أفكار وآراء

اليمين العالمي يترنح.. لكن خطر الترامبية لن يزول

نعم أصيب، لكنه لم يخرج بعد من الحلبة. وما لم تتدخل السماء أو غيرها فسوف يبقى دونالد ترامب في المكتب البيضاوي لسنتين أخريين وعشرة أسابيع، أو على حد تعبير منشور استجدائي للبيت الأبيض على مواقع التواصل الاجتماعي يفيض بالاحتياج: «إعلان: لا يزال ترامب رئيسكم»، لكن هذا ليس السبب الوحيد لكبح الاحتفالات العالمية التي استقبلت صعود الديمقراطيين واكتساحهم للجمهوريين حتى في معاقلهم.

ولا تسيئوا فهمي؛ فنتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مدعاة لبهجة دولية حقة. والهزائم التي مني بها حلفاء ترامب في صربيا والبرازيل كانت فواتح لذيذة للشهية، لكن الانتخابات الأمريكية كانت الوليمة الحقة؛ فهي لم تكن محض انتكاسة من انتكاسات انتخابات التجديد النصفي المعهودة، إنما كانت رفضا قاطعا لرئاسة ترامب الثانية وللترامبية برمتها.

لقد كان الميل إلى الديمقراطيين بنسة 16% في التصويت الشعبي لمجلس النواب أكبر حتى من الميل المسجل بنسبة 11.2% المسجل في انتخابات التجديد النصفي إثر فضيحة ووترجيت سنة 1974 في أعقاب استقالة ريتشارد نيكسن المخزية.

ولقد عمل ترامب بجد على مدى شهور كثيرة من أجل تخريب هذه الانتخابات، إما عبر التلاعب بالدوائر الانتخابية لصالحه وإما بتهيئة الأرض للزعم لاحقا بأن التصويت كان معيبا، وكل ذلك كان عديم الجدوى؛ إذ أثبت النظام الديمقراطي قوته، وأثبت الشعب الأمريكي عزمه الكبير على أن يقول كلمته. والحق أنه قالها عالية وواضحة.

بعيدا عن الولايات المتحدة سوف يكون الإغراء قويا إلى رؤية هذه اللحظة باعتبارها فشلا للتيار الشعبوي القوي الاستبدادي الذي اجتاح مجالنا السياسي اجتياحا خلال العقد الماضي؛ فسقوط فكتور أوربان في أبريل كان محوريا، لكن مذلة ترامب تبقى دائما هي الأهم. فبفضل النفوذ الأمريكي الهائل ظل دونالد ترامب على مدى عقد من الزمن محركا للنزعة المناهضة لليبرالية في العالم. وها هو الآن يترنح.

كل هذا يدعو للسرور، لكن المخاطرة هي أن من يكافحون الشعبوية القومية سوف يعدون نجاح الأسبوع الماضي إشارة لهم للاسترخاء. وسيكون هذا تكرارا للخطأ الذي ارتكبه ترامب نفسه ـ وكثيرون للغاية غيره ـ

في نوفمبر 2024 حينما فهم فوزه على كمالا هاريس لا بوصفه صيحة عبر بها الشعب عن اكتفائه من ارتفاع أسعار السلع الأساسية والوقود ولكن باعتبارها «تحولا مزاجيا» دائما في الثقافة، ومطالبة بتحويل الولايات المتحدة إلى بلد أوتقراطي، وتدمير مؤسسات الحكومة الأمريكية، وتكليف رجال ذوي أقنعة باختطاف المواطنين الأمريكيين من الشوارع وإطلاق النار عليهم فيها، وخوض حرب كارثية منذورة بالفشل، وملء العاصمة الأمريكية بأنصاب تعبر عن خيلائه، مع المضي طوال الوقت في ملء جيوب أتباعه المقربين.

وسيكون الخطأ المكافئ هذه المرة، سواء ارتكب داخل الولايات المتحدة أم خارجها، هو تفسير نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية باعتبارها نهاية خطر ترامب وبوصفها دليلا على قرب عودة الأمور إلى نصابها. ومن أسف أن خطر الترامبية لن يزول أبدا؛ لأنه إذا ما حدث شيء مرة فإنه قد يحدث مرة أخرى. ولئن أمكن وجود ترامب مرة فمعنى هذا أن ترامبا آخر ممكن أيضا.

وهذا هو الدرس الذي يجب أن يستوعبه حلفاء أمريكا التقليديون في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما.

فحتى لو استقرت أمور الكونجرس عما قريب بين أيدي أناس أعقل، وحتى لو أن خليفة ترامب في نهاية المطاف كان رجلا صالحا ذا نزعة أممية يؤمن بنظام قائم على القواعد، فلا يمكن أن تعد الثقة في الولايات المتحدة بوصفها حليفا أمرا مسلّما به مرة أخرى. وبعد ترامب لم تعد مكانة الولايات المتحدة بوصفها الضامن للأمن الغربي مضمونة على الإطلاق، ولكنها مرهونة بهذه النتيجة الانتخابية أو تلك. ويعني هذا أن بقية الغرب لا بد أن تستمر في التخطيط بنفسها للحماية والدفاع.

