العرب والعالم

عندما تصبح الأنقاض درعا ضد رصاص الإحتلال

مواليد الحرب يفتشون عن والديهم الشهداء في ملامح أخوتهم

 

غزة/ حنان مطير
على طول الطريق المؤدي إلى بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزّة يسير الطفل أحمد غبن -13عامًا- بطيء الخطوات وحيدًا في شارعٍ ترابيّ طويل بين ركام البيوت الهامدة يمينًا ويسارًا.
يحمل حقيبته الزّرقاء التي تخلو من أي رسومٍ تدعو للفرح أو كلماتٍ سوى كلمة 'اليونيسف'، وقد طأطأ رأسه محتميًا بِظِلّه من حرارة شمس الظهيرة.
كان عائدًا من مدرسته الخاصة بالأيتام إلى خيمته المنتصبة بجوار أنقاض بيته ليلتقي بأخته مايا ذات العشرة أعوام وهي تخرج من باب 'الزينكو' ثم تركزه بالحجارة، كانت ذاهبةً هي الأخرى للدراسة.
شهيد بمعدة فارغة
يقف أحمد أمام الباب ويقول:' أنا ابن شهيدٍ، لم يحتمل المرض والمجاعة خلال الحرب فاستشهد في غرفة الصف الذي نزحنا إليه في مدرسةٍ بمخيم جباليا بعد اشتداد القصف الإسرائيلي'.
ويضيف: 'اليوم أدرس في مدرسة خاصة بالأيتام لا تبعد كثيرًا عن خيمتنا هذه ' يشير بإصبعه.
المَدرسةُ التي يتحدث عنها أحمد ليست مدرسة بالمعنى المتعارف عليه في كل دول العالم، إنما هي خيام داخل مدرسة تعرضت لضربات القذائف الثقيلة خلال الحرب لكنها لم تُسَوَّ بالأرض تمامًا، ويسكن صفوفَها حتى اليوم الكثيرُ من النازحين الذين قصف الاحتلال بيوتهم خلال حرب أكتوبر 2023 في ظروف صعبة جدًا.
أما مايا فتذهب لإحدى المُعلّمات وهي قريبة من مكان سكنها تُعلّمها بعض المواد الأساسية بمقابل مادي بسيط تدفعه لها والدتها مطلع كل شهر وفق قولها قبل أن ألتقط لها صورة وتنطلق مسرعةً لِدرسِها.
يعلق أحمد:' أمي تحرص بشدةٍ على تعليمنا وتوصينا دومًا بالدراسة مهما كانت الحياة صعبة، ترى أن السلاح الأول لأهل غزة هو العلم'.
لِنتعرف عليها.. يردّ أحمد بلطف:' أهلًا وسهلًا !' ويزيح الحجارة التي ركزتها مايا بسرعة وينادي والدته.
المشهد الأصعب
كانت والدته 'أم حمادة' تجلس على حجرٍ صغيرٍ ومن أمامها وعاء كبير تغسل فيه الملابس. بجوارِه هيكلٌ لثلاجةٍ تالفةٍ تحوي بعض الأوعية والقدور المعدنية المطروقة والمعوجّة التي نجت من القصف واستخرجتها أم حمادة من تحت ركام بيتها المصطف جبلًا بجوار الخيمة.
تنفض أم حمادة يديها من ماء الغسيل وتُرحب بنا فتركض طفلةٌ صغرى باتجاه أحمد وترتمي بحضنه وتقول 'إجا بابا..'.
تمالكتُ نفسي بصعوبةٍ في حضرة المشهد، فلا يختلف اثنان في تفسيره، إنه احتياج فطريّ للأب الغائب، تنهّدت الأم وقالت:' هذا هو المشهد الأصعب الذي أعيشه كل يوم، يعتصر الحزنُ قلبي كلما فَعَلَتْ ذلك، فقد أنجبتُها قبل استشهاد والدها بشهرٍ واحدٍ فقط، إنها لا تعرفه، فتنادي أخاها أحمد 'بابا' وكذلك تنادي أخاها الأكبر إبراهيم'.
تعلق:' لكنني أحمد الله أن أخويها يعاملاها بكل حبّ ولطف'. ويعاني إبراهيم -16 عامًا- من داء قدم الفيل، لكنه لا يوفر جهدًا في تخفيف الأعباء عن والدته كتعبئة جالونات الماء أو بيع القليل من أوراق السلق التي زرعتها والدته عساها توفر قوت اليوم أو يساعد في ترميم ما تلف من الخيمة وجمع الحجارة المناسبة من ركام البيت لثبيت أطراف الخيمة استعداداً لأمطار الشتاء-وفق قولها-.
