ثقافة

الطهطاوي: فقه "التمدن" والمدنية

مرفأ قراءة..

 

(1)
كان لقاء رفاعة الطهطاوي مع المجتمعات الأوروبية أثناء إقامته في باريس (1826-1831) وملاحظته الدقيقة للفروق بينها وبين مجتمعات الشرق الإسلامي في عصره أول إدراك منه لضرورة التغير الاجتماعي في العالم الإسلامي.
وقد تناول الطهطاوي جوانب من القضايا الاجتماعية في كتبه الكبرى: «تخليص الإبريز في وصف باريز» ثم «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية» ثم «المرشد الأمين للبنات والبنين»..
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن كل النقول والنصوص المأخوذة للطهطاوي من هذه الكتب الثلاثة، وإن ظل كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» (صدرت طبعته الأولى في مصر عام 1834) هو المصدر الأول للانطباع الأول والمباشر والمؤثر من نواتج هذا اللقاء الحضاري المثمر.
يعتبر الدكتور محمود فهمي حجازي في استخلاصاته القيمة لأصول الفكر العربي الحديث لدى الطهطاوي، يعتبر أن أهم هذه القضايا قضية التغير الاجتماعي، وقضية المرأة في المجتمع، وقضية الوضـع الاجتماعي لأهل الذمة في الدولة الإسلامية.. ويرصد باقتدار كيف عبّر الطهطاوي عن رؤيته وتصوره لهذه القضايا وتشكيل أفكاره عنها وإبداء الرأي فيها من خلال نصوصه؛ وبالأخص في يوميات الرحلة الباريسية (تخليص الإبريز).
في التفاته الذكي إلى بدايات ظهور مفهوم النهضة في العصر الحديث؛ يشير ماهر الشريف في قراءته لخطاب عصر النهضة، إلى أن المثقفين التنويريين قد لجأوا إلى عدد من المصطلحات للدلالة على 'النهضة'، كان أكثرها شيوعًا في كتاباتهم مصطلح «التمدن»، كما كان من ضمنها «الترقي»، و«التقدم» و«التنبيه».
وبرز اتفاق عام بينهم على أن للتمدن أصلين، أولهما -على حد تعبير رفاعة الطهطاوي في تخليصه- معنوي، يشمل الأخلاق والعوائد والآداب، والثاني مادي، يشمل المنافع العمومية، كالزراعة والتجارة والصناعة..
وحدد رفاعة الطهطاوي الوسائل التي تضمن تحصيل هذا «التمدن» في: التمسك بالشرع، وممارسة العلوم والمعارف، ونشر التعليم، وتقديم الفلاحة والتجارة والصناعة، واختراع الآلات والأدوات، وإيجاد الوسائط كالمطابع وجرائد الوقائع، وضمان حرية الرأي والتعبير.
(2)
عالج الطهطاوي قضية المدنية والتمدين في إطار رؤيته لقضية التغير الاجتماعي ككل؛ فقد وصف الطهطاوي التطور الاجتماعي والحضـاري بمصطلح «التمدن»، وينبع اقتناعه بضرورة تغيير ملامح الحياة في مصر والعالم الإسلامي من مقارنته لما عرفه في الشرق بما وجده في أوروبا.
ولم يحاول الطهطاوي أن يتصور مصر والعالم الإسلامي قطعة من أوروبا، أبدًا، بل قد حاول أن يتبين الأسس العامة للتقدم الحضاري والعلمي والتي يمكن للشرق أن يستفيد منها بخبرة أوروبا دون إحساس بضرورة المساس مع الأصول الفكرية والثقافية الموروثة لكن بوعي جديد ورؤية جديدة.
إن التقدم الحضاري، عند الطهطاوي، يقوم بصفة عامة على جانبين؛ هما التقدم المادي والتقدم المعنوي أو بمعنى آخر «التمدن المادي»، و«التمدن المعنوي» والمقصود بالتمدن المادي عند الطهطاوي: 'التقدم في المنافع العموميـة كالزراعة والتجارة والصناعة، ويختلف قوة وضعفًا باختلاف البلاد، ومداره على ممارسة العمل وصناعة اليد'. وقد عبر الطهطاوي عن هذا الجانب أيضًا 'بأنـه يتناول المنافع العمومية التي تعود بالثروة والفني وتحسين الحال وتنعيم البال على عموم الجمعية وتبعدهـا عن الحالة الأوليـة الطبيعية'. فالجانب الاقتصادي ذو أثر كبير في تغير حال المجتمع وانتقاله من الحياة البدائية البسيطة إلى مستوى حضاري أفضل.
أما الجانب الآخر للتغير الحضاري؛ فهو الجانب المعنوي، وقد حدد الطهطاوي التمدن المعنوي على النحو التالي: 'هو التمدن في الأخلاق والعـوائد والآداب يعني التمدن في الدين والشريعة. وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة التي تسمي باسم دينها وجنسها لتتميز عن غيرها'.
