روضة الصائم

فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

 

ما قولكم فيمن قال: لن تجد في كتاب الله أمرًا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هناك أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول متحققة تمامًا باتّباع ما جاء به القرآن، أو ما جاء به من قرآن، أما النبي، فطاعته متأكدة فقط على من عاصره؛ لأنه ولي الأمر، ولا تلزم من لم يعاصره؛ لأن الله لم يحفظ كلامه صلى الله عليه وسلم كما حفظ القرآن الكريم؟

هذه الشبهة ضعيفة من وجوه كثيرة، ومن العجب أن يتناقلها المسلمون ظانين أن فيها شيئًا من الصواب، مع أنهم إذا رجعوا إلى كتاب الله عز وجل، فإن الآيات في القرآن الكريم شاهدة ناطقة بكذب هذه الشبهة وبافتراء قائلها لها، فنحن لو استعرضنا في هذا المقام ما تسمح به الذاكرة الآن مما ورد فيه الخطاب موجهًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يمكن لنا أن نعد جملة من الآيات القرآنية، وباستعراضها نتبين ما تشتمل عليه وما تدل عليه: هل يمكن أن يؤكد صحة هذا الزعم، أو أن ما تشتمل عليه هذه الآيات القرآنية يدحض هذه الفرية، وتتضاءل أمامها هذه المزاعم الباطلة؟ فالله تبارك وتعالى يقول: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»، وصفه هنا بالنبوة، ووصف المؤمنين بأنهم يتبعونه، ولم يذكر وصف الرسالة هنا.

ويقول ربنا تبارك وتعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ»، فربنا تبارك وتعالى هنا يخاطب محمدًا صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، بوصف النبوة، ثم إنه يأمره بأمر لعموم المؤمنين؛ إذ لا قائل بأنه إنما هو لمن كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقائل ذلك يحتاج إلى دليل. فالله تعالى يقول: «حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ»، ويتأكد هذا أيضًا في قوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ». هل المطلوب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي خوطب في هذه الآية الكريمة، وقد تكررت في موضعين من كتاب الله عز وجل، أن يجاهد الكفار والمنافقين بنفسه؟ لا قائل بذلك، فهو أمر له صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من بعده بمجاهدة الكفار والمنافقين.

وأبلغ من هذه الآيات، مما يحضرني الآن، أن الله تعالى يقول: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا»، هذا بيان لدعوة سيد الأولين والآخرين، خاتم الأنبياء والمرسلين، الواجبة طاعته، الذي أُمر المؤمنون باتباعه. فالآيتان الكريمتان تلخصان ما بُعث به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ابتدأتا بنداء النبوة: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ»، ثم لخّصتا ما أُرسل به، فقال: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»، شاهدًا على من بُعثت فيهم، ومبشرًا الذين يصدقونك بالجنة، ونذيرًا للذين يكذبونك بالعذاب والنار، عياذًا بالله. ثم قال: «وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ»، الآن هو وصفه، ناداه بخطاب النبوة، ثم قال: «وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ»، فهو يدعو الأمة إلى الله تبارك وتعالى بهذا الوصف الذي وصفه به ربه تبارك وتعالى.

قال: «وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا»، ما معنى أن يصف الله تبارك وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية الكريمة بأنه سراج منير، إن لم يكن في سياق الائتساء والاقتداء والاتباع، إن لم يكن مأمورًا بطاعته والانقياد لأمره والاستسلام لحكمه في كل ما جاء به؟

كذلك مما يحضرني قول الله تبارك وتعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ» الآية الكريمة، ما فائدة وصفه بالنبوة هنا إن كان وصف الرسالة مغنيًا للدلالة على لزوم طاعته، وأنه لا ينقاد له إلا فيما أُمر وخوطب به بوصف الرسالة؟ إذن، فما فائدة ذكر النبوة هنا، والله تعالى يقول: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ»، ثم وصف ما جاء به من عند ربه تبارك وتعالى، فقال: «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ».

ثم نجد في بعض الأحكام العملية أيضًا، فالله تعالى يقول: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا»، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بوصف النبوة: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ»، «وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ»، فكيف يقال بعد ذلك بأن طاعته إنما تكون فيما جاء مقترنًا بذكر الرسالة؟

ومثل هذا أيضًا في بعض الأحكام العملية، قول الله تبارك وتعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ»، وقوله: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ»، وكذلك أيضًا: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ»، فهذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمنطوقه، ولعموم المؤمنين بمفهومه.

وقول الله تبارك وتعالى: «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى»، إذن، فما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمور باتباعه؛ لأنه مسدد بوحي الله تبارك وتعالى، وهاتان الآيتان من سورة النجم، وما تقدمهما هو وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بما يشير إليه، لا بوصف الرسالة؛ لأنه قال: «مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ»، فإذن، الحديث عن ذاته عليه الصلاة والسلام، عن شخصه وصفاته، وما أمره به ربه تبارك وتعالى، وعن حالته التي يُعرِّف الله تبارك وتعالى بها العالمين. ولذلك قال: «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ».

