أعمدة

الاندماج.. كثير من الحذر

يمثّل الاندماج المطلق معضلةً سلوكيةً في كثير من جوانبها الاجتماعية، وعلى الرغم من الحرص على ألا يتقوقع الفرد على ذاته، إلا أن هذا التقوقع في كثير من مختالات هذا السلوك يصبح في لحظات مهمة ضروريًا جدًا؛ فقد يصبح أكثر حلّ للمشاكل من الاندماج الذي تختلط فيه القناعات، وتخلط فيه الأوراق.

فالمساحة الفاصلة بين الناس، والتي ينادي بها كثير من الناس، تعطي نوعًا من الحرية في مسائل القبول والرفض، وفي مسائل الاحتواء من عدمه، ومتى استطاع الفرد أن يختط لنفسه خطًا موازيًا مع غيره، كان ذلك أكثر منطقية من التقاطع معه في كثير من شؤونه، حيث يستطيع الجميع أن يرتب أولوياته بعيدًا عن الأعين التي تراقبه.

ولذلك، فكثير من الشراكات لا تنجح، ليس لأن أطرافها يفتقرون إلى الأمانة والإخلاص، إنما بسبب تقاطع الاهتمامات أو تضارب المصالح، وهو ما قد يؤدي إلى فشلها.. وهذا المفهوم ذاته يتفق كثيرًا مع مفهوم «التعايش» بين الأفراد؛ حيث يظل القبول الصفة الطاغية في التعامل؛ فجميعنا لا يعيش في جزر معزولة، وبالتالي فالتعايش هي صفة أصيلة في الحياة الاجتماعية، والإنسان «مدني بطبعه»، كما يقول عالم الاجتماع ابن خلدون ــ رحمه الله ــ.

تحضر العفة عن كل ما يملكه الآخر باعتبارها أهم مكوّن لتحييد الكثير مما تسعى إليه النفس إلى امتلاكه والاستحواذ عليه، وبذلك فهي تمارس عزلًا مباشرًا وغير مباشر في هذا الحياد.

والفكرة هنا لا تذهب فقط إلى الأشياء الممنوعة التي لا يحق لنا امتلاكها، أو الاستحواذ عليها من الآخرين، بل حتى تلك المباحة، وخاصة عندما نتجاوز حدود هذه الإباحة من خلال المبالغة في ذات الشيء؛ فالمبالغة في احترام شخص ما قد يؤدي إلى التذلل، وإراقة ماء الوجه، والمبالغة في الكرم قد يؤدي إلى الإسراف، والمبالغة في العطاء قد يؤدي إلى التبذير، والمبالغة في الكره قد يؤدي إلى الحقد الدفين الموغل في الإساءة المطلقة، والمبالغة في الإقدام قد يؤدي إلى التهور. ولذلك، تنتصر الوسطية في سياق عمليات العزل «التوازن».

نمارس عمليات العزل مع أنفسنا؛ لنجنبها الكثير من التماهي في السلوك الشائن، رحمة بها، وحرصًا على أن تبقى صورًا ناصعة من الشوائب الخلقية؛ فالأخلاق هي الوحيدة، والقادرة على تحييد النفس عن الوقوع في براثن الأخطاء، مع أننا نحن البشر لسنا معزولين بصورة مطلقة عن الوقوع في جملة من الأخطاء، وذلك للضعف الذي نعانيه.

وتأتي المسارعة في مراجعات الأخطاء بصفتها نوعا من عمليات العزل المطالبين بها، حتى لا نستمرئ السلوك الشائن، فيصبح معتادًا لا يوقظ فينا خطورة الممارسات ونتائجها المترتبة بعد ذلك.

هل يواجه الفرد منا صعوبة في عمليات عزل السلوكيات الخاطئة في كل محطة من محطات الحياة اليومية؟ المسألة ــ في تقديري ــ تحتاج إلى كثير من الجهد، واحتساب مجموعة الخسائر المترتبة على عدم المحاولة؛ فخسارة شخص ما قاده الحظ العاثر لكي نسيء إليه، في سلوك مقصود أو غير مقصود، ليس بالأمر الهين.

فبناء العلاقات الآخرين تحتاج إلى مجاهدات كثيرة، من قول وعمل، بينما فقدانها يأتي في غمضة عين، وهذا ليس من مناهج العقلاء.

فعلى الأقل، إن لم ينفع صاحبك، فلا تضره.

ولعلني أستحضر هنا ما يطلق عليه «غرف العزل» في المستشفيات، حيث يعزل المريض عن الاندماج التام مع الأصحاء؛ حفاظًا على سلامته، وسلامة الأصحاء كذلك.

ومع أن الطرف الآخر «الزائر» من الأصحاء غالبًا، إلا أنه يشكل خطورة للمريض ذاته، فقد يحمل هذا الزائر شيئًا من الكائنات الدقيقة المسببة لأمراض كثيرة، فيضر بها هذا المريض الذي في الأساس مناعته متدنية، فيضاعف من معاناته.

يتاح لنا كثيرًا من عمليات العزل في أقوالنا، وأفعالنا، وحتى نوايانا، وهي عمليات الهدف منها تنقية الشوائب الضارة في كل ذلك.

صحيح أننا لسنا أنبياء اختصهم الله تعالى بكثير صفات الكمال، ولكننا لسنا معذورين عن الأخذ بالأسباب حماية لأنفسنا، وإنقاذًا لأرواحنا؛ فالوقوع في الخطأ يسبب جروحًا غائرة في النفس، وتحتاج إلى مزيد من العمر لكي تبرأ، ولكي تلقى الرضا من الآخر: « إِنَّ القُلوبَ إِذا تَنافَرَ وُدُّها، شِبهَ الزُجاجَةِ كَسرُها لا يُشعَبُ».

وهناك من يرى أن تكرار الاعتذار من الآخرين من حولنا يرسخ في ذاكرتهم ضعف شخصياتنا، وأننا أقرب إلى السفه منه إلى الاعتدال.

ومن هنا تأتي أهمية تدارك الانزلاق في الأخطاء، ولو إلى الحد المعقول.