فهمي هويدي من الأهرام المصرية، بسبب معارضته «لاتفاقية كامب ديفيد» وكانت مقالاته بمجلة العربي، تحمل عنوان «للمناقشة»، وتم جمعها في أول كتاب صدر له بعنوان «القرآن والسلطان.. هموم إسلامية معاصرة»، عن دار الشروق المصرية، التقيت بالأستاذ هويدي في مناسبات عديدة، خاصة في المؤتمر السنوي لدار الخليج الإماراتية، عندما كان كاتباً بها قبل 12 عاماً، وكذلك التقينا بدولة الكويت بمناسبة مرور 50 عاماً على صدور مجلة العربي 2007، وزار الأستاذ فهمي هويدي السلطنة في مناسبات عديدة، آخرها زيارته في 2010، عندما ألقى محاضرة ضمن فعاليات مهرجان صلالة السياحي، وهو كثير الثناء على عُمان وأهلها وتاريخها. والأستاذ فهمي هويدي غني عن التعريف، فهو بحسب تعريف (الموسوعة الحرة)، بأنه (مفكر إسلامي وذو اتجاه قومي عربي، ويعد من أبرز المفكرين المعاصرين- وكذلك- من أهم الكتاب المصريين الذين يدور حولهم جدل واسع بسبب تجاوزهم الخطوط الحمراء في كثير من كتاباته)، وقد عانى هويدي كثيراً في بدايته الدراسية، وقبل أن ينهي المرحلة الجامعية، وقد سجن مع الإخوان المسلمين في الضربة الأولى عام 1954، بعد قيام ثورة يوليو بعامين، وقال لي الأستاذ فهمي عن قصة سجنه مع الإخوان: لم أكن منتمياً للإخوان المسلمين، لكنه كان انتساباً عائلياً، فقد كان والدي من قيادات الإخوان في ذلك الوقت»، وكان يمارس الكتابة في مجلة الدعوة بصفة ذاتية،وهوية في الكتابة، وقال لي: إن أول مقال كتبته، كان في هذه المجلة في المرحلة الثانوية العامة، والتي كان يرأس تحريرها الأديب الأستاذ سيد قطب، وكان عمر فهمي هويدي عندما سجن 16 عاماً،وبقي في السجن إلى عام 1956، ويقال أن الأستاذ محمد حسنين هيكل، تدخل شخصياً لدى الرئيس جمال عبد الناصر للإفراج عن الشاب فهمي هويدي، الذي لم يكمل السن القانونية وتم الإفراج عنه، وأسهم الأستاذ هيكل في توظيفه في دار الأهرام بعد خروجه من السجن مباشرة، وبقي هويدي يعمل ويواصل الدراسة الجامعية، حتى أنهى المرحلة الجامعية عام 1960 بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وكانت المخابرات المصرية في ذلك الوقت، تلفّق الكثير من المعلومات وتقدمها إلى القيادة السياسة، وأحياناً، تخالف حتى القوانين التي تخالف بعض القرارات، فكيف يسجن شاب(فهمي هويدي)، وهو لم يتجاوز السن القانونية، لمجرد أن أباه ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين؟ ويروي الأستاذ فهمي هويدي تلك المعاناة في فترة سجنه بقوله: «في أحد الأيام كنت متجهاً إلى زنزانتي وسمعت صوت أنين يخرج من غرفة مجاورة كان بابها مفتوحاً قليلاً ونظرت فرأيت رجلاً عارياً ملقى في غرفة ملأى بالمياه، وثمة كلاب بوليسية تنهش في جسد هذا الرجل، وما زلت أتذكر الملابس القديمة والممزقة التي كنت أرتديها والتي كانت تكشف ملامح جسدي، وأتذكر ما تعرضت له من ضرب وجلد وتعذيب وإهانة فقد كنا نشرب من الكوب نفسه الذي نتبول فيه، فرغم مرور