هل نحن مستعدون لانهيارٍ في الذكاء الاصطناعي؟
الاحد / 27 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 21:13 - الاحد 8 نوفمبر 2026 21:13
ترجمة: قاسم مكي
للذكاء الاصطناعي تبعات عديدة على الإنسانية أبعد من أن تكون مفهومة بشكل تام في معظمها. من بينها شيء محسوس وراهن. فقد دشن ارتفاعا هائلا في الإنفاق على رأس المال المادي لمقابلة الطلب على مراكز البيانات الضخمة.
في الواقع، وحسب ورقة مثيرة تحت عنوان «تمويل البنية المادية للذكاء الاصطناعي» أعدها ستاين فان نيوبيرغ أستاذ كلية الأعمال بجامعة كولومبيا، سيبلغ متوسط الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من 2025 إلى 2032.
ستتخطى هذه النسبة الإنفاقَ على السكك الحديدية في الفترة 1870 و1890 والذي بلغ في المتوسط 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي. وستفوق بالطبع إنفاق 1.1% من هذا الناتج المحلي الإجمالي على الطرق السريعة بين 1956 و1973. في الحقيقة، ستكون هذه الطفرة في الاستثمار الأكبر على الإطلاق في قطاع بِعَيْنِهِ.
استغرق الإنفاق على بعض تلك التحولات التقنية المبكرة فترات زمنية أطول بكثير. هذه الحقيقة تجعل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أكثر تركزا (في شركات محدودة) وبالتالي، وهذا ممكن جدا، أكثر زعزعة.
إلى ذلك، وكما يشرح فان نيوبيرغ، يُوجِد الآن تمويلُ الازدهار في الذكاء الاصطناعي بعضَ المخاطر التقليدية على الرغم من قوة الشركات الضخمة التي تقود الارتفاع الهائل في الإنفاق. (أساسا ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل.)
إضافة إلى ذلك، تتعلق تلك المخاطر أيضا بالاقتصاد الكُلِّي. الطفرات يمكن أن تتحول بسهولة إلى انهيارات. فمع تداعي تقييمات سوق الأسهم تفلس الشركات ويفقد المقرضون أموالهم ويختفي الاستثمار المخطط. هل ستكون هذه المرة مختلفة عن سابقاتها؟ يعتمد ذلك على ربحية الشركات الجديدة. وفي حالتنا هذه، الآمال كبيرة جدا وحقا.
وكما أشارت ورقة نيوبيرغ ارتفع إجمالي الإنفاق الرأسمالي بواسطة الشركات المذكورة من 97 بليون دولار عام 2020 إلى 416 بليون دولار عام 2025. ومن المتوقع أن يبلغ 801 بليون دولار في العام الحالي.
في عام 2020 بلغ الفائض من التدفق النقدي التشغيلي لهذه الشركات بعد خصم إنفاقها الرأسمالي 155 بليون دولار. وفي عام 2025 كان لايزال لديها فائض تدفق نقدي يزيد على 187 بليون دولار.
لكن خلال هذه الأعوام ارتفع معدل الإنفاق الرأسمالي إلى التدفقات النقدية التشغيلية من 38% في عام 2020 إلى ما يقارب 69% في عام 2025. ثم في عام 2026، حسب توقعات هذه الشركات، سيتجاوز الإنفاق الرأسمالي التدفقَ النقدي بحوالي 93 بليون دولار وسيبلغ معدل هذا الإنفاق إلى التدفق النقدي 113%. سيظل إنفاق ألفا بت ومايكروسوفت أقل قليلا من تدفقهما النقدي. لكن إنفاق أوراكل سيكون أعلى منه بنسبة 138% وأمازون بنسبة 36% وسيكون إنفاق ميتا قريبا من تدفقها النقدي. (بمعنى التدفق النقدي الحر سيكون سالبا ويستلزم ذلك تدبير التمويل الرأسمالي من خارج الشركة. وهذا منبع الخطورة - المترجم).
نتيجة لذلك يجري إعداد ترتيبات مالية تزداد تعقيدا باطراد. وهكذا فهذه ليست المرة الأولى التي يسبِّب فيها ازدهارُ الاستثمار انفجارا في الرافعة المالية. وفي حين لايزال الاستثمار المباشر لشركات التقنية العملاقة مهمّا إلا أن نموذج التمويل الحدي يشهد تحولا. (التمويل الحدي يعني تمويل التوسع الإضافي لهذه الشركات - المترجم).
يتجلَّي ذلك التحوّل في قيام مطوري مراكز البيانات المتخصصة وصناديق الاستثمار العقاري وصناديق البنية التحتية ومستثمرو الأسهم الخاصة ببناء أو الاستحواذ باطراد على منشآت وتأجير سعتها لشركات التقنية العملاقة والمستخدمين الكبار الآخرين.
كانت نتيجة، وفقا للورقة، ظهور بنية مالية تزداد تعقيدا وغموضا. وتشير الورقة خصوصا إلى «أن الدَّين المصنَّف علنا يمثل حصة صغيرة نسبيا فقط من تمويل مركز البيانات. ويتم تقديم حصة أكبر كثيرا من هذا التمويل عبر القروض المصرفية المشتركة (من عدة بنوك) وتسهيلات الائتمان الخاص التي لا تتوافر عنها علنا معلومات تذكر».باختصار «القضية المركزية ليست أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عرضة للمخاطر التقنية والتشغيلية ولكن البنية المالية لهذا القطاع يمكنها نقل وتضخيم تلك المخاطر».هذا شيء مألوف تاريخيا؛ تشمل المخاطر لملاّك مراكز البيانات التركُّزَ في المستأجرين (محدوديتهم) وأيضا في مصادر الطلب النهائي. كما تشمل التقادم التقني وبالتالي الحاجة إلى الشطب والإحلال بسرعة نسبيا وأيضا المصاعب السياسية والتشغيلية المتعلقة بتفعيل وإنجاح الاستثمار.
إلى ذلك، يشير ستاين فان نيوبيرغ إلى أن «مصممي الرقائق ومقدمي الخدمة السحابية ومشغلي مراكز البيانات ومستثمري البنية التحتية يعتمدون على بعضهم البعض عبر عقود طويلة الأجل واستثماراتٍ استراتيجية وترتيباتٍ تمويلية». هذا الوضع يوجدِ هشاشة.
تلك ليست قضايا خاصة بقطاع الذكاء الاصطناعي فقط. فازدهار الاستثمار كبير بما يكفي لكي تترتب عنه تبعات تتعلق بالاقتصاد الكلي.
أشارت ورقة من بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى أن الإنفاق على العتاد الحاسوبي والبرمجيات ومراكز البيانات ساهم بأكثر من نقطة مئوية لنمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ربع السنوي المحسوب على أساس سنوي في الربع الأول من هذا العام. وعوَّض بذلك جزئيا وبحوالي نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي الزيادةَ في صافي الواردات من هذه الفئات التقنية.
سلَّط تقرير الآفاق الاقتصادية للعالم الصادر عن صندوق النقد الدولي الضوء على التداعيات العالمية لازدهار الذكاء الاصطناعي حول العالم، وخصوصا على المنتجات التايوانية والكورية الجنوبية. كما فعل ذلك أيضا المحلل الاقتصادي مات كلاين في مقال حديث له على منصة «سبستاك».
لكن هنالك سؤال بالغ الأهمية وهو إلى أي حد أصاب هوس الذكاء الاصطناعي سوقَ الأسهم بالعدوى وأساسا في الولايات المتحدة؟ بعض الهشاشات هنا واضحة.
أولا، حتى وقت قريب ظلت شركات التقنية السبع العظام (ألفابت وأمازون وآبل وميتا ومايكروسوفت وإنفيديا وتيسلا) تدفع حقا بسوق الأسهم الأمريكية إلى أعلى دون هوادة.
ثانيا، بلغ تقييم السوق مستويات نادرا ما سجلت من قبل مع عائد أرباح حقيقي معدَّل دوريا عند 2.5%. هذا المعدل أعلى بقدر ضئيل فقط من سعر الفائدة الحقيقي الحالي. وهو معقول فقط إذا كانت الأرباح من الأسهم توشك على النمو بوتيرة أسرع كثيرا من أي وقت سابق.
لكن في الماضي كانت أسعار الأسهم تنهار كلما كانت الأرباح بهذا الانخفاض قياسا إليها. فهل سيكون هذا الازدهار الذي يقوده الذكاء الاصطناعي، بكل «لا يقينياته» التي لا يمكن تجنبها حول ربحيته المستقبلية والعوائد على الاستثمار الضخم الذي ينمو بسرعة والآن هندسته المالية المعقدة، مختلفا عن ذلك؟
كلما طال استمرار ازدهار الاستثمار والهندسة المالية المرتبطة به كلما كان الأثر الاقتصادي أكبر وأكثر سلبية في الغالب عندما ينتهي. هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي نفسه لن يكون التقنية التي تُحدِث التحول الذي يبدو أنها تَعِد به.
ذلك على الرغم من أن عشاق لعبة الروليت الروسية سيتسامحون مع شركة مثل أنثروبك تذكر في نشرة اكتتابها أنها «قد تُوجِد مخاطر كارثية أو وجودية للبشرية».كثيرا ما أشعلت التقنيات الجديدة نوباتٍ من الهوس في سوق السندات وأطلقت طفرات استثمارية تنتهي بانهيارات. وتوحي الهزات الأخيرة في السوق بأن ذلك يمكن أن يحدث حتى للذكاء الاصطناعي الآن.
في الحقيقة، العودة إلى الواقع سيأتي وقتها، ونحن لا نملك إلا الاستعداد لذلك.
مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز