العرب والعالم

محاولات يائسة للبقاء في خيام مهترئة في غزة.. لا شيء يصد المطر عن النازحين

 

د. حكمت المصري.
لم يكن النازحون في قطاع غزة يتوقعون أن يستقبلوا فصل الشتاء للمرة الرابعة على التوالي وهم لا يزالون يعيشون داخل خيام مهترئة، تآكلت بفعل تقلبات الطقس، ولم تعد قادرة على حمايتهم من برد الشتاء أو الأمطار والرياح العاتية. فمع كل منخفض جوي جديد، تتجدد فصول المعاناة، وتتحول مخيمات النزوح إلى مساحات تغمرها المياه والوحل، فيما يجد آلاف الأطفال والنساء وكبار السن أنفسهم في مواجهة مباشرة مع البرد والأمطار، من دون وسائل حماية تضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الآمنة والكريمة.
منذ ساعات الفجر، تعرضت مخيمات النزوح في مناطق مختلفة من القطاع لغرق واسع، بفعل هطول الأمطار واستمرار الرياح القوية التي تسببت في تمزق عدد من الخيام وتطاير أجزاء منها، فيما تحولت المساحات المحيطة بها إلى برك مائية ومستنقعات من الوحل، زادت من صعوبة الحركة والتنقل، وأعاقت وصول المساعدات إلى العائلات المتضررة.
توفيق عبد العزيز.. ليلة كاملة في مواجهة المياه داخل مخيم الأمان وسط قطاع غزة، وتحديداً في منطقة دير البلح، عاش السيد توفيق عبد العزيز، البالغ من العمر 45 عاماً، ليلة قاسية وهو يحاول منع مياه الأمطار من اقتحام خيمته، حيث يقيم برفقة أطفاله الخمسة.
يقول توفيق إن ساعات الفجر الأولى مرت عليه وهو مستيقظ، يتنقل داخل الخيمة وحولها، محاولاً إيجاد أي وسيلة تمنع تسرب المياه إلى المكان الذي ينام فيه أطفاله، لكن غزارة الأمطار وقوة تدفقها تجاوزتا قدرته وإمكاناته المحدودة.
ويضيف: 'منذ فجر اليوم وأنا مستيقظ، أحاول أن أمنع المياه من الدخول إلى خيمتي، حيث ينام أطفالي الخمسة على أرضية الخيمة، لكن محاولاتي باءت بالفشل، وكانت قوة الأمطار أكبر من إمكانياتي. ومع استمرار الهطول، دخلت المياه إلى الخيمة، ولم أعد قادراً على السيطرة عليها، وأصبح أطفالي وسط المياه'.
ولم يجد توفيق أمامه سوى الاستعانة بإخوته، حيث حاولوا تشكيل حواجز وسدود ترابية حول الخيام، في محاولة لتقليل تدفق المياه ومنع وصولها إلى أماكن النوم، إلا أن تلك المحاولات لم تحقق النتيجة المرجوة، في ظل اتساع رقعة تجمع المياه واستمرار هطول الأمطار.
ويشير إلى أن ما حدث في خيمته لم يكن حالة فردية، بل كان واقعاً عاشته غالبية العائلات المقيمة في مخيم الأمان، حيث واجه السكان الظروف ذاتها، وسط غياب الإمكانيات اللازمة لتصريف المياه أو توفير أماكن إيواء بديلة.
ويوضح أن طبيعة الأرض في منطقة دير البلح، التي يغلب عليها الطابع الطيني، تجعل امتصاص مياه الأمطار أمراً صعباً، ما يؤدي إلى تشكل برك مائية كبيرة بين الخيام وحولها، ويضاعف معاناة النازحين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بالمياه والوحل.
ويقول إن مرور أربعة فصول شتاء على النزوح لم يغير من واقعهم شيئاً، بل جعل المعاناة أكثر قسوة، خصوصاً مع تراجع القدرة الاقتصادية للعائلات، ونفاد مدخراتها، وارتفاع تكلفة مستلزمات الشتاء، إلى جانب محدودية المساعدات الإغاثية وعدم قدرتها على تغطية الاحتياجات المتزايدة.
سلمى.. الأمطار لا تغرق الخيام وحدها بل تغرق أحلام الأطفال لكن أكثر ما آلم توفيق خلال تلك الليلة لم يكن تسرب المياه إلى الخيمة فحسب، بل ما أصاب ابنته سلمى، الطالبة التي تحاول رغم ظروف النزوح الصعبة مواصلة تعليمها وتحقيق حلمها بالحصول على الشهادة.
فقد تسربت مياه الأمطار إلى الكتب والملازم والأوراق التي كانت سلمى تحتفظ بها، لتجد نفسها في صباح اليوم التالي أمام مشهد مؤلم، بعدما تضررت المواد التعليمية التي قضت وقتاً طويلاً في قراءتها ومراجعتها.
ويقول توفيق إن ابنته كانت تكافح من أجل مواصلة دراستها، وتستثمر معظم وقتها في القراءة والاستعداد للامتحانات، رغم افتقار الخيمة إلى أبسط مقومات الدراسة، لكنها استيقظت لتجد جزءاً كبيراً من كتبها وأوراقها قد غرق بالمياه.
ويضيف أن سلمى لم تتمالك دموعها وهي تحاول جمع ما تبقى من أوراق وملازم لم تصل إليها مياه الأمطار، في مشهد يلخص جانباً آخر من المأساة التي يعيشها أطفال غزة؛ فهؤلاء لا يواجهون فقط مخاطر الحرب والنزوح والفقر، بل يجدون أحلامهم التعليمية مهددة بفعل ظروف لا يملكون القدرة على تغييرها.
ففي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الخيمة مكاناً مؤقتاً يوفر الحماية للعائلة، أصبحت بالنسبة إلى أطفال غزة مساحة غير مستقرة، لا تضمن لهم النوم الآمن أو الدراسة المنتظمة أو حتى الاحتفاظ بكتبهم وملابسهم بعيداً عن مياه الأمطار.
شتاء رابع واحتياجات لا تنتهي إن ما يواجهه النازحون في قطاع غزة خلال هذا الشتاء لا يمكن النظر إليه باعتباره أزمة طقس عابرة، بل هو امتداد لأزمة إنسانية مستمرة، تتداخل فيها آثار الحرب والدمار والنزوح المتكرر وانهيار الخدمات الأساسية وتراجع القدرة على الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم.
ومع وجود أعداد كبيرة من النازحين، تشير التقديرات التي أوردتها جهات إنسانية منها الأمم المتحدة إلى أن عددهم يتجاوز مليوناً وتسعمئة ألف شخص، يتوزعون على مناطق ومخيمات مختلفة في أنحاء القطاع، الأمر الذي يجعل توفير الحماية والإيواء الملائمين تحدياً بالغ الصعوبة في ظل الإمكانيات المحدودة.