ثم تشير للركام وتقول:' نحتمي به حين تفتح دبابات الاحتلال نيرانها على المنطقة، وهذا الأمر يحدث عدة مرات في اليوم'.
شهداء كل حين
تمشي بضع خطوات بجوار الركام وتشير بحذر إلى الشمال الغربي من بيت لاهيا' على تلك التلّة تستقر الدبابات وتطلق النار متى شاءت فيسقط الشهداء والجرحى، فالحرب لم تتوقف وإن زعم الاحتلال ذلك '..
وتعلق:' نحن نعيش حاملين أرواحنا على أكفّنا.. ففي أي لحظة قد نكون في عداد الشهداء'.
كانت الدبابات قريبةٍ جدًا من الخيمة، ما يفصلنا عنها أقل من الكيلو متر الواحد.. أما البيوت فلم يعد هناك أي بيت يفصلنا عنها، إنها ساحةٌ مدمرة تماماً وهي التي كانت تضجّ بالحياة وتمتلئ بالأراضي الزراعية قبل الحرب.
في تلك الساحة الصغيرة التي سوّرتها أم حمادة بجوار الخيمة زرعتِ الباذنجان والفلفل والنعناع والريحان وقليلًا من أوراق السلق، فهي لا تملك دخلًا ولا أي مصدر رزق .
توضح:' اليوم نعيش على المساعدات التي تقدمها بعض المؤسسات، وعلى ما أزرعه بيدي في هذه المساحة الصغيرة بالرغم من شح المياه'.
الضَّرتان الأختان
وتروي:' قبل الحرب كانت رفيقتي 'وتقصد ضَرَّتها' تعمل في بيع الخضرة على بسطة في سوق مخيم جباليا وتنفق علينا وتتكفّل بمصروفنا جميعًا خاصة وأن زوجي الشهيد كان مشلولًا غير قادر على العمل، إننا أختان ولَسْنا ضَرّتين، لم توفّر جهدًا في سبيل إسعاد أولادي'.
حمادة هو الابن البِكر للعائلة وهو من كان يوصل زوجة أبيه التي اعتادوا على مناداتها 'خالتي' إلى السوق على عربة كارو، تخرج فجرًا، وتعود بعد العصر حاملةً كل ما تحتاجه الأسرة.
تعلق أم حمادة:' كلّه انتهى، الاحتلال قتل ابني حمادة الذي كان أغلى ما أملك وهو بعمر 14، وكذلك أباه، الذي حُرم الإنجاب حتى رزقه الله به بعد 26 عامًا من الانتظار والدعاء، وخَالَيْه الاثنين اللذان وقفا بجانبي حتى آخر نَفَس خلال الحرب'.
تواصل:' حُرق السوقُ وتدمّر بالكامل وأصبح داخل الخط الأصفر الذي بات في يد الاحتلال، كذلك العربة، والبيت الدافئ، أما الصحة فخذلت رفيقتي ولا تستطيع اليوم العمل، إنها إسرائيل قتلت حولنا كل جميل'.
السلاح الأهم
وإن كانت الظروف التي تعيشها أم حمادة صعبة للغاية كما كل أهل الشمال إلا أنها تحمد الله دومًا وتحتسب أحبتها عند الله شهداء لها شفعاء، وتتشبث بأي فرصةٍ لتعليم أطفالها 'إن خسرنا كل شيء فلا يجب أن نخسر التعليم، إنه سلاح أمرنا الله به'.
طال الحديث وثار الوجع في قلب أم حمادة وعينيها، فمسحت دمعةً سالت منها أمام أولادها وضرّتها التي راحت تواسيها بالقول 'وحدي الله يا أم حمادة، العوض عند الله كبير، انظري لأولادك وقولي الحمد لله أنه حفظ لنا الخمسة'. لينهي المشهد واللقاء صوت باب الزينكو الذي فتحته الابنة الثالثة حليمة عائدة بابتسامة بريئة من درسِها.
ودّعتُهم ودعوت لهم وخرجتُ من ذلك الباب ليقابلني إبراهيم وقد عاد بكيسٍ فيه بضع ربطاتٍ من السلق، لم يفلح في بيِعها، ثم تطلب مني أم حمادة بأدب كبير أن أعيد ركز الباب من الخارج خشية أن تغافلهم الصغيرة 'إيناس' فتخرج وتتوه في منطقة فيها احتمالية الموت أكبر من النجاة.