مؤكد أن أذى كبيرا قد لحق الآن بالشعبوية، فباتت قضية الفاشلين. والأهم من ذلك أن ترامب قد يكون دليلا على أن الحركات القومية التي لا بضاعة لها إلا المظالم منذورة دائما بالفشل، فيكون هذا رادعا للناخبين في فرنسا وألمانيا عن التصويت لمارين لوبان أو حزب البديل من أجل ألمانيا.

لكنني أعود فأقول: إن من الصعب أن نعول على هذا. فهل فشل ترامب لأن الساسة من أمثله منذورون دائما بالفشل، أم فشل لأنه اتخذ قرارات غبية كان بإمكانه اجتنابها بلا أدنى شك من قبيل الهجوم على إيران التي لم تكن محض حنث منه بوعده الجوهري العزيز للغاية على أعضاء حركة ماجا بإنهاء الحروب بدلا من إشعال فتائلها، لكنها تسببت في التضخم الذي انتخبه الشعب للحد منه؟ في كل الحالات من الصعب الحديث عن فشل محتوم ونحن نتحدث عن رجل برغم كل الدمار الذي أحدثه في فترته الرئاسية الأولى ـ ومنه العصيان العنيف في السادس من يناير 2021 ـ انتخب مجددا بعد أقل من أربعة أعوام.

ثم إنه من السابق لأوانه كثيرا الحديث عن ترامب بصيغة الماضي. صحيح أنه خسر مجلس النواب الخانع ومجلس الشيوخ الذي مكَّنه من التحرك بلا أي قيود، ولكن ترامب الحديث ليس بالضرورة ترامب المدجن. وإنني أفكر في الواشنطني المخضرم الذي قال لي: إن ترامب في هزيمته قد يتحول إلى «حيوان محاصر».

ففيما يتعلق بالمسرح العالمي لا تزال له قوة يتحرك بها؛ لأن السياسة الخارجية إلى حد كبير اختصاص للرئيس،ولأن لديه دافعا مضاعفا لأن يفعل هذا؛ فهو أولا يريد تركة تعوض هزيمته التاريخية، وثانيا أنه يتوق إلى لفت الأنظار، وهذا هو الأهم. فهو لن يرضى أبدا عن فكرة ترك الأضواء للديمقراطيين أو لأي أحد آخر في واقع الأمر.

قد يقبل مطالب نائبه جيه دي فانس ـ في بيان عبر منصة إكس ظهر فيه نائب الرئيس منفصلا تمام الانفصال عن رئيسه ـ ويتحرك من أجل إنهاء حرب إيران، حتى لو كان معنى هذا هو الاستسلام، أو أن يضاعف جهوده وضغطه بهدف إسقاط نظام طهران الحاكم، وهو ما يعتقد أنه سوف يمنحه مكانه المستحق في التاريخ.

حتى العشرين من يناير سنة 2029 ستكون هذه القرارات في يد ترامب؛ فلا تزال لديه السلطة لصياغة أحداث العالم، حتى لو أن هذه السلطة قد تقلصت.

وانظروا إلى مثال واحد هو علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل ذلك البلد أجرى انتخاباته الأسبوع الماضي، وبرغم أن الانتخابات لم تحقق نبذ بنيامين نتنياهو الذي كان يبتغيه كثير من الإسرائيليين، فقد قضت على أغلبيته البرلمانية. وتجري حاليا مفاوضات تشكيل ائتلاف، وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية تلعب دورا بالفعل.

إذ يذهب قادة المعارضة الإسرائيلية إلى أن ما زعم نتنياهو طويلا أنه أصلا من أصوله ـ أي القرب من ترامب ـ بات بعد نتائج الانتخابات الأمريكية عبئا، في ضوء أن رئيس وزراء إسرائيل «كريه» لدى الديمقراطيين الذين سيتولون عما قريب السلطة في الكونجرس. وإذا ما سادت هذه الحجة فإن الطوفان الديمقراطي الأزرق لن يقتصر على ولايتي كنساس وتكساس، ولكنه سيشمل الرجل الذي كان يوصف بالسناتور الجمهوري عن ولاية إسرائيل.

في صباح يوم الانتخابات أعلن ترامب إنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل، ولعل ذلك كان مسعى أخيرا لكسب تأييد الجمهوريين من أمثال تاكر كارلسن المعادين لإسرائيل.

وقد يستمر في هذا الطريق، خاصة في حال رغبته في معاقبة نتنياهو على دوره في الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على طهران التي أتت على رئاسته، أو أنه قد يتحدى فانس ويحتضن رئيس الوزراء الإسرائيلي. والخلاصة هي أن هذه الخيارات المصيرية لا تزال في يد ترامب. وعما قريب سوف تكون للديمقراطيين سلطة التحقيق في اتهامات الفساد ومحاسبة الرئيس. وسوف يجد حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وغيرها أناسا في واشنطن يتحدثون حديث الشركاء لا الأعداء.

وفي كلا الاحتمالين سبب كبير للراحة، لكن ذلك لا يغير من حقيقتين أساسيتين: لقد جاء ترامب مرة، ولا يزال ترامب قائما. 

جوناثان فريلاند من كتاب الأعمدة في الجارديان