أكثر من نصف قرن على تجربة اعتقالي إلا أنني أتذكرها لأن صور التعذيب والضرب والإهانة لا تنسى ولو مر عليها آلاف السنين. يضيف هويدي: التجربة كلها كانت صعبة منذ أن قبضوا عليّ وقالوا لي نريدك ربع ساعة واستمرت 21 شهراً- كان وقتها عمري 16عاماً- فشكل هذا صدمة مروعة وعندما تدخل المعتقل كان من الطقوس الأساسية أن الضيف الجديد يقيمون له حفلة استقبال عبارة عن ضرب وإهانة و«تلطيش» فتصور شاباً في عمري وقتها ماذا يفعل عندما يجد نفسه فجأة في هذا المكان وهذه الظروف البشعة.. ناهيك عن أن الجلد بالسياط داخل المعتقل من أبسط أنواع التعذيب لذلك فأنا لا أقول إن ما تعرضت له من ضرب أو جلد كان تعذيباً مقارنة بما كان موجوداً وقتها، فكنا نسمع طوال الليل أصوات صرخات وضرباً وجلداً... وبصراحة هذا كان أصعب من التعذيب نفسه. وكان الأصعب بالنسبة لي هو أنني رأيت أبي وهم يضربونه وكنا وقتها في السجن الحربي ولم يكن ذلك مقصوداً؛ لأنني كنت في الطابق الثالث وهو كان في الدور الأرضي وكنت أسير خلف عسكري يضربني بـ«الشومة» حتى أجري ولو جريت يضربني حتى أسير ببطء وهكذا، هذا المشهد ما زال عالقاً في ذاكرتي حتى الآن». وأصبحت علاقة فهمي هويدي بالأستاذ هيكل علاقة وطيدة،حتى أن الأستاذ هيكل جعل الأستاذ فهمي هويدي، يقدم لكتابه «أحاديث في العاصفة»،وهو الأمر الفريد من نوعه، فلم يسبق على حد علمي، أن قدّم كاتبا أو باحثاً لهيكل في كل مؤلفاته، إلا الأستاذ فهمي هويدي. وبحسب الموسوعة الحرة (يتحفظ هويدي على «قولبته» في إطار «الكاتب الإسلامي» وتساءل في عدد من الحوارات التي أجريت معه عن معنى هذا الـ «ختم» في حقيقته. يعتد هويدي بكونه صحفيا أولا وأخيراً، ولا يخفي تأثره بالصحفي المصري الراحل أحمد بهاء الدين وكذلك محمد حسنين هيكل. لعل هويدي من القلائل في الوطن العربي الذين يجوبون العالم لتجويد عملهم الصحفي وتحليلاتهم، يحركه الصحفي المثابر الذي يقبع بداخله ويدفعه بقوة. لهذا يعرف نفسه بأنه «صحفي» فقط ويترك لمن يشاء وضعه في خانة ما هو «إسلامي» وهي الصفة التي طالما تساءل عن معناها حيث أنه لا ينسبها إلى نفسه ويكتفي بانتمائه الإسلامي العروبي الوطني المستقل .واظب على كتابة مقالته الأسبوعية بالأهرام يوم الثلاثاء وصحيفة الشرق الأوسط يوم الأربعاء، إلى أن ترك الصحيفتين عام 2008 بسبب ضيقهم بكتابته ومنعهم مقالاته، وتزامن ذلك مع تحوله إلى كتابة «عامود» يومي في صحيفة الدستور المصرية. استقال من العمل بالأهرام بعد أن تزايدت عمليات المنع التي يتعرض لها مقاله الأسبوعي ثم ترك «صحيفة الدستور» بعد أن تلقى دعوة للمشاركة في «الشروق الجديد». ويقول الأستاذ فهمي في كتاب (القرآن والسلطان...هموم إسلامية معاصرة)، عن قضية الحرية: يخطئ كثيراً من يظن أن مستقبل الإسلام منفصل عن مستقبل المسلمين.