أفكار وآراء

شباب العالم ووعي التغيير

أسبوع حافل بالأحداث محليًا وعالميًا، من الزيارات السلطانية الرسمية الحاسمة ونتائجها المستقبلية المرتقبة، إلى انتخابات النواب الأمريكية في التجديد النصفي، إلى الاحتجاجات الشبابية المستمرة في العالم، من الهند إلى دول أوروبا، كل ذلك ينبئ عن أفق من التغيير يطال العالم بأسره، أو على الأقل عن رغبة إنسانية جمعية في التغيير، في تحرير العالم من ركوده وظلامياته. ولكن أين يتمركز التغيير العالمي؟ ومن يطالب به؟

قبل أسبوع احتفلت عمان في ٢٦ أكتوبر بيوم الشباب العماني، وحسب الإحصائيات الرسمية الأخيرة فإن الشباب في عمان (١٨-٢٩ سنة) يشكلون ١٧.٦٪ من السكان، بينما يشكل ما دون الـ١٨ سنة نسبة ٤٢٪، في حين تمثل فئة البالغين ٣٠-٥٩ نسبة ٣٤٪ من السكان؛ هذه النسب تعكس الطاقات التي يزخر بها المجتمع العماني، كما تنبئ عن آفاق التوجهات الاجتماعية، وكل هذا يعيد توجيه البوصلة العمانية للمضي أكثر نحو المستقبل.

لو عدنا وتفقدنا التغييرات التي حدثت في الانتخابات الأمريكية الأخيرة فسندرك أن التغيير الذي حدث في المناخ السياسي قاده الشباب الأمريكي، بواحدة من أكبر نسب المشاركة خلال العقود الثلاثة الماضية، وما يقوم به الشباب الأمريكي من دور لا يمكن أن نفصله عن حركة شبابية تكتسح العالم بأكمله، شرقًا وغربًا، رأيناها من قبل في دول شرق آسيا، كما رأيناها في أفريقيا، فضلًا عن حدوثها الحي الآن في الهند وفرنسا وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، التي تشير الأخبار إلى امتدادها في ٢٢ دولة أوروبية، وأغلب المطالبات تتعلق بالمعيشة وبالإنفاق على التعليم، أو بالاعتراض على السياسات الحكومية واختطاف النظام واحتكار الدولة، وقد نجحت الاحتجاجات الشبابية في صربيا في الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان.

احتجاج الشباب مؤشر دائمًا عن الغد، وكما تقيس الإحصائيات توجهات الناس فإن الاحتجاجات حدث بليغ، تضطر معه الأنظمة لاستخدام أقصى قواها للحفاظ على النظام؛ لكن لو عدنا لأصل السبب لوجدناه في السياسات، في القرارات التعسفية التي انفصلت عن الناس وتطلعاتهم، وأغلبها قرارات اقتصادية، سياسات تقشف خانقة. ولو كانت السياسات منسجمة مع الناس تشرح لهم وتصغي إليهم لما حدث ما حدث.

يبدو أن الساسة، في غمرة انشغالاتهم بالحسابات والترتيبات السياسية وضغط الخطط المالية والاتفاقات الدولية والحفاظ على المناصب، ينسون ما يحدث للناس، أو يعتقدون أن مجال التعاطي مع الناس هو بث بعض التصريحات الإعلامية المطمئنة هنا وهناك، في حين أن فن السياسة الأول الرئيس هو إدارة الناس، فإذا فشلت السياسة في واجبها الأول فهي فاشلة في كل شيء آخر.

اليوم حين نرى الأنظمة التي صدعت العالم بالديمقراطية تواجه شبابها بالقمع فإن علينا أن نراجع أنفسنا في الكثير من قناعاتنا وأفكارنا عن نظم الحكم، فإذا كنا نسبنا القمع في الأنظمة العسكرية والشمولية لطبيعة تلك الأنظمة القائمة على طغيان الفرد والحزب والأقلية، فإن ما يحدث في أوروبا يعيد تذكيرنا بأن الديمقراطية ليست وصفة سحرية لكل شيء، بل أن المبادئ القديمة للحكم أكثر فعالية، تلك المبادئ التي عرفها الإنسان منذ أنشأ أنظمته الحاكمة، المبادئ التي يعرفها كل مدير أو وال أو شيخ أو رئيس في هذا العالم كله، والتي يمكن تلخيصها في عبارة قد تبدو مستهلكة، من كثر ترديدها وتكرارها، لكنها ما تزال صائبة: العدل أساس الحكم.

طوال التاريخ كانت الحركات الشبابية هي التي تقود التغيير، بما في ذلك عصرنا الحالي. وحتى لو بدا ظاهريًا أن هذه الحركة الشبابية أو تلك فشلت في إحداث التغيير الذي تسعى إليه، فإن الواقع أن التغيير يبدأ، لكن بوتيرة أبطأ مما تتلهف له وتتوقعه حماسة الشباب المندفعة.

مثلًا حين ظن الاحتلال الإسرائيلي أنه قد نجح في خنق وقتل القضية الفلسطينية، نهض الجيل الجديد وفجر الشباب الفلسطيني الوضع بانتفاضة أطفال الحجارة الأولى ١٩٨٧م، وهي الانتفاضات التي قادت لنظام الحكم الذاتي وعودة القيادات الفلسطينية منتصف التسعينات من القرن.