فالتمدن المعنوي هو التعامل بأسلوب حضاري، ويقوم هذا في رأي الطهطاوي على التربية الدينية والخلقية بصفة عامة، فالدين في رأيه ذو وظيفة تربوية سلوكية، والتربية بالمثل الإنسانية العامة تهدف أيضًا إلى تكوين السلوك الحضاري عند الفرد، ويحدد هذا السلوك أسلوب التعامل بين أفراد المجتمع الراقي.
وفي هذا يقول الطهطاوي: تهذيب الأخلاق بالآداب الدينية والفضائل الإنسانية التي هي لسلوك الإنسان في نفسـه ومع غيره مادة تحفظية تصونه عن الأدناس وتطهره من الأرجاس لأن الدين يصرف النفوس شهواتها'.
(3)
ويرى الطهطاوي ضرورة تكامل الجانبين المادي والمعنوي لتحقيق التقدم الحضاري، وقد أخذ على الكثيرين نظرتهم الجزئية إلى مقومات الحضارة والتغير الحضاري، 'فأرباب الأخلاق والآداب يخشون تقدم أهل الفنون والصنائع ويخافون ارتفاع مراتبهم بقوة مكاسبهم في المنافع. وأهل الفلسفة والعلوم الحكمية النفسية يعتقدون أن الصنائع من المهن والأمور الخسيسة. وأرباب الاقتصاد في الأموال والإدارة يبالغون في توسيع دارة المنافع'.
ولكن الطهطاوي يأخذ على هؤلاء جميعًا مبالغتهم في النظرة الجزئية، لأن الحياة لا تستقيم إلا بتكامل الجوانب المادية والمعنوية والحضارية، ولا يمكن إحداث تقدم إلا بالعمل المتكامل 'وإرادة التمدن للوطن لا تنشأ إلا عن حبه من أهل الفطن'، يستوي في هذا العاملون من أجل التقدم المادي والعاملون من أجل الترقية المعنوية.
وهناك فرق أساسي بين «التمدن» باعتباره تغيرًا حضاريا، وتغيير الزي أو المظاهر الخارجية لحياة الأفراد باعتبارها عرفًا، والتمدن ليس في عرف الملابس، بل هو في الجانبين المادي الاقتصادي والمعنوي السلوكي.
وعبارة الطهطاوي في هذا؛ هي: 'يختلف العرف باختلاف أجناس الطوائف، فإن للأجناد زيا مألوفًا يخالف مألوف العلماء والتجار.. فإن عدل واحد عن عرف بلده وجنسه بدون مندوحة عند ذلك منه حمقا.. وربما توهم البعض أن التزيي بزي البلاد الأجنبية المشهورة بالتمدن هو من المروءة والسيرة الفاضلة.. فالتمدن ليس في زينة الملابس بعرف مجهول متخيل استحسانه. فحاجة الوطن إلى المنفعة الحقيقية أشد من حاجته إلى تقليد العرف الذي هو منفعة ظاهرية'..
وبذلك يرى الطهطاوي أن التغير الحضاري هو التغير في المنفعة الحقيقية؛ أي في الجانبين المادي والمعنوي للحضارة، وذلك على عكس التغير الظاهري مثل تغيير الأزياء أو المواضعات الاجتماعية التي تختلف باختلاف المجتمعات والفئات الاجتماعية اختلافًا بيِّنًا. ولذا يقوم التغير الحضاري في نظـر الطهطاوي على تطوير الجانبين الاقتصادي والأخلاقي في المجتمع.
(4)
في السياق ذاته، يؤكد الطهطاوي أهمية دور الفرد الإيجابي في التطور الحضاري، 'فالواجب على كل عضو من أعضاء الوطن أن يعين الجمعية بقدر الاستطاعة، ويبذل ما عنده من رأسمال البضاعة لمنفعة وطنه العمومية'.
وبقدر مشاركة الفرد في جوانب الحياة المختلفة، ومحاولته العمل على رفع شأن مجتمعه بجهده وكده يكون امتيازه في المجتمع. ولا يرى الطهطاوي في السلبية فضلًا ولا امتيازًا، فالمجتمع الإنساني لا يرقى إلا بجهد الإيجابيين العاملين من أجله.
وفي هذا يقول الطهطاوي: 'ليست الفضائل عَدَمَا بل هي أفعال وأعمال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم وفي المعاملات وضروب الاجتماعات. السخاء فرع عن وجود مال بيد الإنسان استفاد بالمخالطـة حسن صرفه في الخير'. فالامتياز الفردي في المجتمع يقوم -في المقام الأول- على الأفعال والأعمال المنجزة لا على مجرد تجنب ما تنهى عنه المعايير الدينية والأخلاقية، أي أن امتياز الفرد على الآخر في المجتمع إنما يقوم على أساس إيجابي لا سلبي.
وقد حمل الطهطاوي بعبارةٍ واضحة على من يَرون 'الفضيلة في الزهد وترك مخالطة الناس.. بملازمـة المغارات في الجبال.. وبناء الصوامع في المفاوز.. والسياحة في البلدان للدروشة، فإن مثل هذا السلوك لا يقيم حضارة، ولذا فليس لمن يقوم به امتيازا اجتماعيا بالمعنى الإيجابي لذلك، بل في ذلك إهدار للطاقات الإنسانية الكامنة عندهم'.
(وللحديث بقية..)