إذن، بهذه الآيات الكريمة وبأمثالها مما يوجد في القرآن الكريم، وهو كثير، دلالة واضحة على تضعضع هذه المزاعم وعلى تردي هذه الشبهة؛ لأنها لا تقف أمام وضوح الحق الذي اشتملت عليه هذه الآيات الكريمة، لكن الذي انقدح في ذهني الآن أن قائل هذا، كما لا يخفى، إنما يريد أن يجرد هذا الدين من جوهره، وجوهره طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والالتزام بما أمرنا به ربنا تبارك وتعالى.

فنحن إذا نظرنا في هذه الأوصاف والأحكام الشرعية التي اقترنت بذكر النبوة، نجد أنها وصف لدعوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، والذين يقولون بهذه الشبهة يريدون تجريد هذه الدعوة من حقيقتها وجوهرها؛ لأن الله تبارك وتعالى وصف دعوته بقوله: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا».

يريدون أن يعطلوا أعظم أحكام العبادات في هذا الدين الحنيف، بدءًا من الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، والإغلاظ والتضييق على الكفار والمنافقين؛ لأن الآيات التي وردت في هذا السياق لم يأتِ الخطاب فيها له عليه الصلاة والسلام بخطاب الرسالة، وإنما جاء بخطاب النبوة.

فقال: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ»، و»يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ»، يعني في سياق التحريض على القتال، وفي سياق الجهاد والقتال في سبيل الله عز وجل، ما ناداه الله تبارك وتعالى إلا بوصف النبوة، فتظهر لهؤلاء الطاعنين مصلحة في تجريد هذا الدين من هذا الجوهر.

فهذا إجمالًا، كما قلت، ما يسمح به الآن الخاطر في استحضار بعض الآيات القرآنية. ومع ذلك، فأنا على ثقة من أن طلبة العلم وعموم المسلمين، إن رجعوا إلى كتاب الله عز وجل ونظروا في الآيات التي خوطب فيها نبينا عليه الصلاة والسلام بخطاب النبوة، فإنهم سيجدون الكثير من الأوامر والنواهي والحلال والحرام مما اقترن بوصفه نبيًا عليه الصلاة والسلام، ومن أجل ذلك تندحض هذه الدعوة الباطلة.

ما تفسير قوله تعالى: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ»؟

هذه الآية كثير من الناس لا يحسن فهمها، فيظنون أن معناها ينصرف إلى أن يتحدث المرء عما أنعم الله تبارك وتعالى به عليه دون قيد أو شرط، وهذا المعنى على الإطلاق، هكذا، غير صحيح، ولا هو مقصود في الآية الكريمة.

وإنما الآية تتحدث أولًا عما امتن الله عز وجل به على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سورة الضحى، قال: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى۝ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى۝ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى۝ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ۝ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ».

بعد أن أقسم بالضحى والليل إذا سجى، ثم قال: «مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى۝ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى۝ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى۝ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى».

هذه هي النعم التي أنعم الله عز وجل بها على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أمته من بعده؛ فقد أنعم عليهم بالوحي، وقد أنعم عليهم بالإغناء، وقد أنعم عليهم بالنصر والتمكين والعزة، وتحسن الأحوال حالًا بعد حال، وبالخروج من الضلالة، وبالدلالة إلى الصراط المستقيم، وباجتماع الكلمة، وبالتعاون فيما بينهم، والتكاتف والتكافل الاجتماعي، والدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

هذه النعم التي يتحدثون عنها «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ»، حدّث الناس عن هذه النعم، حدّثهم عن دين الله عز وجل، حدّثهم عن الهداية وأسبابها، حدّثهم عن أحكام هذا الدين، حدّثهم عن أخلاق هذا الدين التي تُعنى بالسائل واليتيم والمسكين، وكيف يتعامل معهم، مما ورد في هذه السورة الكريمة.

أما سائر نعم الله عز وجل على عباده، فإن الذي يتحدث بها يجب أن يكون متحدثًا عن شكر لله تبارك وتعالى، وأن يأمن إذا تحدث بما أنعم الله عز وجل عليه، الشرط الأول أن يكون شاكرًا لنعم الله عز وجل عليه، والأمر الثاني أن يأمن من أمراض النفس، من الرياء، ومن النفاق، ومن الاغترار، ومن الكبر، ومن البطر، ومن أدواء القلوب التي يمكن أن تعتري الإنسان حينما يعدد نعم الله عز وجل عليه.

يجب أن يأمن من هذه الأدواء، من هذه الأمراض، أمراض الغرور والكبر والرياء والبطر والأشر، وعدم الاعتراف بنعمة الله عز وجل عليه، وأن يظن أن ذلك ناشئ عن استحقاق منه، لا بتفضل من الله تبارك وتعالى، وأخيرًا، أن يأمن أن يكون في سياق المفاضلة على غيره من الناس، أو أن يدخل أذى أو ضررًا على غيره من الناس.

وبعضهم ذكر أن يجمع مع قصده لشكر الله تبارك وتعالى أن يكون ذلك بقصد أن يتأسى به غيره. فإذا اجتمعت هذه الشروط وحققها، فلا حرج عليه حينئذٍ أن يتحدث عن نعم الله عز وجل، شاكرًا لها، ممتنًا، مستزيدًا من فضل الله تبارك وتعالى، طالبًا للنصح، واضعًا نفسه في موضع القدوة والأسوة، ومجتنبًا أن يكون في ذلك شيء من الضرر أو الأذى بغيره، والله تعالى أعلم.