ترجمة

إذا فَكَّرَ الذكاء الاصطناعي نيابة عنا فسوف نعاني

 

جون بالفري

في وقت ما من القرن الثامن عشر، حَسَمت حركة التنوير مسألة خلافية عمرها قرون من الزمن: من أين تأتي المعرفة؟ لآلاف السنين، أشار كثيرون إلى الرب كمصدر لها. لكن الفترة الحديثة المبكرة جلبت إجماعا جديدا، مفاده على وجه التحديد أن المعرفة تأتي من العلماء البشر الذين يعملون عند أطراف كل ما هو معروف، مسلحين بالملاحظة الدقيقة، والرياضيات، والتجريب، والمنطق.

وكما أشار المؤرخ ستيفن شابين، كانت هذه ثورة اجتماعية بقدر ما كانت ثورة فكرية. فقد بدأت العلوم في إعادة صياغة منظومة قيمنا المشتركة حول فكرة مفادها أن البحث والدقة من الفضائل. لقد أخضعنا أنفسنا وأعلى مؤسساتنا لمعايير البحث العلمي.

لا يوجد نظام سياسي يعكس هذا التحول أفضل من الديمقراطية. يستند مبدأ السيادة الشعبية إلى مبدأ يؤكد أن كل واحد منا قادر على المقارنة بين المرشحين أو المقترحات السياسية والتوصل إلى استنتاجه المستنير الخاص.

اليوم، أصبحنا على أعتاب ثورة مماثلة. في سبتمبر، استغرق أحد نماذج شركة OpenAI أقل من أسبوع لحل مسألة رياضية حيرت العلماء لعقود من الزمن؛ والحق أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل بالفعل على تحديد مضادات حيوية جديدة مرشحة من خلال البحث في مساحات كيميائية شديدة الاتساع إلى الحد الذي يستحيل معه أن يتمكن أي فريق بحثي من استكشافها.

وفي عدد متزايد من المجالات، تنتج الآلات معلومات جديدة بشكل مستقل. لا يزال البشر يطرحون الأسئلة ويقيّمون النتائج، لكن عملية التوليد -القفزة الإبداعية عبر المجهول- تُشعِل شرارتها على نحو متزايد أنظمة لا تفكر بالطريقة التي نفكر بها، أو لا تفكر على الإطلاق.

وكما رأينا في الثورة العلمية، تقودنا أنظمة المعلومات الجديدة غالبا إلى أنظمة معرفية وأخلاقية جديدة. فيُعلّمنا الذكاء الاصطناعي ضمنا تقدير أهمية السهولة، والسرعة، والاستعانة بمصادر خارجية، وهذه القيم لها مكانها في سياقات بعينها. فلا يستطيع أي إنسان تحليل ذات الكم من البيانات بذات السرعة التي ينفرد بها الذكاء الاصطناعي، وفي قطاعات مثل الطب، كثيرا ما تنقذ السرعة الأرواح.

لكن كما يعلم أي شخص تابع تطور الإنترنت في السنوات الأخيرة، فإن التحرك بسرعة قد يعني تعطيل الأمور والإخلال بها. ولا يجوز لنا أن نسمح لمؤسساتنا الديمقراطية بأن تصبح أحد هذه الأمور.

تتمثل أعظم مهارات الذكاء الاصطناعي في التعرف على الأنماط. فنحن نغذي الخوارزمية بسؤال أو معادلة، فتتولى مقارنة المدخلات لتحديد الإجابة. ما لا يستطيع فعله هو تحديد الأسئلة التي تستحق أن تُطرح، أو النتائج التي تستحق أن نلاحقها، أو نوع المستقبل الذي ينبغي لنا أن نسعى إلى بنائه. هذه هي على وجه التحديد أنواع الأسئلة التي تُلزِمنا الديمقراطية بوضعها في الاعتبار.

الواقع أن كثيرا من التساؤلات المهمة التي يواجهها البشر لا يمكن إسنادها لجهات خارجية. على سبيل المثال، ما هي السياسات القادرة على التخفيف من حدة الاستقطاب السياسي؟ كيف ينبغي للديمقراطية الليبرالية أن توازن بين المراقبة والحريات المدنية؟ وماذا تتطلب العدالة من مجتمع مبتلى بأوجه تفاوت عميقة؟

هذه ليست مشكلات يمكن حلها بالتعرف على الأنماط، لأن أيا منها لا يوجد له حل واحد. فهي تتطلب الحكم البشري -حتى وإن كان يفتقر إلى الكمال، ويثير الجدال، ولا يكف عن التطور، وغير مستقر - فضلا عن السياق الذي لا يستطيع غير البشر في المجتمعات إدراكه والشعور به. أيا كان نظام القيم الذي نتبناه في عصر المعلومات الجديد الذي نعيشه، فسوف نحتاج إلى مراعاة عجز الذكاء الاصطناعي عن الإجابة على أكثر أسئلة البشرية أهمية.

لقد مررنا بهذا من قبل، وفي زمن أقرب إلى الوقت الحاضر مما يدرك كثيرون من الناس. منذ أصبح الإنترنت منتشرا في كل مكان في حياتنا الشخصية والمهنية، كان لزاما علينا أن نتوصل إلى كيفية استيعاب مزيد ومزيد من المعلومات، مع حماية الحقيقة في الوقت ذاته. كنا مضطرين إلى إيجاد السبل لضمان أن الاقتصاد الرقمي يخدم المصلحة العامة، وليس فقط مصالح الشركات وأرباحها. لحسن الحظ، بدأ المتقاضون والمحاكم أخيرا في تحميل منصات التواصل الاجتماعي الكبرى المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال.

في الوقت ذاته، جلبت التكنولوجيات الرقمية عددا كبيرا من الفوائد. كفلت المكتبة العامة الرقمية الأمريكية إمكانية الوصول إلى الكتب المحظورة أو غير المتوفرة في بعض أجزاء البلاد. وتتيح لنا أداة Wayback Machine التابعة لأرشيف الإنترنت تعقب مقال على الويب يعود إلى عقود مضت. كما أتاحت ويكيبيديا الوصول مجانا إلى ثروة من المعرفة الجماعية. واستخدمت أكاديمية خان التكنولوجيات الرقمية لإضفاء الطابع الديمقراطي على التعليم.

تشهد هذه المشاريع على أهمية القيم التي تبنيناها قبل قرون من الزمن أثناء الثورة العلمية. وحتى مع انتشار المعلومات المضللة والمزيفة في كل مكان على الإنترنت، اخترنا حماية الحقيقة والأدلة من أن تُدفن، وأن نجعل الحقائق متاحة مجانا، وأن نرحب بأي شخص يرغب في معرفة المزيد.

يتطلب الذكاء الاصطناعي اتخاذ اختيار مماثل. ففي حين غمرتنا الإنترنت بالمعلومات - الصحيحة والكاذبة، الحميدة والخبيثة - يعرض علينا الذكاء الاصطناعي الاستعانة بمصادر خارجية لإجراء التحليل بالكامل.

ينبغي لنا أن نقاوم هذا الإغراء. فالإجابات، مهما كانت طريقة استخلاصها، ليست على ذات القدر من قيمة الرؤى (كما أشار علماء الرياضيات في الرد على إنجازات OpenAI الخارقة). لا يجوز لنا أن نجعل المُنتَج أعلى قيمة من عملية التعلم والاكتشاف. تتطلب الديمقراطية مشاركة كل المواطنين، سواء في صناديق الاقتراع، أو في اجتماعات مجلس إدارة المدرسة، أو على مائدة العشاء.

الواقع أن مؤسساتنا، بحكم تصميمها، من غير الممكن أن تعمل بالقصور الذاتي. فالديمقراطية، شأنها شأن العلم، تتغذى على أشخاص غير راضين يطرحون دائما السؤال التالي حول كيف يمكننا أن نكون أفضل، وأذكى، وأسرع، وأكثر حرية. وعندما نتوقف عن المشاركة أو نبدأ في استبدال الآراء المستنيرة بالإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، يتوقف هذا المحرك.

وهنا من الممكن أن تكون الأعمال الخيرية مفيدة. جنبا إلى جنب مع تسعة ممولين آخرين، ندعم نحن في مؤسسة ماك آرثر مبادرة Humanity AI، وهي مبادرة بقيمة 500 مليون دولار تهدف إلى ضمان بقاء الإنسانية في صميم تطوير الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة. ومنذ البداية، يتمثل مجالان رئيسيان من مجالات التركيز في الديمقراطية والتعليم. يجب أن تتطور هذه المؤسسات لتواكب متطلبات العصر، والذكاء الاصطناعي ذاته يجب أن يُصَمَّم ويُنشَر دائما بطرق تتيح للبشر التحكم في زمام الأمور.

قد يمكّننا الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف من خلق عالم أفضل، وأذكى، وأكثر أمانا. لكننا نُحسِن صُنعا إذا تذكرنا أنه بُني على أساس مراجعة الأقران والجامعات البحثية العامة.

من غير الممكن أن تَحُل منتجات الثورة العلمية محل العمليات والمبادئ التي أوجدتها. فهذه العملية ثمينة، ويجب حمايتها.