في رحلة عذاب عايشتها عائلة غزاوية :ولادة تحت القدائف ونزوح بلا مولود
الجمعة / 25 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 18:57 - الجمعة 6 نوفمبر 2026 18:57
زهورٌ بسيقانٍ طويلةٍ وأخرى قصيرةٍ أطلّت برؤوسها الصفراء غازيةً شوارع بلدة بيت لاهيا الواقعة شمال قطاع غزّة، والتي بات يصعب التعرّف على معالمِها بعد تدميرها من قبل دبابات الاحتلال الإسرائيلية خلال السنوات الثلاث الماضية.
تقطف الطفلةُ ميرا سلامة ذات الستة أعوام زهرةً تلو الأخرى، فيما يقف توأمُها أمير بجوارها حاملًا فوق رأسه صينية مليئةً بالخبز الطازج.
'كنا عند الخباز، فقررتْ ميرا أن تجمع الزهور لتقدمّها لوالدتي، فمنذ فترة طويلة لم نرَ الزهور، لأن الدمار في كل مكان'، يقول أمير وهو يُعدّل صينية الخبز فوق رأسه.
هل الصينية ثقيلة؟ يبتسم مضيفًا:' ليست ثقيلة، عشرون رغيفًا فقط لكنها لا تتوازن تماماً على رأسي'.
تضطر والدة التوأمين فاطمة سلامة لعجنِ كمية قليلة من الطحين كل يومٍ كي لا يصعب على أمير حملها ذهابًا إلى الخباز وإيابًا، ولعدم توفر ثلاجةٍ لحفظ الفائض منه في حال جهّزتْ كميةً كبيرة، ثم خوفًا من أن تغزو القوارضُ كيس الطحين كما غزت العدس والأرز وفق ما روت التي التَقتْها في خيمتها.
سِرتُ عدة أمتار برفقةٍ التوأمين لمكان الخيمة التي يعيشون فيها، كانت منتصبةً على رصيف الشارع، ومُرقَّعةً بالكثير من قطع القماش.
التقتنا بوجه بشوش ورحابة وهي تهشّ على وجه رضيعتها النائمة خشية تعرضها للسعات الحشرات المنتشرة في فضاء الخيمة، وسرعان ما أطلّ توأمٌ ثالث من خلف الستار، تطلب منه والدته أن يحلّ مكانها ويهتم بأخته.
إنه الصغير جود، ولولا أنه حضر في ظل وجود أمير لحسبتُه أمير نفسه.
يتبادل جود وأمير وميرا الأدوار في الذهاب للخباز، وفي تعبئة مياه الشرب كل يوم وفي جمع الحطب والنايلون للوقيد، حتى باتوا أعمدةً أساسية في هذه الخيمة خاصة في حال غياب والدهم. توضح فاطمة وقد شاحت بوجهها لصغارها.
وتعلق:' رزقني الله إياهم عن طريق زراعة أنابيب بعد خمس سنوات من الدعاء والانتظار، والحمد لله أنه حفظهم لي بعد أن ذاقوا عذاب الحرب'.
-الشهيد الرضيع-
تقطع ميرا الحديث لتقول: 'لكن أخي محمد استشهد '. تهزّ الأم برأسها وقد غرقت عيناها بالدمع وهي تروي:'كانت أيامًا دامية، ومشاعر مختلطة ما بين ألم الولادة القيصرية والذعر من القذائف العشوائية والرصاص وصعوبة النزوح'. تعبر:' لقد قتلوا فرحتنا قبل أن تولد'.
تشرح الأم:وقد أنصتَ توائمها للحكاية كأنهم يسمعونها لأول مرة:' أكرمني الله بحمل طفلي الشهيد محمد قبل أن يشن الاحتلال الحرب على غزة ببضعة أشهر، عانيت فيها الأمرّين كما كل الشمال من القطاع، لكن أصعب تلك الأيام حين جاءني المخاض والرصاص يضرب بنوافذ غرفة الولادة في مستشفى كمال عدوان، لم أقدر على الولادة الطبيعية رغم إمكانيتها، كنت أحتاج مزيدًا من الوقت، فطلبت ولادة قيصرية، وتمت الموافقة بصعوبة'.