كذلك بالنسبة لثورات الربيع العربي، فقد أحدثت قدرًا من التغيير في كل مكان اندلعت فيه، ولا يمكننا الانجرار وراء مقولة فشل الثورات العربية؛ فالتغيير قد حدث وبدأ فعلًا، حتى وإن لم يكن بكامل الأحلام والتصور المطلوب، وحتى إن كان قوطع بتدخلات سياسية واقتصادية خارجية استغلت الفوضى والفراغ السياسي لتدخل البلدان في دوامات حروب أهلية، أو حتى إن جر ذلك فيما بعد لحملات اعتقالات وتهجير؛ فالواقع أن تغييرًا ضخمًا وكبيرًا بحجم بلد بأسرها لا يمكن أن يكون خلوًا من العواقب والارتدادات والمخاوف، لكن طموح الشباب الكبير يعميهم في أحيان كثيرة عن رؤية التغيير الذي أحدثوه فعلًا على أرض الواقع، كما يجعلهم يستصغرون الأمل الذي بثوه في أحلام الجماعة البشرية، وفي وجدان الأمة. الشباب ليسوا مشكلة ولا هم القضية بل هم في الواقع الحل الحقيقي، الحل الطبيعي الذي تنقاد له الأمور بطبيعتها وفطرتها، تعتقد شركات التقنية الكبرى اليوم أنها أصبحت توجه الناس وتتحكم بهم، وعينها على الشباب بالأخص، على الأجيال الجديدة زد وألفا وبيتا، لكن الشباب بالعكس يخرجون من تلك السيطرة الرقمية ويثبتون فشلها المرة تلو الأخرى، وهم يستخدمونها في اللحظات الحاسمة لصالحهم بدل أن تستخدمهم التقنية، ويبدو أن منطقة نجاح التقنية والخوارزميات الأكبر بالعكس في الفئات العمرية الأكبر، خاصة المتقاعدين والمتقاعدات وليست في فئة الشباب؛ فهؤلاء تقودهم قوة دافعة أكبر بكثير من مجرد جهاز هاتف ولعبة فيديو وخوارزمية تطبيق.

إن أكثر ما يزعج الشباب ويغضبهم عادة هو الاستخفاف، ألا يأخذهم من حولهم على محمل الجد، أن ينظر إليهم بوصفهم فارغين، خاوين، عابثين، غير أهل للمسؤولية، لذلك يندفع الشباب، في غالبيتهم، لإثبات العكس، لإثبات أحقيتهم بالحياة التي يحيونها، ولإثبات جدارة الآراء التي يؤمنون بها.

إن طاقة الشباب المتفجرة تدفعهم دفعًا لإيجاد موطئ قدم لهم في البيئة التي تحتضنهم، من الأسرة، للجامعة، للمجتمع، للنظام، للدولة، للأمة.

وعبر انخراطهم الجاد ونقاشاتهم البينية الملتهبة بتلك الطاقة، فإنهم عادة ينشدون التغيير للأفضل، وما داموا مقتنعين مطمئنين إلى حدوث التغيير واستمراريته وصيرورته فإنهم يكونون أبعد عن الاضطراب والمواجهة، أما حين يفقدون تلك القناعة وذلك الأمل فإنهم يستشعرون أن العالم يستنجد بهم ليغيروه.

ما أدعوه القوة الدافعة هذه هي في صلب طبيعة الشباب، ذلك أن الإنسان منذ وجوده على الأرض ظل يستمد الطاقة من أسرته وأطفاله، يسعى رب الأسرة وتضحي ربة الأسرة من أجل أطفالهم، والأطفال يدركون ذلك بالفطرة، وحين يبلغون تدريجيًا مرحلة الشباب بمرور السنين فإن تلك الطاقة وذلك الدافع يتركز فيهم بشكل أكبر من المرحلة العمرية المبكرة، هناك يبدأون في التعرف على قواهم وقدراتهم وطاقاتهم، في المرحلة التي يخرجون فيها تدريجيًا ونسبيًا من تحكم وسلطة الأب والأم وتصوراتهم ورؤيتهم. وبالتدريج يصبحون هم أنفسهم طاقة ودافع التغيير، لكنهم لا يجازفون أبدًا. لنتأمل مثلًا الشباب الإيراني في هذه الحرب الأخيرة، وكيف كانت ردة فعلهم على دعوات ترامب ونتنياهو للثورة؟ لقد رفضوها وسخروا منها ببساطة، ومن يتذكر تاريخ الاحتجاجات الشبابية الإيرانية خلال العقدين الأخيرين قد يتهيأ له أن الشباب غاضبون من نظامهم ويريدون التخلص منه، لكن الواقع أن الشباب ليس دافعهم الكراهية المطلقة، بل الأمل بالأفضل، وهم ليسوا حمقى ليتلاعب بهم أعداؤهم، ولديهم من الرؤية ما يكفي ليميزوا الدعوة الصادقة من الدعوة المغرضة، حتى لو تخفّت خلف ابن الشاه نفسه، لسبب بسيط، هو أن دافعهم الحقيقي هو وطنهم ووطنيتهم، وليس مجرد استبدال النظام مهما كانت العواقب.

على عالمنا أن يفتح الحوار بشكل جاد مع شبابه وطموحاتهم، وأن يصغي لقلقهم ومخاوفهم وأحلامهم، وعليه أن يقنعهم، أن يحاورهم ويناقشهم ليثبتوا وجهات نظرهم، ويثبت لهم وجهة نظر قيادتهم، على عالمنا أن يخلق بيئة حضارية صحية يستطيع فيها الشاب والمراهق والطفل كذلك أن يوصل صوته ويبني صورته بطريقته وأسلوبه وقناعاته، وبذلك ينفتح الباب للغد، لا أن يحاول السيطرة عليهم والتحكم بهم ليشكلهم على مثاله. 

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني