ليطمئن قلبي.. حين نقرأ الحكايات لنفهم الإنسان
الخميس / 24 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:15 - الخميس 5 نوفمبر 2026 19:15
حين أغلقت صفحات رواية «ليطمئن قلبي» للكاتب أدهم شرقاوي، وجدتني أفكر في الشخصيات التي مررت بها خلال القراءة، وفي الحكايات التي بدت في ظاهرها متباعدة، لكنها التقت عند أسئلة الإنسان الكبرى: الحب، والإيمان، والشك، والفقد، والرضا.
فبعض الكتب تنتهي عند آخر صفحة، فيما تظل أسئلتها ترافق القارئ بعد الفراغ منها، وهذه إحدى المساحات التي تمنح الرواية أثرها.
اختار شرقاوي الحافلة إطارًا يجمع شخصيات مختلفة، لكل واحدة منها حكايتها الخاصة ونظرتها إلى الحياة.
ومن خلال هذا المكان العابر، تتكشف عوالم داخلية لا يمكن الحكم عليها من المظهر وحده. وقد وجدت في هذه الفكرة مدخلًا لقراءة الإنسان نفسه؛ فنحن نلتقي أشخاصًا كثيرين في طرقات الحياة، لكننا لا نعرف ما يحملونه من وجع أو أسئلة أو أمنيات مؤجلة.
تأخذنا حكاية كريم ووعد إلى تعقيدات الحب والعلاقات، حيث لا تكفي المشاعر وحدها لحسم الاختيارات، ولا تسير القلوب دائمًا في الطريق الذي رسمته لها الأمنيات.
وما لفتني في هذه الحكاية أن العلاقات الإنسانية لا تُفهم من موقف واحد، وإنما من تراكم التفاصيل والمواقف التي تكشف حقيقة المشاعر وحدود التفاهم بين أصحابها.
وفي مسار آخر، يفتح الحوار بين ماهر وهشام بابًا للنقاش حول الإيمان والشك، فيتحول الحديث إلى مواجهة بين الأسئلة التي تشغل العقل والطمأنينة التي يبحث عنها القلب.
ومن وجهة نظري، تكمن أهمية هذه الحوارات في أنها تضع القارئ أمام مساحة للتأمل، وتدعوه إلى مراجعة أفكاره، شريطة أن يمنح الأسئلة حقها من التفكير، وألا يتعجل الوصول إلى الإجابات.
وتمنح شخصيتا الخالة آمنة والعم أحمد الرواية بُعدًا إنسانيًا مؤثرًا؛ فالأولى تواجه المرض بما تحمله من إيمان وصبر، والثاني يعيش تجربة فقدان البصر، بما تفتحه من دلالات تتجاوز الحواس إلى البصيرة.
أما ريحان، بما تعيشه من ألم الحرمان من الأمومة، فتقربنا من وجع قد لا يراه الآخرون، وتذكرنا بأن وراء الوجوه الهادئة قصصًا لا تُروى بسهولة.
ومن خلال تتبعي لهذه الشخصيات، لاحظت أن الكاتب يعتمد على الحوار بوصفه وسيلة أساسية لعرض الأفكار وبناء المواقف. وتمتاز لغته بالقرب من القارئ، وبقدرته على الانتقال من الحكاية اليومية إلى السؤال الفكري.
ومع ذلك، شعرت في بعض المواضع بأن امتداد النقاش المباشر يطغى على حركة الأحداث، وكان من الممكن أن تُمنح بعض المواقف السردية مساحة أوسع لتجسيد الفكرة بدلًا من شرحها.
ما خرجت به من هذه القراءة أن «ليطمئن قلبي» ليست حكاية عن شخصيات تتشارك رحلة في حافلة فحسب، بل محاولة للاقتراب من تناقضات الإنسان وما يختبئ خلف اختياراته ومواقفه. لقد أعادتني الرواية إلى حقيقة بسيطة: لا نعرف عن الآخرين إلا ما يظهر لنا، أما ما يثقل قلوبهم فقد يحتاج إلى إصغاء طويل حتى نفهمه.
وحين نمنح الحكايات فرصة لأن تُروى، ندرك أن لكل إنسان رحلة لا نعرف تفاصيلها، وأن الطمأنينة لا تأتي دائمًا من غياب الأسئلة، فقد تبدأ أحيانًا حين نتعلم كيف نواجهها بصدق.