وتواصل:' أنجبتُ طفلي محمد ووُضِع في الحضانة على أن يتم إخراجه بعد يومين، وفق الطبيب، الذي أكّد لي أن الاحتلال لن يقصف الغرفة التي تحتضن أطفالًا خُدّجًا، حين طلبت منه أن آخذ مولودي معي بسبب اشتداد القصف'.
-تحت ضربات القذائف-
وبعد يوم واحدٍ فقط من الولادة خرجت الأم من المستشفى وحيدةً تجرّ نفسها بلا مولودٍ ولا سيارة إسعاف حتى وصلت لبيتها في بيت لاهيا الواقعة تحت أعنف قصف - كما وَصَفَت- لتقرر وزوجُها النزوح بأطفالهما إلى غرب غزة فجر اليوم التالي خاصة بعد قصف البيت الملاصق لبيتهم ونجاتهم بمعجزة.
ولكن كيف لها أن تغادر للغرب وقد تركت فلذة كبدها في الشمال؟ تحكي:' يا لحسرة قلبي، هرع زوجي وسط حمم القذائف لإحضار صغيري من المستشفى، لكنه عاد به صامتًا باردًا لا يتنفس، لقد قصف الاحتلال غرفة الخُدّج في المستشفى وخاب ظنّ الطبيب'.
وتكمل:' عشتُ ظرفًا قاسيًا للغاية، نزفتُ حتى اقتربتُ من الموت، صرختُ بصمتٍ كي لا تتفجر جروحي التي لم تلتئم، طلبتُ إرضاعه وهو شهيد، لم أقبل دفنه لشدة صدمتي، طلبت أن ألبسه ملابسه الدافئة التي جهزتها له، ثم استعذت بالله ورجوته ألا يحرمني من توائمي، ونزحتُ بحرقة'.
-عذاب النزوح-
لم تنتهِ حكاية الوجع بعد، حيث أمعن جيش الاحتلال في إذاقة الغزيين العذاب، ففي رحلة نزوحهم إلى الغرب الذي ادّعى الاحتلال في مناشيره التي ألقاها في فضاء غزة أنه آمن، وكشف الواقع بعدها عكس ذلك؛ اعتُقِل الأب 'رائد' وألقى الجنودُ أغراض أطفاله وأغطيتهم التي كان يحملها أرضًا، وتُرِكت الزوجة المكلومة بأطفالِها الثلاثة وحيدة في ليل نوفمبر البارد عام 2024.
قرابة العام أمضته أم التوائم لا تعلم شيئًا عن زوجِها حتى خرج حيّاً بأعجوبة ليروي لهم ما عاشه في سجون الاحتلال دون أن تُوجه له أي تهمة، توضح:' لقد تمنى الموت على أن يرى العذاب البدني والنفسي الذي عاشه هناك، أخبروه أن الجيش قتلنا جميعًا، وأنه لم يُبْقِ له أحد، اقترحوا عليه التعامل معهم مقابل خروجه سالمًا لكن رفض واختار الموت عزيزًا فجنّ جنونهم فأوسعوه ضربًا، عذبوه بكل الطرق، ضربًا بالكف والحديد والبساطير والبنادق، ناهيك عن القنابل المفاجِئة ليلًا والتجويع والمنع من دخول الحمام، أما إفلات الكلاب على المعتقلين فقد كان الأقسى'.
وبالرغم من قسوة ما عاشه رائد سلامة يؤكد أن آلاف الأسرى يعانون أكثر بكثير مما عانى، حيث يبتدع الاحتلال طرقًا لا تخطر على بال بشر لإذلالهم وتركيعهم.
وتختم الأم حديثها: ' كلما جلستُ وحدي في الخيمة أعود بذاكرتي لبيتنا الجميل المُدمر ولبلدتي بيت لاهيا التي كانت خضراء بزراعتها عامرة بالناس مفعمةً بالحياة، وللمدارس التي تعجّ بالأمل والعلم، ثم سرعان ما أصطدم بزامور تُك تُك ' وسيلة مواصلات غير آمنة' ليعيدني للحياة القاسية التي نعيشها اليوم حيث حُرمنا وحرم أطفالنا من أبسط حقوقهم، التعليم الجيد والبيت الآمن ومن كل شيء جميل'.