لماذا لم أعد قادرًا على البكاء؟
الخميس / 24 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:16 - الخميس 5 نوفمبر 2026 19:16
عندما مات أبي، لم أستطع أن أبكي كما بكيت إلى جواره في سرير المرض بغرفة العلاج! عندما نما إلى أذني خبر وفاته، تجمد كل شيء في جسدي، ولم أستطع فعل أي شيء طبيعي يدل على أن الخسارة كبيرة سوى الصمت، وكأن كل شيء قد توقف في سائر جسدي!
بعد سنوات من تلك الحادثة المؤلمة، لا زلت أتذكر تفاصيل ما حدث بالضبط، والسؤال يعيد تكرار نفسه: لماذا لم أستطع البوح بالألم والبكاء بحرقة رغم أن القلب كان مشحونًا بالحزن والألم؟
أحد الرفقاء ربط ذلك بالأمراض المزمنة وأيضًا بتقدم العمر، لكنني لم أقتنع بما قاله. صديق آخر ربط ما حدث معي بعلة أخرى، وهي أن «ثقافات البكاء» هي طبيعة أنثوية، فمنذ الصغر ونحن نسمع من آبائنا وأمهاتنا: «يجب ألا تبكي لأنك رجل»، أو أن «البكاء هو علامة ضعف»، وهذا قد يكون سببًا وجيهًا في جعل أكثر الناس صمودًا في مواجهة الوجع غير قادرين على البكاء والتعبير عن مشاعرهم، رغم أن الحزن يضرب قلوبهم بمقالع حديدية تستطيع أن تكسر كل القيود.
وحتى هذه الأسباب لم تكن مقنعة بالنسبة لي، فالموضوع أكبر من ذلك بكثير، فعدم البكاء لا يعني أننا لا نحب من رحل، وأن فقدانه ليس مؤلمًا، أو أن القلب قد أصبح قاسيًا لا عاطفة تهزه!
أعتقد بأن الأمر به سر يتعدى ذلك بكثير، لأن رحلة التعافي من فقدان أبي لم أتشافَ منها رغم مرور نحو خمس سنوات من اليوم، فكل التفاصيل القديمة حاضرة في ذاكرتي، لكن لماذا كنت صامدًا في المكان والزمان الذي افترقنا فيه، ولم تنهَر كل جبال الصخر؟
ربما سأظل طويلًا أبحث عن إجابات وأتلقى سيلًا آخر من الأسئلة، ولكن في كل مرة أجد نفسي قد أصبحت شخصًا آخر جديدًا، مشاعره معبأة في جسده، أما تفاصيل البوح بما أشعر به فتظل بيني وبين نفسي، انكسار روحي وصمود جسدي!
ربما قصة الفقد لم تبدأ في عقلي برحيل والدي، وإنما قبله كان الفقد عميقًا بموت أشخاص جرحنا الغياب بمشرط الوداع، وبقينا نتجرع فضاء الصمت وصور الذكريات حتى اليوم، فهناك وجع جاء من الأم قبله ومن الإخوان والأهل وحتى أقرب الأصدقاء.
الأعزاء على قلوبنا لا نتقبل فكرة رحيلهم عنا، فمن الصعوبة أن تنهي قصة الوجود بسهولة، وتقبل بأن كل شيء قد انتهى بمجرد هذا الفقد الذي نتقبله كقدر محتوم، فإن كان الغياب موجعًا، فإن تذكر الماضي لا يقل قسوة وحدّة عن أي وجع آخر!
أنا لست ضليعًا في التفسيرات النفسية، ولكن لدي اطلاع على ما يُكتب ويُقال في مثل هذه الحالات الإنسانية، فقد يكون ما حدث هو تمامًا ما تم نشره في دوريات العلماء والكُتّاب المتخصصين، وأغلب ما كُتب كان كفيلًا بأن يولد لديّ قناعة تستسلم لأمر مهم، وهو رحمة الله بالإنسان.
فأحد التفسيرات العلمية أو المعرفية يقول: «العقل البشري يواجه الأحداث المفاجئة والصادمة بآلية دفاعية، حيث يصاب الجهاز العصبي بنوع من الخدر المؤقت أو الانفصال عن المشاعر لحماية النفس من الانهيار الفوري».
قد يكون سببًا وجيهًا، أو تفسيرًا لما حدث معي وغيري، ولكن من الغرائب أن البعض يربط المشاهد بما يجول في النفس، فالانهيار هو علامة الحزن فقط، أما الصمود في الشدة فهو تعبير عن عدم المبالاة أو الاهتمام، وبالطبع هذا الأمر ليس صائبًا، فقدرة الاحتمال تختلف من شخص إلى آخر، والدين الحنيف يدعونا إلى الجلد والصبر والاحتساب، قد يكون البكاء داخليًا والحزن يتضاعف مع مرور الوقت، لكن علينا أن يكون إيماننا بالله أقوى من أي مصيبة نصاب بها حتى لا تؤثر علينا كثرة الخطوب وتضعف أبداننا وتجعلنا مستسلمين للوجع.