و يخطئ أكثر من يظن أن مستقبل المسلمين منفصل عن مستقبل الإنسان في هذه الأمة، لكن الخطأ يصبح أشد جسامة وفداحة، إذا فصلنا بين هذا وذاك، وبين الواقع الذي نعيشه بتياراته وضغوطاته وتفاعلاته. إن الإسلام الذي أنزله الله في كتابه، كما يرى هويدي، وبلغه إلى الناس رسوله عليه الصلاة والسلام ، هو الثابت الذي لم يتغير على مدى الأربعة عشر قرناً التي مضت. ولكن الذي تغير، وتقلبت به صروف الدهر وأحواله، مداً وجزراً وصعوداً وسقوطاً، هو خريطة ذلك الواقع في ديار الإسلام. وعصور الازدهار الفكري لم تلمع في سماء المسلمين وتاريخهم فجأة، ولم يحدث أن استيقظ المسلمون ذات صباح فوجدوا فكراً نيراً و حواراً مثمراً وفقهاء يجاهرون بالحق ولا يخشون إلا الله وحده. و إنما كان الازدهار الفكري قبساً من إشعاع واقع مضيء ومشرق، بعضه أو كله. وبالمثل، فإن عصور الانحطاط الفكري لم تتجمع سحبها القاتمة ذات صباح في سماء الأمة الإسلامية، ولم تسقط علاماتها كالصواعق فوق الرؤوس على غير انتظار، وإنما كانت إفرازاً طبيعياً لواقع عانى كثيراً من التدهور والتحلل والانحطاط. إن وضع قضية الحرية على هذه الدرجة من الأهمية ، و الأولوية ، كما يرى فهمي هويدي، هو منهج الإسلام منذ نزلت الرسالة على البشر. فمعركة الإسلام الأولى لم تكن مع عوائد الناس وطبائعهم، وقضية الإسلام الأولى لم تكن إصدار الأوامر والنواهي. و إنما معركة الإسلام الأولى كانت في مواجهة الوثنية والشرك. كانت في تحطيم الأصنام وإسقاط العبودية لغير الله، وقضية الإسلام الأولى استهدفت تحرير الإنسان، ورد كرامته إليه، باعتباره مخلوق الله المختار وخليفته سبحانه في إدارة وعمارة الأرض. وهي معركة مستمرة- كما يقول- فمنذ نزل وإلى الأزل، فإن إسلام الفرد لا يصح إلا إذا نطق– أولاً– بشهادة أن لا إله إلا الله، التي هي إعلان عن انعتاقه من سلطان الأوثان ، حجراً كان أم بشراً، و هي في الوقت ذاته إسقاط لكل الأغلال التي تقيد إنسانيته وضميره. وهو ما نص عليه القرآن الكريم «ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله» [آل عمران-64]وهو أيضاً ما أوضحه ربعي بن عامر التميمي. أحد رجال جيش المسلمين في معركة القادسية لرستم قائد جيش الفرس، حينما قال له وهو يعرفه على الدين الجديد: إن الله ابتعثنا لكي نخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة رب كل العباد. وإذا كانت قضيتنا الآن، كما يقول فهمي هويدي، هي مستقبل الإسلام وما ننتظره أو نتمناه له، فإن العمل الإسلامي، فكراً أم ممارسة.لا يمكن أن يؤتي المرجوة في غيبة الحرية والديمقراطية.إن أي غرس، مهما كانت ميزاته لا يمكن أن ينمو بمجرد توفر التربة اللازمة له، حتى وإن كانت مواتية بكل المقاييس والمواصفات، ولكن توفر ((المناخ)) المناسب عنصر لابد منه لكي يبدأ ذلك الغرس رحلة النماء والاخضرار. وإذا فسد المناخ فإن مصيراً مشؤوماً ومحزناً لا بد وأن يلحق بالغرس، يتراوح بين توقف نموه أو استمراره موصوماً بمختلف أشكال العجز والعاهة. وفي أحسن صوره، فلن تكون الشجرة من جنس الغرس بأي حال!. . وللحديث بقية: