«التسول».. تحديات اقتصادية واجتماعية تستدعي تضافر الجهود
مواطنون: ضرورة التقييم العقلاني بعيدًا عن دافع التعاطف
الاحد / 27 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 17:46 - الاحد 8 نوفمبر 2026 17:46
يبرز التسول كظاهرة تنتج تحديات اقتصادية وإنسانية وأمنية، مما يستدعي تضافر الجهود لمواجهتها والتصدي لها، فمن سلوك فردي تتحول الظاهرة إلى قضية اجتماعية تؤثر على المجتمع كافة.
«عمان» رصدت آراء عدد من المواطنين حول ظاهرة التسول، للوقوف على أبرز مخاوفهم بشأن تداعياتها، والتعرف على مقترحاتهم للحد منها، إلى جانب استكشاف دور المجتمع في دعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار.
تقول منى بنت ناصر الصالحي: يختلف شعوري بحسب هيئة الشخص وعمره وظروفه الظاهرة، فعندما يقترب مني طفل يطلب المال، يكون شعوري مختلفًا عن شعوري عندما يقترب مني رجل بالغ أو شخص كبير في السن، ففي البداية، أحاول فهم سبب لجوئه إلى التسول من خلال طرح بعض الأسئلة عليه لمعرفة حاجته والظروف التي دفعته إلى ذلك، كما أحاول نصحه وتوجيهه إلى الطرق المناسبة للحصول على المساعدة، وإذا تكرر الموقف أو ظهرت مؤشرات على وجود استغلال أو مخالفة، أبلغ الجهات المختصة لتتولى دراسة الحالة واتخاذ الإجراء المناسب.
التعاطف الإنساني
وتشير الصالحي إلى أنها لا تتعاطف مباشرة مع الحالة، ولا تقدم المال مباشرة، بل تفضل إبلاغ الجهات المختصة، لأنها الأقدر على التحقق من الحالة وتحديد ما إذا كان الشخص محتاجًا فعلًا، موضحة: في بعض الحالات، خصوصًا عندما يكون طالب المساعدة طفلًا ويطلب الطعام، قد أقدم له مبلغًا بسيطًا يكفي لشراء وجبة واحدة، بدلًا من إعطائه مبلغًا كبيرًا قد لا يخدم مصلحته، وإذا كانت الحالة تتعلق بطفل أو امرأة يحتمل تعرضهما للإساءة أو الاستغلال، فإنني أحرص على حماية كرامتهما وسلامتهما وإبلاغ الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتضيف: لا أتأثر بسهولة بمجرد طلب المال، لكن أكثر ما قد يدفعني إلى المساعدة هو أن يطلب الشخص الطعام بصورة مباشرة، كأن يقول إنه يريد تناول وجبة فقط، في هذه الحالة، أشعر بأنه قد يكون محتاجًا فعلًا، ولذلك قد أشتري له الطعام أو أقدم له مبلغًا زهيدًا يكفي لوجبة واحدة، خصوصًا إذا كان طفلًا، وبوجه عام، أرى أن المساعدة الحقيقية لا تقتصر على إعطاء المال، بل تشمل التأكد من وصول الدعم إلى المحتاج وحمايته من الاستغلال.
وتوضح أنها سبق أن تعاطفت مع كبار السن الذين يطلبون المال، وبادرت لمساعدتهم اعتقادًا منها أنهم في حاجة فعلية، لكنها فوجئت في إحدى المرات، بعد أن اكتشفت تفاصيل إضافية عن حالة أحد الأشخاص، بأنه يعيش حياة جيدة، وأن ما يحصل عليه من التسول أسهم في تكوين وضع مادي جيد لديه، بحسب ما عرفته عن حالته، مضيفة: «جعلتني هذه التجربة أعيد النظر في طريقة تعاملي مع التسول، وأصبحت أميل إلى إبلاغ الجهات المختصة بدلًا من تقديم المال مباشرة، وقد سبق لي بالفعل الإبلاغ عن أكثر من حالة صادفتها، انطلاقًا من قناعتي بأن التحقق من الحالات يجب أن يكون من اختصاص الجهات المعنية».
وحول المؤشرات التي تعتمد عليها لتقدير مدى حاجة الشخص الذي يطلب المال، أفادت الصالحي: لا أعتمد كثيرًا على المظهر الخارجي أو المؤشرات الشخصية لتحديد ما إذا كان المتسول محتاجًا أم لا، لأن هذه الأمور قد تكون مضللة، وبدلًا من إجراء تقييم شخصي بنفسي، أفضل الإبلاغ عن الحالة للجهات المختصة، لتتولى التحقق من ظروف الشخص ودراسة وضعه الاجتماعي والمادي وفق الإجراءات المعمول بها، فإذا ثبتت حاجته، يمكن توجيهه إلى المساعدة المناسبة، أما إذا ثبتت مخالفته للقانون، فتُتخذ الإجراءات النظامية بحقه وفقًا لما تقرره الجهات المختصة.
تأثير عرض الحالة
أما بالنسبة إلى طريقة تأثير عرض الحالة أو رواية الظروف الشخصية في اتخاذ القرار بالمساعدة، فتقول: في السابق، كانت طريقة عرض الحالة والحديث عن الظروف الشخصية مؤثرة، وكنت أشعر بالتعاطف مع الشخص بناءً على ما يرويه. لكن بعد أن أصبحت أكثر معرفة بظاهرة التسول وأساليب استغلال مشاعر الناس، لم أعد أسمح للكلام المؤثر وحده بأن يحدد قراري. فأنا لا أستطيع الجزم بصدق الحالة أو عدمه من خلال الحديث فقط، ولذلك أفضّل إحالة الأمر إلى الجهات المختصة للتحقق منه بدلًا من اتخاذ قرار مبني على العاطفة.
وتشير إلى أن كثيرًا من حالات التسول قد تستغل الطيبة والمشاعر الإنسانية، خصوصًا عندما تعتمد على إثارة الشفقة أو تقديم قصص مؤثرة للحصول على المال، وقد تكون هناك حالات تتضمن استغلال الأطفال أو النساء أو غيرهم من الأشخاص الضعفاء، ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن جميع المتسولين غير محتاجين، بل يجب التمييز بين من يحتاج إلى المساعدة فعلًا ومن يمارس التسول بصورة مخالفة للقانون، ولهذا أرى أن إبلاغ الجهات المختصة هو الحل الأنسب للتحقق من الحالات وحماية المحتاجين ومحاسبة المخالفين وفق القانون.
الوعي والتروي
من جانبه، يقول موسى بن علي الشيدي: يُعدّ التعاطف مع الأشخاص الذين يطلبون المساعدة المالية من القيم الإنسانية التي تعكس روح التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع، إلا أن تقديم المساعدة يتطلب قدرًا من الوعي والتروي لضمان وصولها إلى مستحقيها، فعندما يقترب مني شخص يطلب المساعدة المالية، ينتابني شعور بالتعاطف والاهتمام بظروفه الإنسانية، وأفكر في الأسباب التي دفعته إلى طلب المساعدة.
ويضيف: على الرغم من أن التعاطف قد يدفعني إلى تقديم المال مباشرة، فإنني أفضل التحقق من حالة الشخص ومدى حاجته قدر الإمكان قبل اتخاذ القرار، خاصة في المواقف التي تتعلق بكبار السن والأسر التي تعاني من ظروف معيشية صعبة أو تعجز عن توفير احتياجاتها الأساسية، كما أن طريقة عرض الحالة وسرد الظروف الشخصية قد تؤثر في قراري، إلا أنني أحرص على عدم الاعتماد على التأثير العاطفي وحده، بل أراعي مدى مصداقية المعلومات وإمكانية التحقق منها من مصادر موثوقة.
ويضيف الشيدي أن وجهة نظره قد تتغير تجاه تقديم المساعدة عند اكتشاف تفاصيل إضافية عن حالة الشخص، إذ أؤمن بأن بعض حالات التسول قد تستغل مشاعر الناس وطيبتهم للحصول على المال دون وجود حاجة فعلية، مع التأكيد على أن ذلك لا ينطبق على جميع المتسولين، وفي حال شعرت بأن الشخص قد لا يكون محتاجًا، فإنني أتعامل معه باحترام، وأتجنب إحراجه أو الإساءة إليه، ويمكنني توجيهه إلى الجمعيات الخيرية والجهات المختصة التي تتولى دراسة الحالات وتقديم الدعم المناسب لها.
ويختتم حديثه بقوله: أرى أن مساعدة المحتاجين مسؤولية إنسانية واجتماعية تستدعي الجمع بين التعاطف والحكمة، بحيث لا يؤدي الحذر إلى إهمال المحتاجين الحقيقيين، ولا يؤدي التعاطف وحده إلى استغلال مشاعر أفراد المجتمع، كما أن تعزيز الوعي بأهمية التبرع عبر القنوات الرسمية والجهات الخيرية الموثوقة يسهم في تنظيم جهود المساعدة، وحفظ كرامة المحتاجين، وترسيخ قيم التكافل والتضامن في المجتمع.
قيم التكافل
ويعبر لقمان بن سعيد الشبلي عن ظاهرة التسول بقوله: تُعدّ الظاهرة من الظواهر الاجتماعية التي تثير مشاعر مختلفة لدى أفراد المجتمع، إذ يجد الإنسان نفسه أحيانًا أمام موقف يستدعي التعاطف وتقديم المساعدة، وفي الوقت نفسه يطرح تساؤلات حول مدى حاجة الشخص إليها، مشيرًا إلى ضرورة الوعي في التعامل مع هذه الظاهرة، وتحقيق التوازن بين الرحمة الإنسانية والتأكد من وصول المساعدة إلى مستحقيها.
ويضيف: عندما يقترب مني شخص يطلب المساعدة المالية، فإن أول شعور ينتابني غالبًا هو التعاطف والرغبة في مساعدته، خاصة إذا بدا أنه يمر بظروف صعبة، ولكنني أرى أن التعاطف وحده لا يكفي دائمًا لاتخاذ قرار تقديم المال، بل من الأفضل التحقق من حالة الشخص ومدى حاجته الفعلية للمساعدة، حتى تصل إلى من يستحقها، مبينًا أن هناك مواقف تجعل الإنسان أكثر تأثرًا ورغبة في تقديم العون، مثل رؤية كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو الأسر التي تمر بظروف معيشية صعبة، وفي مثل هذه الحالات، تتغلب المشاعر الإنسانية أحيانًا على التفكير، فيبادر الشخص إلى المساعدة بدافع الرحمة والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
ويؤكد الشبلي أن نظرة الإنسان إلى مساعدة المتسولين قد تتغير بعد اكتشاف أن بعض الحالات تستغل تعاطف الناس للحصول على المال دون حاجة حقيقية، وهذا لا يعني التوقف عن مساعدة المحتاجين، بل ضرورة التعامل مع الظاهرة بوعي وحكمة، والتمييز بين الحالات التي تحتاج إلى الدعم وتلك التي قد تستغل مشاعر الآخرين.
ومن وجهة نظري، فإن أفضل طريقة للتعامل مع ظاهرة التسول هي توجيه المساعدات إلى الجهات المختصة والجمعيات الخيرية التي تستطيع دراسة الحالات والتحقق من احتياجاتها، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحافظ على قيم التكافل والتراحم في المجتمع.
ويشير إلى أن التعاطف مع المحتاجين يبقى قيمة إنسانية نبيلة تعكس وعي المجتمع وتماسكه، إلا أن المساعدة الفعالة تتطلب الجمع بين الرحمة والتصرف المسؤول، لذلك، ينبغي تعزيز الوعي المجتمعي بظاهرة التسول وتشجيع الأفراد على تقديم المساعدة بطرق منظمة وآمنة، بما يسهم في الحد من الظاهرة ودعم الفئات المحتاجة وحفظ كرامتها الإنسانية.
الامتناع عن العطاء
وتؤكد سبيكة بنت حمد العامري أنها تفضل التبرع عبر الجمعيات والفرق الخيرية المعتمدة لأنها أكثر تنظيمًا وموثوقية، ولديها معرفة بالحالات المستحقة للدعم، كما تعمل وفق آليات واضحة تضمن وصول التبرعات إلى مستحقيها، وهذا يمنحني شعورًا أكبر بالاطمئنان والثقة في أن تبرعي سيصل إلى من يحتاجه فعلًا، وفي الوقت نفسه لا مانع لدي من التبرع المباشر لشخص في الشارع إذا شعرت من خلال حالته وظروفه أنه بحاجة فعلية للمساعدة، فالتعاطف مع المحتاج أمر إنساني، ولكن مع الحرص قدر الإمكان على أن تصل المساعدة إلى مستحقيها.
وتقول: أرى أن دوري كمواطن لا يقتصر على الامتناع عن العطاء، بل يتضمن التعامل مع الموقف بوعي ومسؤولية، فإذا واجهت شخصًا يتسول، أحاول أولًا تقدير حالته وظروفه، وإذا بدا أنه بحاجة فعلية للمساعدة، يمكنني تقديم مساعدة مباشرة بحسب استطاعتي، أما إذا تكرر الأمر أو شعرت بوجود حاجة تستدعي التدخل، فأفضل إبلاغ الجهات المختصة مثل وزارة التنمية الاجتماعية، لأنها الأقدر على التحقق من الحالة وتقديم الدعم المناسب لها، فالمطلوب هو الجمع بين التعاطف مع المحتاج والحرص على أن تصل المساعدة إلى مستحقيها بالطرق الصحيحة.
وتوضح العامري أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في انتشار التسول الإلكتروني مستفيدةً من سرعة انتشار القصص المؤثرة وقدرتها على استثارة مشاعر التعاطف لدى الناس، ورغم وجود حالات إنسانية تستحق الدعم، فإن بعض القصص قد تكون غير موثقة أو مضللة، لذا من المهم الموازنة بين إنسانية العطاء ووعي التحقق وعدم الانسياق وراء العاطفة وحدها، مع الحرص على توجيه التبرعات عبر الجهات الخيرية المعتمدة لضمان وصولها إلى مستحقيها.